العلّة والحكمة

العلّة والحكمة

تعرض أحد أصدقائي إلى موقف طريف، وكان ذلك قبل سنوات.

كان الصديق عائدا من المطار إلى منزله قرب الفجر، حيث تخلوا الشوارع تماما. وعندما وصل إلى المنزل ولدى نزوله من السيارة، وجد سيارة شرطة المرور إلى جواره، ونزل منها الضابط ليدور الحوار التالي،

الشرطي: مرحبا.

صديقي: مرحبتين.

الشرطي: من أين جئت الآن؟.

صديق: من المطار.

الشرطي: مررت على إشارات مرور؟

صديقي: أكيد.

الشرطي: وهل تجاوزت إشارات حمراء في طريقك؟

صديقي: كأني تجاوزت واحدة أو ربما اثنين.

الشرطي: بل سبع إشارات. كل الإشارات في طريقك من المطار إلى هنا كانت حمراء، وقد تجاوزتها جميعا. ما هي مشكلتك مع الإشارة الحمراء؟

صديقي: ليست مشكلة، ولكن الإشارة وضعت لتنظيم المرور، وحيث أنني المرور الوحيد في الشارع، فعندما تكون الإشارة حمراء أمامي فإنها تعطل المرور بدلا من أن تنظمه، وحيث أنني المرور الوحيد، فإنني تجاوزتها لتسهيل انسيابية المرور.

الحقيقة أن الشرطي لم يتقبل هذه الحجة كثيرا. صحيح أنه تجاوز للأخ عن هذه المخالفات، لكنه انتزع منه وعدا بأن يحترم الإشارات المرورية مستقبلا (وقد التزم بذلك) بدلا من أن يضطر إلى تقديمه للمحاكمة، تجاوز سبع إشارات حمراء ليست مسألة مخالفة مرور عادية.

ولكن ما يهمني في هذه القصة هو منطق الصديق في التعامل مع الإشارة، فهو قد أخطأ في مفهوم أساسي. وهو العلّة والحكمة. فقد تكون حكمة الوقوف في الإشارة تنظيم المرور، وحفظ سلامة المشاة والركاب والمركبات. ولكن علة الوقوف، هي (الضوء الأحمر).

والعلّة هي مدار الحكم، فمتى تحققت العلّة وجب الحكم. تحريما أو فرضا.

وهذا الفرق بين العلّة والحكمة هو ما يخطئه كثير من المتعرضين لتطوير التشريع، وخاصة من العلمانيين. فيخلطون بين علة الحكم والحكمة منه..

بنفس منطق الأخ صديقي، يمكن للمرء أن يقول أنا أشعر بحاجة الفقراء وجوعهم، فلا حاجة لي بالصوم. أو يقول إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وأنا منته عن الفحشاء والمنكر فلا حاجة لي بالصلاة.

قد تكون حكمة الصوم الإحساس بالفقراء والمحتاجين، وقد تكون لتدريب المسلم على السيطرة على غرائزه البدائية (الأكل والجنس)، وقد لفوائده الصحية، وقد تكون جميع هذه الأمور وأكثر منها مما لا ندركه، ولكن علة الصوم هي طلوع الفجر الصادق من نهار رمضان.

والعلّة قد ذكرها الله لنا في أحكامه لنلتزم بها، (قالوا سمعنا وأطعنا). والسؤال عن الحكمة والبحث فيها أمر حسن. يساعد في فهم الأحكام واستنباط أحكام في ما لم يرد فيه حكم. أما ما ورد فيه حكم، فالحكم مداره العلّة.

يجادل بعض العلمانيين، في أمور مثل أنصبة الميراث، وأحكام الإعدام، بأن الحكمة منها لم تعد تحقق بهذه الأحكام. فيرون أن أنصبة الميراث لم تعد تناسب تطور المجتمع، كأن المفترض أن نخضع القرآن لما نريده من تطور، بدلا من أن نخضع التطور لأوامر الله ونواهيه. ويقولون أن أحكام الإعدام لم تعد تناسب التطور الفكري للبشر، وأنها عقوبة غير إنسانية، كأنهم أعلم بالبشر من خالقهم.

وهم يستخدمون نفس المنطق المذكور سابقا. في الخلط بين العلّة والحكمة.

إن الأوامر في الإسلام نوعين، فهناك أمور قد تركها لنا، نحدد كيفيتها كما يقتضي الحال. فقد أمرنا بالتعاون على البر والتقوى، وترك لنا تحديد آليات هذا التعاون. أمرنا أن نكون أمة واحدة، وأن يكون أمرنا شورى بيننا، وترك لنا تحديد وسائل الشورى كما يهدينا العقل، وتتحقق لنا المصلحة.

وأمور أخرى قد حددها بوضوح لا مجال للبس والخطأ فيها، مثل المواريث. فقد حدد نصيبا لكل وارث، وسماها حدود الله، وأمرنا أن لا نتعداها.

فلماذا يجهد البعض نفسه في ما أعفاه الله منه؟ ويغفل عن ما كلّفه به؟

حدد الإسلام بضع جرائم وقرر لها عقوبة وسماها حدود الله، فلم يركز البعض جهدهم في تعطيل هذه العقوبات؟ بدلا من السعي إلى معالجة الظروف التي تؤدي إلى انتشار مثل هذه الجرائم.

مجرد سؤال لبعض الأصدقاء..


Advertisements

الكرامة الشخصية

الكرامة

الكرامة هي شعور بالعزة والمكانة. وهي شعور الإنسان بأنه يستحق مكانة معينة أمام نفسه وأمام الناس. هذه المكانة هي ما يصفه أخصائيو علوم النفس بأنه “تقدير الذات”. قد يزداد هذا الشعور عن حده المقبول عند شخص فيتحول إلى كبر وغرور، أو ينقص عند آخر فيصبح مذلة وشعورا بالنقص.

ويأتي شعور المرء بالكرامة من قناعته بامتلاك المقومات اللازمة لمنحه هذه المكانة التي يراها مناسبة له. فهو يرى أنه يستحق التكريم وأن يعامل معاملة متميزة بدرجة ما، إلى غير ذلك من مظاهر الكرامة. وأرى أن الكرامة قرين القناعة والاستغناء عن الناس والسلوك القويم والعلم.

الاستغناء عن الناس يجعلك في مكانة لا تطلب فيها شيئا من أحد، فلا تكون صاحب اليد السفلى، أو السائل المنتظر المنة من أحد من الناس. والسلوك القويم (مثل الصدق والأمانة والاستقامة وحسن الخلق وأمثالها)، فهو الذي يجعل أصحاب النفوس السوية والفطرة السليمة يقدرون صاحب هذا السلوك، فقد كان المشركون في مكة يقدرون سلوك رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعدها، فحتى يوم هجرته من مكة، كان لديه أمانات من أهل مكة. أداها عنه علي بن أبي طالب. والعلم يمنح صاحبه مكانة عالية، لأنه يحمل مكانة العلم. وقد رأينا أمثلة كثيرة من أهل العلم في ترفعهم عن الدخول على السلاطين، ومنهم من طلبه السلطان ليتعلم منه، فأجابه العلم يؤتى ولا يأتي إلى أحد. وأمثلة هذا كثيرة جداً في التاريخ الإسلامي.

أما من يفتقد هذه الأمور، فهو يعوض ذلك، باعتماده على عناصر خارجية ممنوحة أو مكتسبة، ليبني بها “كرامته” ويرفع بها مكانته. مثل المال والعقار والمنصب والجاه. ومشكلة ذلك أنه إذا فقد منها شيئا، فقد جزءاً من كرامته أمام نفسه، قبل أن يفقدها أمام الناس. أما الذي اعتمد على سلوكه وعلمه، فلا أحد يستطيع انتقاص مكانته. إلا هو نفسه، بالتخلي عن سلوكه أو بالعمل على غير مقتضى علمه. فالعالم عندما يسلك سلوك الجهال والسوقة، ينحدر إلى مكانة دونهم، لأنهم يحمل من العلم ما لا يحملون.

وهنا ينبغي التأكيد على أن ما يهين الإنسان هو سلوكه، وليس سلوك الآخرين، قد يكون في سلوك الآخرين إساءة أو انتقاص، ولكن المهين هو فعل الإنسان نفسه.

وقد عاملت كثيرين من أهل المناصب المتفاوتة، فكنت أرى في عيون المرتشين ذلة، وإن علت مناصبهم. فهم في انتظار أن يحصلوا على مال من أصحاب المصالح. ويخشون في كل لحظة أن يصيح بهم صائح، “لقد دفعت لك، فأنت أجير عندي”.  في حين أن الذي لا يقبل الرشوة، يظل موفور الكرامة، لا يخشى أحداً. فترى في نظرته العزة والكرامة. وقل مثل ذلك في الموظف المتملق لرئيسه. فقد رأيت يوماً مديراً إقليمياً يمشي منحنيا كعلامة الاستفهام أمام المدير العام للمؤسسة الكبرى. ورأيت إلى جواره مرؤوسيه الذين كان يتجبر عليهم يمشون رافعي رؤوسهم، بغير انكسار ولا تكبر.

والكرامة والشرف شقيقان متلازمان، فلا كرامة لمن لا شرف له. فالشريف يرى من كرامته أن يحافظ على شرفه. فهو يمتنع عن أي فعل يحط من شرفه، ويبعد من الشبهات التي قد تسيء إلى سمعته. ولا يغرنك قول البعض أن كلام الناس غير مؤثر. فهذا كلام يؤخذ بتحفظ شديد. فكلام الصالحين مهم بلا شك. وكلام غيرهم مهم بدرجات متفاوتة. فلا ينبغي لعاقل أن يضع نفسه موضع الشبهات، ثم يقول لا يعنيني كلام الناس. وإنما يقول ذلك من يقوم بواجبه على الوجه الأكمل، فهذا يقول لا أخشى كلام الناس، ولا أخاف في الله لومة لائم.

—-

هذا عن الكرامة على المستوى الفردي، أما الكرامة على مستوى الأمة والعائلة والقبيلة، فلها حديث آخر.

 

 

 

 

بين مصر وإيران

بين مصر وإيران

 

تقوم العلاقات الدولية بين الدول على أساس مصالح كل دولة. مهما تباينت عقائد هذه الدول. ولكل دولة مجموعة مصالح تحرص على تحقيقها والمحافظة عليها، ومجموعة من المخاطر التي تراقبها وتعمل على تجنبها. في ظل هذا التدافع بين مصالح الدول، تنشأ تعاملات وتحالفات مؤقتة، وتنشأ في الوقت ذاته خلافات. وعلى الدول العاقلة أن تحكم تحالفاتها وخلافاتها المؤقتة (التكتيكية)، بالنظرة الاستراتيجية للمصالح والمخاطر. هذه النظرة الاستراتيجية التي يسميها البعض “رؤية المستقبل” والبعض يسميها “المشروع الوطني” أو “المشروع القومي”. كما أن علاقات الدول يؤثر فيها عنصر الجغرافيا السياسية أكثر من أي عنصر آخر. فمصالح الدول الجغرافية لا تكاد تتغير كثيرا.

بالنسبة لمنطقتنا، هناك ثلاث دول كبيرة محورية في المنطقة، مصر وتركيا وإيران. هذه هي الدول الثلاث المحورية في المنطقة. وبينها مجموعة مصالح وبينها تنافس طبيعي على الصدارة عبر التاريخ.

فن السياسة الخارجية، يقتضي توظيف خلافات الدول المختلفة لصالحي. بدلا من السماح لهم بتوظيف خلافاتي مع الآخرين لصالحهم. أمريكا تستفيد كثيراً من الخلافات الإيرانية العربية، والعربية العربية، وبقاء الكيان الإسرائيلي مرهون باستمرار الخلافات العربية العربية. والإسلامية الإسلامية. وليس من العقل أن أحشد كل من يخالفني في جبهة واحدة، بل إن العقل يقتضي أن أفرق كلمتهم، وأن أحقق باختلافهم مصالحي بأقل تكلفة ممكنة.

كان هناك ثلاث دول في العالم ليس لها علاقات سياسية مباشرة مع إيران، الولايات المتحدة الأمريكية، والكيان الإسرائيلي، وجمهورية مصر العربية.  وهذا وحده لا يليق بمصر.

إقامة علاقات سياسية أو اقتصادية بين أي دولتين في العالم لا يعني بالضرورة تبعية أي منهم للأخرى.

هذه معطيات أساسية للنظر في موضوع العلاقات المصرية الإيرانية.

أبرز الاعتراضات على إقامة علاقات مصرية مع إيران،

أ‌)       التدخل الإيراني في دول الخليج العربي.

ب‌)  نشاط إيران في نشر التشيع.

ت‌)  دعم إيران لنظام بشار الأسد.

ث‌)  اضطهاد السنة في إيران

القطيعة بين إيران ومصر استمرت أكثر من ثلاثين سنة، فهل تغير شيء من هذه الاعتراضات. هل ساهمت هذه القطيعة في دعم الأمن الخليجي؟ أو في استعادة أي من حقوق السنة في إيران؟ هل توقف نشر التشيع في أي مكان، وحتى في مصر نفسها؟

ماذا تملك مصر في ظل الأوضاع الراهنة من أرواق تضغط بها على إيران لتغيير سياساتها؟ أحسب أن وجود علاقات سياسية يمنح مصر ورقة إضافية في التفاوض مع إيران من أجل تحقيق ما تريده مصر، إذا كانت مصر تعرف ما تريد.

قبل أعوام، ذهب رجل فرد من مصر إلى إيران، رجل عالم فقيه يعرف كيف يتفاوض وكيف يحاور وكيف يعرض وجهة نظره. فحقق للسنة أضعاف ما حققته القطيعة المصرية الإيرانية. وأقنع النظام الإيراني بتغيير الدستور وإعطاء السنة المزيد من الحقوق. هذا هو الفارق الأساسي بين القطيعة العمياء، والعلاقات المبصرة.

من المفروغ منه، في ظني، أن علاقة مصر بإيران لا يمكن أن تكون على حساب أمن الخليج، لأن أمن الخليج يدخل في دائرة الأمن المصري بالضرورة. ودائرة الأمن المصري كانت قديماً تمتد من الشام إلى الحجاز إلى السودان إلى طرابلس (أو تونس). واليوم أصبحت الدائرة تشمل دول الخليج العربي وتمتد إلى جنوب السودان وتصل إلى تونس غرباً وتركيا شمالاً. هذه هي مصر المكان (حسب تعبير الأستاذ فهمي هويدي).

من وجهة نظر أخرى، هؤلاء المتعرضين على العلاقات المصرية مع إيران، لم نسمع لهم قولاً في العلاقات مع الصين أو روسيا أو اليابان أو قبرص.

يمكننا القول بأن علاقة مصر بإيران يجب أن تكون محكومة بمجموعة عناصر، منها:

  • الحرص على الأمن القومي المصري الممتد في الحدود السابق ذكرها على الأقل.
  • الحرص على عدم السماح بالتدخل في الشؤون الداخلية لمصر.
  • عدم السماح بنشر التشيع في مصر.

علينا أن نقيم علاقات قوية مع إيران، ولكن بصيغة تحقق لنا مصالحنا وتجنبنا المخاطر التي نخشاها، وكذلك الأمر مع دول العالم كافة.

أما مسألة نشر التشيع، فهذه في تقديري مسألة مختلفة عن العلاقات السياسية. وهذه علاجها لا يوم بالقطيعة السياسية، ولا بسب الشيعة ومذهبهم، ولا بنشر مبالغات وأكاذيب. وإنما بنشر صحيح العلم، بالاهتمام بتعليم اللغة العربية الصحيحة والفقه والشريعة والتاريخ. فهذه هذه الثغور الثقافية التي يتسلل منها كل من يحاربنا ثقافياً. وهذا ملف آخر يطول فيه الحديث.

تشويه التاريخ2

 تشويه التاريخ

فيلم صلاح الدين مثالا 2

أما عن تصوير هذا العصر، فقد أساء الفيلم أشد الإساءة إلى صلاح الدين، وإلى جيشه ورجاله، وإلى حضارة المسلمين حينها أشد إساءة. وتكاد هذه الإساءة تتكرر في كل مشهد من مشاهد الفيلم. فصوّر الخير شرا والشر خيرا، وقلب الحقائق واختلق ما شاء له خياله المريض، وفهمه السقيم.
ففي أحد المشاهد، صور كيف قتل صلاح الدين البرنس أرناط (رينالد دي شاتيون). وأظهر كيف أبى صلاح الدين أن يقتل رجلا أعزل، فأعطاه سيفا ليبارز به، ثم قتله في المبارزة. وليست هذه بطولة بل حماقة. فالأمر كان تنفيذ حكم إعدام بحق مجرم حرب، لم يترك سببا لقتله إلا ارتكبه. من نقض للعهود واعتداء على قوافل آمنة بموجب معاهدات، واعتداء على الحجاج، ومحاولة الاعتداء على بيت الله الحرام في مكة، والسخرية والتطاول على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهي الأسباب التي جعلت صلاح الدين ينذر مرتين أن يقتله إن تمكن منه.
وبعد انتهاء معركة حطين، جلس صلاح الدين مع ملك القدس، وبقية الأمراء الأسرى (بغير عهد ولا أمان ولا ذمّة). فطلب الملك ماء، فسقاه صلاح الدين، فشرب الملك وأعطى أرناط، فقال له صلاح الدين “أنت سقيتَه، ولست أنا الذي سقيتُه” وكانت العادة أن الأسير إذا أُطعم أو سُـقي كان ذلك أمانا له. ولم يُرِد صلاح الدين أن يعطي الأمان لأرناط. ثم ذكّر البرنس الأسير بجرائمه ونقضه للعهود، وسأله: “ماذا كنت فاعلا لو كنت مكانك وكنت مكاني؟” فأجاب الأسير:”كنت أقتلك” فقال صلاح الدين: “قد حكمت”. وقتله.. (قيل ضربه بسيفه، وقيل أمر به فقتل)
فهذا تنفيذ حكم إعدام، وليس قتلا لغضب أو انتقام شخصي، وليس قتل غيلة، ليقال قتل رجلا أعزل. (مثلما فعل البرنس كثيرا) وقد كان البرنس أرناط يحمل سيفه في المعركة فلم يغن عنه شيئا، وهزم وقومه، وأسر وليس به قوة أن يلقي سيفه.
أمن العقل أن أقدر عليه، فأعيد إليه سيفه وأعينه على قتال مسلم مرة أخرى بعد أن أمكن الله منه؟
أهذه بطولة أم حماقة؟
 أم أنها محاولة لإظهار تنفيذ الإعدام في صورة الجريمة؟ ليصبح ما فعله خلفاء المسلمين وحكامهم، من تنفيذ أحكام الإعدام، جرائم تستحق الإدانة.
صورة أخرى،،
في الفيلم،
عند وصول ريتشارد إلى فلسطين، أسرع صلاح الدين مع رجلين من قواده، للقاء جيش الإنجليز ليطلب منه السلام. وفي هذا تذلل كريه، وتهور مذموم. فلم يوجد قائد عاقل في ذلك الزمن أو أي زمن آخر، يذهب إلى عدوه في جمعه وجيشه، فردا أو مع رجل ورجلين. وإنما يرسل رسولا من قبله، يكون له عينا على عدوه، ولسانا يخاطبهم به.
أما إذا أردت أن تعرف كيف كان يلتقي الملوك. انظر إلى قائد الفرس حين أراد لقاء هرقل، (في الحرب الأخيرة بينهما) أرسل إليه قائلا “القني في خمسين من رجالك، فإني آتيك في خمسين من قومي” والتقيا فردين بين الصفين. ليتفاوضا. وعندما ذهب عمرو بن العاص إلى لقاء قائد الروم (الأرطبون) ذهب كرسول من عمرو، ولم يخرج سالما إلا بمكيدة.
هكذا كانت ترتب لقاءات الملوك والقادة المتحاربين. وليس بأن يذهب القائد فردا ليستجدي السلام من غزاة محاربين.
قدرات صلاح الدين..
لم يكن صلاح الدين رجلا خارقا يعرف كل شيء ويجيد كل صناعة.
كان قائدا عسكريا مظفرا، وإداريا ناجحا، وسياسيا داهية. ولكنه لم يكن طبيبا ولا عالم كيمياء. تحرص معظم أعمالنا على إظهار البطل كرجل خارق، متفوق في كل المجالات، ولا يفعل أحد غيره شيئا. فهو وحده يضع الخطط، ويقاتل ويبارز، ويخترع الأسلحة، ويعالج المرضى، ويفاوض العدو. وفي ذلك تعبير عن ثقافة تقديس القائد، وتكريس لها في ذات الوقت.
وقد حرص الفيلم أن يظهره عالما بالكيمياء يخترع مادة حارقة، اخترعها في الحقيقة رجل من عسقلان ليحرق أبراجا مغطاة بالجلود المغموسة بالخل لكي لا تحترق، (وذلك أثناء حصار عكا).
فإذا كان القائد هو الذي يعرف ويفهم ويجيد كل الأمور. فله الحق أن يستبد برأيه، وينفرد بالقرار وحده. ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستبد برأيه، ولا ينفرد بقرار (إلا أن يكون وحيا، فعليه وعلى المسلمين جميعا السمع والطاعة) بل كان صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه، وينزل على الرأي الأصلح. وهكذا كان الصالحون من حكام المسلمين وقادتهم. وهكذا كل قائد ناجح. فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه.
بالتأكيد لم يعرف عن صلاح الدين علم بالطب والكيمياء. فهو رجل شغلته الإدارة والحروب والسياسة. كان يجيد شؤون الإدارة التي تعلمها من أبيه، وقد كان أبوه إداريا مميزا في زمانه، وشؤون الحرب والقتال التي تعلمها من عمه (أسد الدين). ولا بد للإداري أن يعرف الفقه (القانون). ولم يكن فقيها، ولكنه كان على علم بالفقه والأدب واللغة. فهذه علوم يجب أن يحصلها من كان في منزلته ودرجته. وكان محاطا بالعلماء والفقهاء والأطباء. من ذوي الخبرة والكفاءة. وهؤلاء هم من كانوا يقومون كلٌ بما يختص به. وكان عامة أهل البلاد من المسلمين أكثر علما بكثير من علماء أوروبا. وكان أهل الصناعات يتطوعون وقت الحاجة بتقديم ما لديهم من علم وخبرة لتطوير سلاح جديد، أو علاج ناجع، لخدمة الإسلام والمسلمين.
ما لم يظهر في العرض التاريخي.. وهو ما أهتم كثيرا بتوضيحه.
لم يكن صلاح الدين هو القوي الوحيد في أوساط قومه، بل كان قائدا قويا لأمة قوية، ومجتمع قوي وجيش قوي..
وكان هذا المجتمع القوي والأمة القوية، تحتاج إلى قائد قوي يجيد استعمال قواها لتحقيق أهدافها..

تشويه التاريخ1

تشويه التاريخ

فيلم الناصر صلاح الدين مثالا

لا يخفى على أحد أهمية التاريخ في بناء ثقافة الفرد ووعيه. وفي بناء منظومة القيم للفرد والمجتمع. فالتاريخ بلا مراء يدخل في تشكيل شخصية الفرد والمجتمع. ونظرة المرء إلى تاريخ أمته، تحكم نظرته إلى كثير من الأمور. وفهمه لسوابق الأحداث مفض إلى فهمه للواحقها.

ولذلك حرصت الأمم على حفظ تاريخها، وسرده وعرضه للأبناء والأحفاد، وتوارث هذا التاريخ عبر الأجيال المتعاقبة. ويبدأ هلاك الأمم بفقد تاريخها، فتصبح منقطعة عن ماضيها، تائهة في حاضرها، لا مستقبل لها إلا أن تبدأ من جديد، أو أن تلتحق بأمة أخرى ذات تاريخ.

وفهم التاريخ ينبني على أمرين، الأول معرفة الأحداث الرئيسية من الحروب والمعارك، وتعاقب الحكام وصراعاتهم، والثورات والدعوات المختلفة. وهذا ما يسجله المؤرخون، ويلقنه المعلمون لطلابهم.

والآخر هو تصوّر الماضي، وهو الأمر الأصعب. تصور كيف كان يتكلم الناس في زمن مضى، وكيف كانوا يفكرون. تصور أحلامهم ومخاوفهم. وهو ما تسجله لنا آدابهم وفنونهم، شعرا ونثرا، كتبا وخطابة وتواقيع. ويحتاج دارسه إلى الكثير الكثير من الدراسة والقراءة؛ ليعيش في زمنهم بأخلاقه وآدابه، وقيمه وقوانينه. وهذا التصوّر ضروري لفهم خبايا التاريخ. وتفسير بعض غوامض الأحداث. وضروري كذلك لتحقيق الأخبار، والتأكد منها. فأنت حين تعرف شخصا، تستطيع في كثير من الحالات أن تكذب رواية عنه لا تستقيم مع ما تعرفه عنه.

وكلا الأمرين (معرفة الحوادث وفهم الطبائع) ضروري ولازم لتواصل الأجيال، وتوارث القيم. وكلا الأمرين يتعرض للتشويه المستمر والمتعمد، لخدمة أغراض لا تخفى على من يحسن النظر في عواقب الأمور. وهذا التشويه يتخذ أشكالا وصورا عديدة. من كتب ودراسات، وأبحاث ومقالات، وأفلام ومسلسلات. وهذه الأخيرة عظيمة الأثر، في أمة لم تعد تقرأ. فكثير من معارف الشباب عن التاريخ مستقاة من أفلام ومسلسلات، وقليل منها الجيد الصادق. وكثير منها الغث المفسد. وسأعرض هنا لنموذج من الأشهر، إن لم يكن الأشهر على الإطلاق، ولسبب ما يعتبره الكثيرون أحد أعظم الأعمال الفنية التاريخية.

وهو فيلم الناصر صلاح الدين.

وهذا الفيلم نموذج ممتاز لحجم تأثيره، فمعظم الشباب الذي سألتهم عن صلاح الدين الأيوبي، لم يكن يعرف عنه إلا ما جاء في هذا الفيلم. وهو في معظمه مكذوب مشوّه.

كما أن هذا الفيلم يمتاز بجمعه لكل أشكال التشويه والخطأ والعبث في التاريخ، أحداثا وصورا وشخصيات.

ففيه من الأخطاء في التاريخ الكثير، ومن تشويه الصورة الكثير، ومن اختلاق شخصيات والعبث في تاريخ شخصيات أيضا الكثير.

ومن أخطاء التاريخ الواضحة في هذا الفيلم:

سقوط عكا…

 

التي أظهر الفيلم سقوطها على غفلة بسبب خيانة.. ولم يكن الأمر كذلك قط..

بل كان سقوط عكا على إثر حصار طويل استمر ما يزيد على عشرين شهرا، دارت فيها رحى المعارك على الطرفين؛ حيث كان الفرنجة يحاصرون عكا، وصلاح الدين يحاصر الفرنجة. واستمر تدفق إمدادات الفرنجة من البحر يتوالى.. وعجز صلاح الدين عن كسر الحصار على عكا.. وعجز المحاصَرون داخل المدينة عن مواصلة المقاومة، فسُلمت المدينة على أمان لأهلها، أن لا يقتل منهم أحد..

فهم لم ينزلوا على حكم آسرهم، وإنما نزلوا على عهد وأمان من خائن (ريتشارد قلب الأسد) قتلهم وألقى جثثهم من فوق سور المدينة، استشفاء لضغائنه وحقده على الإسلام والمسلمين.

ولسبب ما حرص الفيلم على إظهار أسف ريتشارد لمثل هذا العمل، مع أنه هو من أمر به، وحرص كذلك على إخفاء حقيقة أن الأسرى الذين غدر بهم، كانوا قد نزلوا على أمان وعهد.

والمدينة التي سقطت بخيانة هي مدينة أنطاكية، سقطت بخيانة بعد حصار طويل أيضا، وكادت المجاعة أن تهلك الفرنجة المهاجمين، ولم تكن إنطاكية لتسقط لولا تلك الخيانة. ولكن قدّر الله وماشاء فعل. وكان ذلك في بداية الحروب الصليبية في عام 1099.

 

عيسى العوام…

 

جعله الفيلم قائدا من كبار قادة صلاح الدين، وساعده الأيمن، وأكد على كونه مسيحيا (وهو رجل مسلم) .

ولكن الطريف أن عيسى العوّام، (والعوّام مهنته) قد كان سباحا.. كان قد غرق أثناء حصار عكا.. حين كان سابحا إلى عكا محملا برسائل وأكياس من ذهب في ليلة عاصفة، وبعد غرقه عثر القوم على جثته على شواطئ عكا بعد أيام، ومازالت الرسائل والأكياس معلقة في حزامه. ولذلك قالوا :”لم نر رجلا أدى الأمانة حيا وميتا كعيسى العوام”. وهذا سبب شهرة الرجل.

علاقة صلاح الدين وريتشارد

 

أظهر الفيلم عواطف نبيلة متبادلة بين ريشارد وصلاح الدين، ولقاءات، وسهر صلاح الدين بجوار ريتشارد حتى يتعافى من سهم أصابه، إلى آخر هذه الخزعبلات.

مع أن التاريخ يقول إن ريشارد لم يلتق بصلاح الدين يوما. صحيح أنه طلب لقاءه، وألح في الطلب.. إلا أن صلاح الدين رفض لقاءه في كل مرة، إلا بعد إتمام الصلح.. قائلا :”قبيح بالملوك أن يأكلوا ويشربوا معا، ثم يقاتل بعضهم بعضا، فإذا كان الصلح التقينا وأكلنا معا”.

وهذا من فن التفاوض عند صلاح الدين، وهو ما يستحق إفراد مقال مستقل له.

وبعد الصلح، سمح صلاح الدين للفرنجة بزيارة بيت المقدس في مجموعات صغيرة، ورفض ريتشارد أن يدخل المدينة زائرا بعد أن كان يمنّي نفسه بدخولها فاتحا مظفرا. وبذلك أضاع على نفسه فرصة الحج، وزيارة بيت المقدس، وفرصة لقاء صلاح الدين. فلم يحقق من حملته أيا من أهدافه التي خرج لها.

أما عن تصوير هذا العصر، فقد أساء الفيلم أشد الإساءة إلى صلاح الدين، وإلى جيشه ورجاله، وإلى حضارة المسلمين حينها أشد إساءة. وتكاد هذه الإساءة تتكرر في كل مشهد من مشاهد الفيلم. فصوّر الخير شرا والشر خيرا، وقلب الحقائق واختلق ما شاء له خياله المريض، وفهمه السقيم.

وسأتناول بعض ذلك في الإدراج التالي بإذن الله.

 

 

التحرش بالجيش والشرطة يوم عيد الثورة الأول

التحرش بالجيش والشرطة يوم عيد الثورة الأول

شهادة لله وللوطن

د. سلوى محمد سليم

باحثة في مجال العلاقات بين الشرطة والمجتمع

جامعة عين شمس – القاهرة

لمصلحة من تحرك شابان في فورة غضب عنيفة مفتعلة وحاولا إثارة الجماهير التي كانت توشك أن تنصرف راضية مرضية بعد الصلاة والخطب وصلاة الغائب على أرواح الشهداء؟

رأيت بعيني هذين الشابين اللذين هجما فجأة على دائرة المجندين وبعض أفراد الشرطة والجيش الذين كانوا يحيطون بالصينية في وسط الميدان..

رأيتهما يخرجان من وسط الجموع متجهين بعنف نحو الصينية وكنت قريبة منهما جدا..

دون أن يحركهما شيء بعينه فالجيش والشرطة كانوا في منتهى الاحترام طول الوقت وكانا يتصرفان مع الجموع بتهذيب ومودة لم أرها من الشرطة المصرية منذ “وعيت على الدنيا”

وإذا بهذين الشابين يصرخان في حالة غضب جارفة لم أملك إلا أن أشعر بأنها مفتعلة حقا وبدت لي كمسرحية مبالغ فيها

كفاية بأة.. كفاية شغل التصوير بتاعكو ده.. مش هتبطلوا بأه.. امشوا ياللا أمشوا.. مش عاوزينكم هنا.

صراخ عنيف مصحوب بحركات عنيفة في الجسد وهجوم نحو الشرطة وضابط الجيش- الذي بقي في مكانه دون أن يتحرك أو يغير تعبير وجهه أو يرد عليهما –

لم ينقصه ليكون تحرشا فعليا إلا أن يمسك بالفعل تلابيبه ويلتحم معه في مشاجرة حقيقية.

بقي الضابط صامتا ولم يرد إلا بابتسامات مهذبة.. ولم يرد أحد من الشرطة الذين أدركوا أن ما يحدث ما هو إلا محاولة استفزاز رخيصة عليهم احتواؤها.

كل هذا وسط ذهول المحيطين مما يحدث لأنهم لم يروا له أي مبرر..

أخذت أصرخ في المحيطين بي وانا أشد بيدي على أيدي صغاري الثلاثة لئلا يفزعوا ويضيعوا مني في الزحام.. وقفوهم رجعوهم.. مش عاوزين مشكلة الشرطة ما عملتش حاجة..

لم يوقفهما أحد وفعلا تعجبت من صمت الجمهور

ثم فهمت أنهم يتجنبون الصدام

ولكنهم بحكمة مصرية خالصة بدأوا يتوجهون نحو الشرطة والضابط ويصافحونهم ويهنئونهم بالعيد.. واستمرت هذه المصافحات من الجماهير حتى انصرفنا في السابعة والربع

ثم أحاط بالشابين عدد صغير من الناس لا يجاوز المئتين وبدأوا يهتفون.. برة.. برة.. برة

وهم يشيرون نحو الشرطة وضباط الجيش..

لماذا؟

لماذا كل هذا الغضب ولمصلحة من استفزازهم؟

ما كان من الناس إلا أن بدأوا يهونون على الضباط ما يحدث ويوصونهم بالثبات والتزام الحكمة.. وقال لي أحدهم ما تخافوش.. احنا هنستوعبهم من غير مشاكل..

والحمد لله فعلا لم تحدث أية مشكلة واستمرت المظاهرة الصغيرة في الهتاف ضد الجيش والمشير والشرطة مع استفزازات بين الحين والآخر والضباط ينظرون إلى بعضهم بعضا أحيانا بصبر غير نافد وإلى الجمع أحيانا أخرى بابتسامات

مهذبة جدا

أشهد أني ما رأيت مثل هذه الحكمة ولا المودة من الشرطة من قبل أبدا..

وأني لم أظن أني سأعيش لأراها

أخذ الناس يدورون حول الصينية ويصافحون العساكر والضباط ويهنئونهم بالعيد

وانتشر عدد قليل جدا من البنات شديدات الحماس لمسألة تحريض الناس على الجيش- انتشرن بين الجموع يشرحن للجمع غير الغاضب أنه يجب أن يغضب وأن الجيش مزودها.. إلخ إلخ..

بصراحة مش عارفة مين اللي مزودها النهاردة..

وفي طريق انصرافي قررت أن أكتب هذه الشهادة للنشر حتى إذا ما تطور الأمر مساء واعتقل شخص نعرف جميعا أصل الحكاية

حكاية المحاولة المتعمدة لاستفزاز من وقفوا لحمايتنا في أثناء الصلاة.. وصلى منهم معنا من صلى صلاة الغائب على شهدائنا وشهداء المسلمين جميعا..

ومانقولش الشرطة العسكرية اعتقلت المصلين دون سبب

وبتحاكم الثوار..

دول مش ثوار..دول مخربين ومثيرين للوقيعة..

يا ترى الأحداث السابقة اللي أدت لاعتقال آخرين في الميدان كانت من نفس النوع؟

أنا ما شفتهاش.. لكن شفت دي بعيني..

وهذه شهادتي عليها لله وللوطن

رعى الله مصر شعبا وجيشا وشرطة..

إيد واحدة

 


ظاهرة الجنس في الإعلام العربي

ظاهرة الجنس في الإعلام العربي

لا يخفى على أحد التأثير الكبير الذي يمارسه الإعلام وخاصة التليفزيون على عقول مشاهديه، كبارا وصغارا، ولكن أثره على الصغار أكبر بكثير. فالصغير عندما يشاهد سلوكا معينا متكررا على الشاشة، فإنه ينطبع في العقل غير الواعي للإنسان، ويخرج في وقت آخر كسلوك ذاتي. وقد نشرت الكثير من الدراسات حول آثار مشاهد العنف وأفلام الجرائم على ازدياد معدل الجريمة في المجتمع. وكذلك تأثير التعليقات المنبثة داخل النص بشكل غير مباشر، فالمحاضرات القيمة التي كانت ومازالت تلقى على لسان أبطال أعمالنا الفنية، لا تترك أثرا يعادل أثر تعليق عابر في وسط العمل. والأمثلة على ذلك كثيرة جدا.

وقد انتشرت ظواهر عديدة في قنوات البث الفضائي العربي، ظواهر تهدد تكوين الجيل الناشئ تحت تأثيرها، وتهدم قيم مجتمعاتنا، في الجانب الأخلاقي، والاجتماعي، والديني.. وهذه الدراسة عن ظاهرة الجنس في القنوات الفضائية العربية نشرها الكاتب/ السيد زهرة ونشرها في جريدة أخبار الخليج البحرينية. رأيت أن أقدمها لكم بتصرف، فقد اختصرت منها أجزاء وأضفت إليها عبارات.

الجنس في الفضائيات العربية

مشاهد متفرقة

  • في ديسمبر 2005 نشرت صحيفة الرياض السعودية موضوعا عن دراسة تم إجراؤها عن ظاهرة التحرش الجنسي بالأطفال في المجتمع السعودي، كشفت الدراسة عن أن طفلا من كل أربعة أطفال يتعرض لتحرش جنسي. وأشارت الدكتورة وفاء محمود الأستاذ المساعد بجامعة الملك سعود أن من عوامل ارتفاع هذا المعدل “بعض نماذج الفساد الإعلامي كالفضائيات والإنترنت والوسائل التكنولوجية الحديثة”
  • حين تفجرت فضيحة التعذيب الأمريكية في سجن أبوغريب بالعراق، كشف الصحفي الأمريكي سيمور هيرش عن أن الإهانات الجنسية التي تعرض لها المعتقلون على النحو الذي شاهده العالم كان وراءها دراسة في أوساط الإدارة الأمريكية للثقافة والنفسية العربية.
  • في نفس الوقت اكتشفنا من دراسات كثيرة في أمريكا والغرب عموما أن لديهم “تفسيرا جنسيا” لظاهرة العنف والتطرف والإرهاب في العالم العربي كما ينظرون إليها. هذا التفسير يقوم على اعتبار “المحرمات الجنسية” والقيم والتقاليد المتعلقة بموضوع الجنس عموما هي أحد أسباب العنف والتطرف.
  • تم الإعلان عن عزم إسرائيل إطلاق قناة إباحية موجهة خصيصا للدول العربية وناطقة باللغة العربية، وقيل إن الهدف منها هو “إشاعة الثقافة الجنسية” في الدول العربية وإشغال جيل الشباب بها.

بهذه الإشارات نستطيع أن نتقدم لمناقشة هذه الظاهرة التي نعتبرها خطيرة جدا. ظاهرة الجنس في الفضائيات العربية.

الظاهرة:

نحن إزاء عدد هائل من القنوات الفضائية المسماة بقنوات غنائية تقدم عرضا مستمرا لأجساد شبه عارية ولحركات وإيحاءات جنسية صريحة وسافرة، لا علاقة لها بالغناء العربي ولا بالفن.

والأخطر منها ما يفعله عدد كبير من القنوات الفضائية العامة وخصوصا كثير من الفضائيات اللبنانية وبعض القنوات العامة الأخرى مثل قنوات تلك المجموعة التي تبث من دبي. هذه القنوات أصبح “المحتوى الجنسي” بالمعنى العام سمة أساسية لأغلب برامجها في كل المجالات ليس فقط الأفلام والمسلسلات بل كذلك البرامج التي من المفروض أنها غاية في الجدية. هناك مثلا، مذيعات يقدمن برامج المفروض أنها جادة أو يجرين حوارات مع مختصين حول قضايا سياسية أو غير سياسية غاية في الجدية ولباسهن يكشف أكثر مما يستر. وحتى برامج من قبيل برامج الطبخ أو تقديم النشرات الجوية وأحيانا حتى نشرات الأخبار.

أما عن برامج الحوارات المباشرة مع المشاهدين، فحدث ولا حرج من حيث الشكل أو التعليقات والسلوكيات الجارحة للحياء والخارجة. والأخطر من ذلك إن تأملنا مضمون كثير من البرامج الاجتماعية التي تقدمها هذه الفضائيات فلسوف نجد الكثير مما لا علاقة له بأي قيم أو تقاليد عربية.

أضف إلى ذلك ظاهرة البرامج الأمريكية والغربية التي تقدمها فضائيات عربية كما هي معربة بالكامل للمشاهد العربي وتطرح قضايا ومشاكل جنسية لا علاقة لمجتمعاتنا بها. وكذلك البرامج المستنسخة عن برامج غربية والمسماة ببرامج “تليفزيون الواقع” والتي نكتشف أن قيما غريبة عنا وسلوكيات مستهجنة في أعرافنا تتسلل عبرها. طبعا لا داعي لذكر الإعلانات التجارية القائمة على التجارة بأجساد النساء.

الذي تفعله الفضائيات العربية على هذا النحو يتناقض بالتأكيد مع القيم والتقاليد العربية.

لكل مجتمع قيمه وتقاليده الأساسية والتي تكونت وترسخت عبر سنين طويلة من تاريخه وحضارته وخبراته في الحياة وبالطبع دينه وفكره وثقافته. والقيم والتقاليد هي التي تجسد خصوصية المجتمع، وتحدد هويته. وهي التي تحكم مواقف المجتمع تجاه كل القضايا في كل المجالات. صحيح أن القيم والتقاليد تتغير وتتطور بالضرورة ببطء مع مرور الزمن، وصحيح أن التقاليد الاجتماعية قد تنطوي على جوانب قد يعتبرها البعض غير إيجابية، إلا أن حماية القيم يمثل لكل المجتمعات بلا استثناء قضية كبرى لها أولوية.

في هذا الإطار العام، من البديهي أن أي قناة تليفزيونية أو مؤسسة إعلامية أو أي مؤسسة في أي مجال، من المفروض أن تعكس قيم وتقاليد المجتمع الذي تعبر عنه وتخاطبه. وحين يحدث العكس لا بد أن يكون هناك خلل ما.. إما سوء تقدير غير مقصود، وإما سوء غرض مقصود.

والأمر الذي لاشك فيه هو أن هذه القنوات الفضائية العربية بما تفعله بهذا المنحى الجنسي في برامجها لا تعبر عن تقاليد وقيم المجتمعات العربية، ولا تحترمها بل على العكس تسيء إليها.

لماذا يفعلون هذا؟

السؤال المهم هو: لماذا تفعل الفضائيات العربية هذا؟؟

الاعتقاد الشائع هنا أن الفضائيات تفعل ذلك لأسباب تجارية بحتة، أي لجذب أكبر عدد ممكن من المشاهدين، وبالتالي أكبر عدد من الإعلانات التجارية، وضمان رعاية المؤسسات والشركات لبرامجها.

ومن حيث المبدأ فهذا المنطق غير مقبول بحد ذاته، ليس مقبولا من أي مؤسسة إعلامية أن تسيء للقيم العامة لأسباب تجارية بحتة.

ومع هذا، فإن هذا المبرر ليس صحيحا. ليس صحيحا أن النزوع الجنسي يجلب أرباحا لهذه المحطات. فحقيقة الأمر أن القنوات التي تفعل ذلك هي قنوات خاسرة, أي أنها على امتداد السنوات الماضية تمنى بخسائر فادحة على رغم كل ما تفعله. هذا هو ما تؤكده تقارير الحالة المالية لهذه المحطات. وهذا هو الحال في العالم كله حتى في الدول الغربية.

إذن، إن كان العمل التجاري ليس سببا مقنعا ولا صحيحا، فما هو التفسير إذن؟

سؤال كبير معلق.

بعض الخبراء المختصين في الإعلام لديهم تفسير لهذا التوجه في القنوات اللبنانية بالذات. فهم يرون أنها قنوات أنشأها “أمراء حرب” وقادة ميليشيات, وهي قنوات قامت للترويج لأجندة سياسية محددة. ولم تنشأ كمؤسسات إعلامية مهنية تخاطب الكل. ومن ثم ليس لديها الحرص العام المفترض على مراعاة القيم والتقاليد العامة في المجتمع ككل.

ولكن إن صح هذا التفسير فيما يتعلق بالقنوات اللبنانية، فكيف يمكن تفسير الأمر فيما يتعلق بالقنوات الفضائية الأخرى التي يملكها رجال أعمال خليجيون وغير خليجيين كبار. ما هي مصلحتهم في هذا بالضبط؟

هذا سؤال معلق بحاجة إلى إجابة.

خبراء آخرون يقدمون تفسيرا أعم للظاهرة. هي في رأيهم أحد مظاهر الأزمة الطاحنة التي تعيشها الدول العربية. أو هي أحد مظاهر العجز العربي العام في مواجهة الهجمة الغربية. أي أن هذا العجز والإحساس بالهزيمة رسخ في بعض الأوساط اعتقادا بأن قيم وتقاليد المنتصر هي بالضرورة قيم وتقاليد متقدمة ومتحضرة. وبالتالي فلكي نكون متقدمين ومتحضرين ينبغي أن نأخذ بهذه القيم والتقاليد ونقلدها. بما في ذلك تلك المتعلقة بالأمور الجنسية.


هل هو مخطط أجنبي؟

هل يجوز لنا أن نفترض أن هذه الظاهرة تندرج في إطار مخطط أجنبي، غربي تحديدا، يستهدف تدمير القيم العربية وإشاعة القيم الغربية لأهداف سياسية؟

لا نستطيع أن نجزم بمثل هذا الافتراض، ولا أن نتهم القائمين على هذه الفضائيات بالضلوع في مخطط كهذا بدون معلومات موثوقة لا نمتلكها. ومع هذا فإن أمورا كثيرة بحاجة إلى تفسير.

نحن نعلم أن ما تقوم به هذه القنوات هو نفس ما تشير به الدراسات الإستراتيجية الأمريكية على صناع القرار هناك للسيطرة على العالم العربي.

فهل هو توارد خواطر مثلا؟

ما هي الفكرة في بث برامج تناقش قضايا عادية للمجتمع الغربي، لكنها ليست كذلك لمجتمعاتنا، مثل الشذوذ الجنسي، أو الترويج الصريح للعلاقات الجنسية خارج الزواج؟

وفي أي إطار تم الاتفاق على بثها وبأي شروط؟

تأثيرات ونتائج مدمرة

أولا: نحن بشكل عام، إزاء عملية تحطيم لقيم عربية أساسية، وإحلال لقيم غير عربية محلها.وهذه العملية هي إحدى وسائل الغزو الفكري، وإحدى مقدمات الهيمنة على المجتمعات.

ثانيا: تخلق هذه القنوات شرخا نفسيا عميقا وحالة من التمزق النفسي لدى جيل الشباب. وتخلق فجوة هائلة بين القيم والمبادئ التي يتربى عليها دينيا في داخل الأسرة وفي المدرسة, وبين صورة المجمع كما ترسمها الفضائيات. ولسنا بحاجة إلى القول بأن حالة التمزق هذه من الممكن أن تقود إلى انحرافات سلوكية شتى.

ثالثا: هذه القنوات بما تفعله تصرف الانتباه العام عن قضايا أساسية وجوهرية.

فهل يختلف هذا عن مخطط إسرائيل لبث قناة إباحية بهدف معلن هو صرف أنظار الشباب العربي وإشغاله بالجنس؟؟

الفنان مرسيل خليفة عبر عن هذا المعنى بقوله:”الفضائيات العربية التي تدخل بيوتنا تشن حربا إعلامية بتسفيه قضايانا الجوهرية، وتدمر القيم النبيلة”

رابعا: الذي تفعله هذه الفضائيات يقود إلى جرائم مباشرة، مثل ما ذكرنا من ارتفاع معدل جرائم التحرش الجنسي بالأطفال في السعودية. وما نشاهده من زيادة جرائم الاغتصاب.

الشرف….. الشرف….. الشرف

إن هناك خيطا واحدا يجمع بين ما تفعله هذه الفضائيات، وبين الأفكار المطروحة حول “العقل العربي” و”التفسير الجنسي” للعنف والإرهاب. وبين الإهانات الجنسية في أبوغريب، وأيضا الرسوم المسيئة للرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) وتعمد إهانة القرآن الكريم في جوانتانمو.

وذلك أن هنالك قيمة عربية أساسية وحاكمة يراد تحطيمها هي والقيم الفرعية الأخرى المرتبطة بها، وهي قيمة الشرف.

يراد تحطيم قيمة الشرف من أول معانيها الأخلاقية المباشرة، وحتى معانيها الكبرى الاجتماعية والسياسة.

يراد تحطيم قيمة “الغيرة” العربية على الزوجة والأم والبنت والأخت وابنة المجتمع بصفة عامة.. ويراد تحطيم قيمة “الكرامة” ورفض الإذلال والإهانة.. وصولا إلى تحطيم قيمة الغيرة على الدين والوطن ورفض إهانتهما والانتفاض للدفاع عنهما..

الفكرة هنا أنه إذا تميعت وتحطمت قيمة الشرف في معانيها الأخلاقية المرتبطة بقضايا الجنس، فلسوف يترتب على ذلك تحطم قيم أخرى تتعلق بالدفاع عن الدين والوطن.


يراد لهذه المجتمعات العربية أن تتعود على أشكال وممارسات منحلة وشاذة تتعلق بالعلاقات الاجتماعية والإنسانية والأخلاقية كي يتعودوا بعد ذلك على إهانة الدين والأوطان دون أن يثير ذلك حميتهم أو غضبهم.


المصدر جريدة أخبار الخليج – البحرين (بتصرف)

بتاريخ 2/4/2006