رواية التاريخ


رواية التاريخ


عندما نتناول التاريخ بالدرس والبحث، فإن العمدة عندنا على الرواية الصحيحة والخبر الصادق ثم النظر السليم. في ما صح من أحداث. فليست المسألة بهوى النفس ولا بما نحب أو نكره، ولا بما نريد أن نتمنى. ومن أجل معرفة الرواية الصحيحة من السقيمة، وبيان الخبر الصادق من الكاذب، فقد أنشأ المسلمون علم الرواية، وما يتعلق به من علم الجرح والتعديل. وهو علم كبير له أصوله وقواعده، وكتبه ومراجعه التي تضم سير الرجل وأخبارهم، مما لا غنى لمن أراد دراسة التاريخ الإسلامي من الإحاطة به، أو على أقل تقدير لابد له من الإلمام بشيء منه، ثم الاعتماد على ثقة في علو الرواية.

وقد أنشأ المسلمون علم الرواية أول الأمر ليحفظوا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته. وليحفظوا القرآن الكريم – وقد تعهد الله تعالى بحفظه – من الضياع والتحريف. لكي لا يصيب المسلمين ما أصاب الأمم السابقة من ضياع الوحي وتحريف الكتب. وقد تخصص فريق من العلماء من نقد الرواية والرواة. فدرسوا سير الرجال وتراجمهم، وبينوا حال الرواة وأخبارهم، ومواطن قوتهم وضعفهم، وميولهم وانتمائهم الحزبي أو المذهبي أو القبلي. ووضعوا شروطاً صارمة لقبول الرواية التي تبلغهم. وعلى أساس ذك محصوا الروايات، و قاموا بدراسة تاريخ هذه الأمة وتدوينه وفق هذا العلم. فلم يكن أهل العلم يقبلون من كل أحد، ولا يقبلون الرواية التي توافق هواهم وميلهم ويرون سواها. وإنما كان أهل العلم ينظرون في الروايات وفق الشروط المحددة سلفاً. فما وافق الشرط قبلوه، وإن خالف ما درجوا عليه، وما خالفه ردوه، وإن وافق هواهم. ونحن نقرأ كثيراً عن أحاديث نبوية يقول عنها المحدثون إنها صحيحة على شرط البخاري، أو على شرط الشيخين. أي أنها تحقق الشروط التي وضعها البخاري لقبول الرواية. فأعلام المحدثين بدؤوا بوضع شروط لقبول أي رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نظروا في ما بلغهم من روايات فما وافق الشرط كان صحيحاً وما خالفه كان دون ذلك. وكذلك فعل أهل العلم في كل رواية.

ولكن أهل التاريخ في المراحل الأولى قاموا بتدوين كل ما بلغهم من روايات وأسندوها، أي ذكروا السند الذي بلغتهم به الرواية. ومن أسند إليك فقد حملك تبعة البحث في هذا السند، لتنظر بنفسك في صدق الرواية من كذبها. ومن ذلك ما فعله الطبري فقد ذكر في آخر مقدمة كتابه :فما يكن في كتابي هذا من خبر يستنكره قارئه من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قِبَلِنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا ولكن أغلب الدارسين يغفلون عن هذه الحقيقة، أو يتغافلون عنها. وغير الدارسين ينخدعون بقول الناس وجدنا في تاريخ الطبري، دون نظر في سند الرواية وعقلانية المتن. وهذا من أسباب التباس النظر في التاريخ عند كثير من الناس. ومن هنا يدخل أصحاب الأغراض في تشويه التاريخ والعبث به. من اعتماد روايات ضعيفة أو مكذوبة – لأنها توافق غرضهم – ويردون روايات صحاح – لأنها تكذب دعواهم. ويستوي في ذلك كل ذوي الغرض، سواء كان يريد تشويه التاريخ أو تزويره.

وبرغم أن تاريخنا الإسلامي قد أحيط بدرجة من الحياطة والدرس والبحث والتدقيق تفوق ما أحاط بتاريخ أي أمة من الأمم، إلا أن عمل هؤلاء الجهابذة لا يزيد أن يكون عملاً بشرياً يعتريه ما يعتري كل عمل بشري من القصور والنقص والخطأ والسهو. فلا يوجد ما يمنع أن نعيد النظر في تاريخنا بين الحين والحين، سواء كان النظر في مسألة واحدة، أو واقعة بعينها أو حادثة من الحوادث، أو كان النظر في مسار التاريخ كاملاً. كما ينادي الكثيرين في أيامنا هذه. ولكن الشرط في ذلك أن يقوم بهذا البحث أهل العلم، وليس أهل الهوى.

والفرق الأكبر بين أهل العلم وأهل الهوى هو منهج البحث. ومنهج البحث – في التاريخ – يتطلب أن يقوم الباحث أولاً بتحديد مجال بحثه، وتحديد شروط قبول الروايات وردها وتصديقها وتكذيبها. ثم يجمع مادته من الروايات والكتب على وجه الاستقصاء بأفضل ما يستطيع. ليمحص الروايات بعد ذلك وفق الشروط التي حددها سابقاً، بأكبر قدر من الحياد والنزاهة والتجرد عن الأهواء. ليصل بعد ذلك إلى الحقيقة أو أقرب شيء إليها. وكذلك يشترط في من أراد دراسة التاريخ الإسلامي أن يلم بلغة العرب وعاداتهم، لكي يفهم رواياتهم على وجهها الصحيح. وإلا خرج بنتائج لا علاقة لها بالصواب. مثل بعض من يتصدون اليوم للحكم في التاريخ والسيرة بل وتفسير القرآن، وبضاعتهم من اللغة معدومة. فيفهمون غير ما قيل، ويظنون غير الحقيقة، مما يصل بهم إلى نتائج لا علاقة لها بالعلم ولا بالصواب.

فمن تمكن من أدوات البحث، من علم باللغة، ودراية بعلم الرواية، وتجرد عن الهوى، وقام بما يجب القيام به من البحث والاستقصاء، والفحص والتمحيص. سمعنا منه ما يخرج به من نتائج. قد يصيب فيها وقد يخطئ، وقد يخلط صواباً خطأ. ولكنه في كل أحواله مجتهد يؤجر على اجتهاده مرة إن أخطأ، ومرتين إن أصاب.

أما من تهجم على دراسة التاريخ بغير دراسة وإعداد فهو كالذاهب إلى الحرب بغير عدة، أو من يجتاز الفلاة بغير زاد. فقد أوشك أن يورد نفسه موارد الهلاك وإن كان حسن النية سليم القصد. وكم من حسن نية أورد صاحبه المهالك. فما ظنك بصاحب الغرض والهوى، إذا أقدم على ذلك بنية سوء وخبث مقصد. وكثير ما هم.

Tags:

Advertisements

10 تعليقات

  1. الموضوع مهم جداا فعلا يا استاذ حسن وخاصة في هذه الايام التي كثرت فيها الفتن وما اسهل ان يرتدي المرء فيه زي العالم ليكن عالما في نظر العامة يحدثهم بما لم يرد عن الحبيب المصطفي ويفسر لهم كتاب الله بابعد ما يكون عن الصحة

    ويعطي الفرصة لاعداء الاسلام للدخول من هذا الباب الذي ما قاده الا الهوي والنفس

    سؤال بس يعني ايه المتن؟؟؟؟ مافهمتهاش الصراحة اعذرني لضعف علمي

    تحياتي

  2. وحياتك- المدونات كتير منها كان معمول زى بلوج سبوت وزى جيران من زمان-ونسيتها
    لكن انا مستمر فى مكتوب-ونوافذ عرض فى مدونات اخرى-ليه لا
    1- الهاكرز
    2- تقسيم عرض مقالات مدفونة تحت2000 مقال-القارئ ملوش ذنب ولا يجب ان نتوقع منه يقعد ينغبش
    3-وكلها يشار فيها للمدونة الاصلية
    لكن مكتوب وجيران اساسى-وهو المكان الصحيح للناس الغلابة

  3. أخي حسن مدني وراك …ولو رحت فين …

    مبروك المدونة الجديده …

    تحياتي

  4. الأخت بنت الإسلام

    المتن هو نص الخبر نفسه، أو نص الرواية. والسند هو سلسلة الرواة الذين بلغنا الخبر عن طريقهم.

  5. عزيزي الفيل

    المكان الصحيح هو المكان الذي تجد نفسك فيه، وأنا أحسب نفسي من الغلابة، لكن مكتوب ضاقت بي، وضقت أنا بجيران
    وكل واحد يرى ما هو أنسب له

    تحياتي

  6. أستاذي الفاضل هيثم أبوخليل

    حصلت البركة بزيارتكم

    تحياتي

  7. أخى الفاضل حسن
    كلامك عن تاريخنا الاسلامى ذو شجون, و إن كان علم الحديث قد وجد له من الفرسان من يذب عنه, و ينقيه من الدس, فإن التاريخ لم يكن له نفس هذا الحظ,و الحمد لله أن فى عصرنا الحديث وجدنا من يقوم بجهد كبير فى نقد الروايات الموضوعة,و المرويات الضعيفة, خصوصا المتعلقة بفترة الفتنة الكبرى, لأنها ليست تاريخا مجردا,و إنما تتعلق بسيرة الصحابة الذين نقلوا لنا الدين ذاته.
    تاريخ الطبرى على وجه التحديد كان من الكتب التى لقت نصيبا من الاعتناء فى عدد من الأبحاث و الدراسات فى عصرنا, و منها نقد روايات عدد من المدلسين أذكر منهم :أبو مخنف, و سيف بن عمر.
    و تعليقات العلامة محب الدين الخطيب على كتاب العواصم من القواصم هى من أهم هذه الجهود أيضا.
    دراسة التاريخ مهمة جدا,و كما قلت يا أخى, هناك فرق بين أهل العلم و أهل الهوى, اهل العلم الذين يمحصون الروايات و يبحثون عن الحقيقة المجردة, و أهل الهوى الذين يفسرون الأحداث حسب ما يرون, و لا يعتنون بالتحرى عن الصواب-هذا اذا افترضنا حسن النية-لكن الأغلب أنهم يفتشون عن المساوىء و العورات و الروايات الضعيفة ليقدموا للناس الصورة المشوهة, أو صورا مختزلة, فيصبح تاريخنا مفترى عليه على حد تعبير شيخنا القرضاوى.
    جزاك الله كل الخير

  8. أخي الكريم مسلم/

    طبعا أهمية تاريخ الصحابة تنبع من كونهم هم من نقلوا لنا الدين والقرآن والسنة. للأسف لم أطلع على كتاب من الذين نقدوا تاريخ الطبري – بخاصة. (ولم أبحث بحرص) ولكن لو دللتني على بعضها، أكون شاكرا ومدينا لك.
    أما كتاب العواصم من القواصم، بتعليق العلامة محب الدين الخطيب، فهم من أحمل وأفضل ما قرأت، وقد قرأته مرارا..
    اللطيف في أهل الهوى، أنهم يبدؤون بتكذيب كتب التاريخ، ثم يستندون إلى الضعيف منها..
    ولله في خلقه شؤون..

    تحياتي

  9. الأخ العزيز حسن…

    كل عام وأنتم بخير…

    حتى مع طول المسافة سنزورك، فلا تحرمنا من زيارتك…

    وأشكرك لحسن ظنك بي، واختيار مدونتي بين المدونات التي تستحق الزيارة…

    خالص تحياتي وتقديري,

  10. أخى فى الله حسن
    بالنسبة لتاريخ الطبرى,ففى السنوات الخيرة ظهرت عدد من الأبحاث و الرسائل التى تعنى بنقد و تمحيص بعض الروايات و خصوصا المتعلقة بالصحابة و فترة الفتنة الكبرى
    أذكر لك 3 كتب من إصدار دار الإيمان للطبع و النشر بالإسكندرية:
    استشهاد عثمان و وقعة الجمل فى مرويات سيف بن عمر فى تاريخ الطبرى(رسالة دكتوراة لدكتور خالد بن محمد الغيث)
    مرويات خلافة معاوبة فى تاريخ الطبرى(نفس المؤلف)
    حقبة من التاريخ(للشيخ عثمان الخميس)
    و يمكن تحميل الكتاب الأخير من هذا الرابط
    http://www.almanhaj.net/ebooks/all_hokba.pdf
    خالص التحية أخى الفاضل

أسعدنا بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: