هوامش على حرب غزة 2


هوامش على حرب غزة 2

بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وهدأ صوت القصف. وارتد العدوان الإسرائيلي خائباً أمام الإرادة الصلبة لرجال المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. فقد حان الوقت لمراجعة ما حدث، علنا نسجل بعض الملاحظات على هامش ما وقع. فهذا واجب كل من أراد أن يتعلم من تعاقب الأيام وتوالي الحوادث.

لقد أظهرت الأحداث أن الصراع الذي كان البعض يحسبه بين حماس وفتح صراعا على السلطة، لم يكن كذلك. لم يكن بين حماس وفتح، ولم يكن على السلطة. بل كان كما وصفه من قبل رجال حماس، صراع بين المقاومة وفصيل من السلطة. فصيل اختار إلقاء السلاح “ونبذ العنف” كما يقولون. فصيل اختار السلام بأي ثمن، ولو كان الثمن تصفية القضية والتنازل عن حق العودة. فالسلام عندهم هو الأمل والرجاء. فصيل اختار الطعام على الحرية، والسلامة على الكرامة. فصيل يرفض أعضاؤه أن يقذف أحدهم على الإسرائيلي ولو حجراً. فصيل يفخر رئيسه أنه لم يحمل سلاحاً يوماً من الأيام.

فرجال فتح أنفسهم، يوم الجد، اختاروا أن يقفوا مع حماس. وسمعنا من أحد قادة كتائب الأقصى – الجناح العسكري لحركة فتح – قوله “إن كان العدوان يستهدف أهل غزة، فكلنا سنقف صفا واحدا في الدفاع عن أهلنا، وإن كان العدوان يستهدف رجال حماس، فنحن فداء لهم، ولن يصلوا إليهم إلا على جثثنا”.

وكفى بهذا تكذيباً لمن زعم أن رجال حماس يرتكبون المجازر والمظالم في حق أفراد فتح، لمجرد أنهم من فتح. فالفارق كبير جداً بين رجال فتح الذين وقفوا- مع إخوانهم- يوم الفرقان يدافعون عن أرضهم وكرامتهم وقضيتهم، وبين من بادر بإدانة المقاومة، وتحميلها مسؤولية المجزرة التي تعرض لها أهل غزة. وشتان بين من ضحى بنفسه وماله وبيته – من رجال فتح – في سبيل رد العدوان، وبين من رفض أن يوقع أوراق المطالبة بمحاكمة القادة الإسرائيليين على جرائم الحرب التي شاهدها العالم كله. وكما كان الفارق جليا يوم الحرب، كان واضحا لأهل غزة قبل ذلك.

كذلك أثبتت الحرب أن حكومة حماس مرتبطة بأهلها في القطاع، ومنتشرة في ثنايا شعبه، وجذورها ممتدة في أرضه، فلا يمكن اقتلاعها بمثل هذا العدوان ولو استخدم فيه العدو الأسلحة الفتاكة المحرمة دوليا، ولو استخدم كل القوة المتاحة له، على قول أولمرت. فليس من خيار إلا التعامل مع حماس كقوة موجودة، وممثل شرعي، بدلا من انتظار أعوام طوال كتلك التي انتظرها العالم قبل الاعتراف بمنظمة التحرير كممثل للشعب الفلسطيني. وقد كانت وقتها ممثلا حقيقيا للشعب الفلسطيني. ولكن هذا شيئا كان ثم انقضى.

والقضية في حقيقتها ليست “حماس”، بل هي أكبر من ذلك. إنها قضية مسار وخيار. خيار بين حرب عادلة وسلام ظالم. خيار بين حق الدفاع عن النفس والمطالبة بالحق، وبين التفاوض من أجل التفاوض واستجداء العدو. خيار بين السعي لانتزاع الحق، وبين الرضا بما يجود به علينا العدو. وليست حماس هي المقاومة، وإنما كانت هي قائد المقاومة، ولابد للمقاومة من قائد. قائد يحصل على اعتراف شعبه، وإن لم يحصل على اعتراف العالم. ينال ثقة شعبه وإن لم ينل رضا الدنيا. قائد يخلص العمل من أجل قومه ودينه ووطنه، لا لرضا أمريكا أو الكيان الإسرائيلي أو النظام العالمي والمجتمع الدولي. قائد يعمل وفق قناعته وعقيدته ليس وفق الاتفاقات الدولية الظالمة التي لم يقر بها ولم يستشر بشأنها. وقد اختار أهل غزة “حماس” قائدا لهذه المقاومة قبل العدوان، وازدادوا بها تمسكا بعده. ففي أول رد بعد إعلان أولمرت وقف إطلاق النار، كانت فصائل المقاومة تعلن جميعا – وقبل وقف إطلاق النار وقبل انجلاء غبار الحرب- أنها لا تعترف بغير حماس حكومة ولا تقبل غير حماس ممثلا ولا ترضى غير حماس قائدا.

وفي هذا بيان كاف لمن كان يبصر أو يعقل.


Advertisements

أسعدنا بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: