لعبة التدوين1


لعبة التدوين1

 

بدأ التدوين كلعبة يستطيع الفرد من خلالها أن يكتب ما يشاء وقت يشاء وأن ينشر ما كتبه على من يشاء. ثم اتسع نطاقها حول العالم، فتعددت المدونات بجميع لغات الأرض، وفي جميع أقطارها. وتنوعت من حيث أسلوبها واهتمامها ومدى الإقبال عليها. وتحول التدوين إلى بديل فعال للصحافة الورقية التقليدية. حيث لا يحتاج إلى مصروفات أو تصاريح، ولا إلى خبرة فنية في الكتابة والنشر، ولا يخضع لسلطان الإعلانات، ويستطيع في حالات كثيرة أن يتجاوز حتى سلطان الأمن والقانون. ولكن يجب النظر إلى المدونات كما هي في حقيقتها، فهي أقرب إلى حديث صالونات أو مقاهي. حسب نوعية المدونة. فهي إنما تبادل للأفكار والمشاعر والاهتمامات، وحديث لإيقاظ الهمم ونشر الوعي. وليست محاضرات فقهية ولا دراسات علمية، وهي ليست تخطيطاً لتقدم الأمة، وإن كان هناك استثناءات قليلة.

ولما اتسع نطاق المدونات وانتشر أثرها وازداد الاهتمام العام بها، بدأت السلطات في العالم تنتبه إلى أهمية هذه الأداة في التعبير عن نبض الشارع، وعن تشكيل قطاع كبير ومؤثر من الوعي العام، سواء على مستوى القطري (داخل البلد الواحد) أو على مستوى العالم العربي ككل. ففي مكتوب مثلاً، حدث تقارب في حالات كثيرة بين أفراد من مختلف البلاد العربية، فرأينا حواراً بين أقصى الشرق العربي في العراق والخليج مع أقصى المغرب العربي في المغرب وموريتانيا، بل واشترك فيه أفراد مقيمين في أوروبا. وهذا الأمر حقق جزءاً يسيراً مما نحلم به من توحيد هذه الأمة، وجزءاً أكبر من التعبير عن الأحلام المشتركة بين أجزاء هذا الوطن الممزق.

بالطبع لا يوجد مدونة بذاتها تعبر عن الشارع العربي أو حتى الشارع في بلد بعينه ولن يوجد مثل هذه المدونة، ولكن مجموع المدونات العربية، تعكس بدرجة كبيرة وعي وأفكار وأحلام الشارع العربي، ويظهر ذلك جلياً عند النوازل الكبيرة الظاهرة، كما ظهر يوم تطاول بابا الفاتيكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيام العدوان على غزة، وغيرها من الأحداث المؤثرة. فمن الطبيعي أن يهتم الجميع (أو الأغلبية) بالأحداث الجسام، والمواسم المتكررة، مثل رمضان وذكرى المولد النبوي، ورأس السنة، وغيرها. فكتابة الناس هنا، ليست اجتراراً لقديم انتهى زمنه، وإنما تفاعل مع حدث متكرر ومتجدد. وهو لا يعكس ثقافة قطيع كما يحلو للبعض أن يردد، وإنما هو انعكاس لاهتمام مشترك لأفراد من أمة يجمعها الكثير، وإن فرقتها الحدود المفروضة. ولنضرب مثلاً على مستوى العالم، ففي الانتخابات الأمريكية، تتجه جميع وسائل الإعلام إلى الحديث عن تلك الانتخابات، ولم يدع أحد أنها ثقافة قطيع، وإنما هو حدث أثار اهتمام الجميع، فتناوله كل حسب رؤيته ووعيه.

ويظهر انعكاس الشارع على المدونات في مظاهره الإيجابية والسلبية على السواء. فكما يظهر أثر وحدة اللغة والتاريخ والأحلام، يظهر كذلك بعض الفجر في الخصومة، وسوء أدب في الحوار، وسخف في القول وغش في المعاملة. وتظهر مدونات الدعوة إلى أباطيل وخرافات، ومدونات التطرف الفكري والسياسي، إلى جانب مدونات حقوق الإنسان وكشف الفساد المالي والديني والأخلاقي والسياسي والفكري. فكل هذه النماذج وغيرها موجود في الشارع ونراه في الإعلام والمقاهي، وللأسف نراه أيضاً في الجامعات والمنتديات الثقافية. من هنا تبرز أهمية مراقبة المدونات لكل من أراد فهم الفكر العربي العام المعاصر ورصد تغيراته. فرصد مجموع المدونات يستطيع أن يعطي صورة قريبة جداً من شكل الشارع العربي، بأحلامه وتصوراته وأفكاره، ورؤيته للأحداث.

وكما تعكس المدونات وعي الشارع، فهي تساهم كذلك بقدر ما في تشكيل هذا الوعي. ولذلك يسعى كل حالم بالتغيير إلى كتابة ما يريد نشره. وكما يوجد لدينا آلاف الحالمين بالتغيير إلى الأفضل. يوجد جهات كثيرة، يهمها التغيير في الاتجاه المضاد. أو ترسيخ السلبيات ومنع انتشار الأفكار الإيجابية. والحرب النفسية المعتمدة على الكلمة- في الخبر والفكرة- قديمة جداً. نراها في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في عمل المنافقين والذين في قلوبهم مرض. ونراها في العصر الحديث في الحرب العالمية، ونراها في العصر ما بعد الحديث (عصر المعلومات) في إشاعات تخرج وأخبار تتداول ودعاوى تنتشر في الصحافة والإعلام والمدونات. تعمل على نشر الفرقة أو إحباط الهمم أو التضليل، ولهم في ذلك فنون كثيرة، تحتاج إلى دراسة أطول. ولكن الأكيد بلا شك، أن هناك من يقرأ وهناك من يكتب وهناك من يراقب، ليس لغرض الخير. وإنما لتحقيق أهداف السيطرة الغربية، واستبقائها. 

 

وللحديث تتمة..

 

Advertisements

2 تعليقان

أسعدنا بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: