لعبة التدوين 3



المدونة الناجحة والمدونة المحترمة

طرح أخي العزيز المدون عادل سعيد سؤالاً عويصاً، ما هو معيار المدوَّنة الناجحة؟

قبل التعرض لإجابة هذا السؤال، أحسب أن علينا التمييز بين المدونة الناجحة والمدونة المحترمة أو المدونة الجيدة. ولكل من هذه الصفات معايير تختلف عن معايير الصفات الأخرى. فالمدونة الناجحة ليست بالضرورة محترمة.

فالنجاح قد يمكن قياسه بمعايير رقمية أو كمية. رقم معين إذا تحقق فهو يعنى النجاح، كلما ارتفع الرقم كان معناه المزيد من النجاح. في حين أن الاحترام مسألة تقديرية، لا يمكن قياسها بالأرقام. وهذه مشكلة تواجه وسائل الإعلام والأعمال الإبداعية عموماً. فقد تكون جريدة توزع ألف نسخة، ولكنها تحظى بالاحترام والمصداقية أكثر بكثير من أخرى توزع مائة ألف نسخة.

من ناحية أخرى، يفترض أن قياس النجاح يعتمد أساساً على غرض المدونة الأساسي في قلب صاحبها. وقد يرى العالم أن المدونة فاشلة، ولكنها حققت غرض صاحبها. فمثلاً أنشأ أحدهم مدونة بغرض سب مدون آخر، وقال فيها ما يثقله من سباب، وأبدى فيها ما يأكل كبده من غل على هذا المدون، فقد حقق غرضه، ويكون النجاح كاملاً إذا انسحب المدون الهدف، وأغلق مدونته. وهناك مدونات أقيمت من أجل نشر فكرة كتاب، وقياس نجاحها سهل وقريب، فإذا تم نشر الكتاب فقد نجحت المدونة في تحقيق هدفها. إذا عرف أن الناس لا تتقبل أعماله (شعراً أو نثراً) فقد أصاب بعض النجاح في معرفة أن الأدب ليس الطريق المناسب له. ولكن هذه النماذج بطبيعتها هي مدونات قصيرة الأمد، وينتهي عمرها بانتهاء وظيفتها. حتى وإن ظلت قائمة، فإنها تظل بلا هدف.

هناك أغراض أخرى للمدونات، فمثلاً هناك مدونات مخصصة لفضح التجاوزات الحكومية، وهي قادرة على الاستمرار في عملها ما استمرت هذه التجاوزات. وهي في الأغلب لا تنتهي في أي بلد من بلاد الدنيا. مادام الحاكم والمحكوم فيها من البشر. وهناك مدونات تدعوا إلى قضية معينة، وتعتمد أسلوب الإثارة والحشد، وليس التحليل والمنطق، فهي تعرض موقفاً مبدئياً لا يختلف الناس حوله، ثم تطبقه على مواقف يرى صاحب المدونة أنه لا ينبغي أن يختلف الناس حولها.في حين تتجه مدونات أخرى إلى عرض قضايا فكرية شائكة، تحتاج إلى عمل فكري، ومناظرات قد لا تنتهي إلى يوم القيامة، هناك مئات الآلاف من المدونات باللغة العربية، ولكل منها غرض. ويكاد يكون لكل منها معيار النجاح الخاص. ولكن إذا تحدثنا عن المدونات غير المحدودة بهدف مباشر. مثل مدونات الخواطر أو التعليق على الأحداث أو مناقشة الواقع الاجتماعي والسياسي، فأحسب أن المعيار الرقمي سوف يكون مفيداً في قياس نجاحها مع بض الشروط …

والمعايير الرقمية المتاحة للمدونة هي

الزوار

عدد الزوار، فكلما زاد عدد الزوار إلى المدونة، كان هذا مؤشراً على نجاح المدونة. ولكن هذا النجاح لا يرتبط بالضرورة بالاحترام والجودة.

نسبة الزوار لعدد الإدراجات،  تعطي هذه النسبة مؤشراً أكثر دقة من مجرد عدد الزوار. فمدونة ذات ألف زائر لعشرين إدراجاً، هي أنجح من مدونة مليون زائر لمليون إدراج.

انتظام معدل الزوار، هذا المؤشر يشير عادة إلى تردد الزوار إلى المدونة، وتكرار عودتهم إليها. وهو يعنى في صيغة أخرى ولاء العميل/ القارئ، وحرصه على متابعة المدونة.

 التعليقات، وهو المؤشر الذي يعتبره الكثيرون المؤشر الأساسي على النجاح. وهو ينقسم إلى جزئين.

عدد التعليقات، وهو مؤشر في الأغلب يشير إلى تفاعل القارئ مع الإدراج المطروح، وهو ما يعكس الاهتمام والتأثر بالمادة المقدمة. ولكن هذا أيضاً مرهون بنوع التعليقات، فهناك تعليقات لا تعكس شيئاً على الإطلاق، مثل تعليقات الدعاية والأخبار، وهي التعليقات التي يشتكي منها كثير من المدونين. وهناك تعليقات في الصميم، يعرف منها الكاتب أن القارئ قد أحسن القراءة، وفهم الموضوع، سواء اتفق معه أو اختلف. فكلامهما نجاح. وهناك من الناس من اختلافه أنفع من اتفاق غيره. فيكفي أنه رأى في المدونة ما يستحق التعليق. وهذا الجزء من تقدير نوع التعليق متروك للمدون ذاته، فهناك من يرحب بالتصفيق والتحيات، وهناك من لا يرى نفسه نجح إلا بإثارة المعارك حول الإدراج، وهناك من لا يغمض جفنه إلا إذا رأى الغضب يثور حول إدراجاته.

هناك مقياس آخر للنجاح، وهو عدد المتابعين للمدونة، عدد الجمهور الذي ينتظر إدراجا جديداً على هذه المدونة لكي يسارع بقراءته. وهذا دليل كبير هذا ثقة القارئ بالمدونة وأصحابها أو اهتمامه بمتابعة ما يقول صاحب المدونة. وهذا الاهتمام هو عين النجاح في ظني.

هناك أيضاً من يعتمد عدد الروابط الواردة كمقياس للنجاح، فكلما زادت الإشارات الواردة إلى المدونة، كلما كان ذلك دليلاً على التقدير الذي تحظى به المدونة، ومدى أثرها عند القارئ الذي قرر أنها ليست مجرد مدونة تستحق أن يتابعها، وإنما هي  مدونة تستحق أن ينصح الناس بقراءتها. وهذا في ظني هو المقياس الأكبر على النجاح. وهو مقياس يصعب تزويره، ويصعب إظهاره. ولكنه كذلك يعكس أعلى درجات الثقة والتقدير في ظني.

هذه هي المعايير الرقمية التي أعرفها للمدونة، ويمكن استخدامها لقياس مدى نجاح المدونة. ولكن… ولا بد من هذا الاستدراك

لكن..

هذه الأرقام يمكن تحقيقها بوسائل عديدة، ليس كلها جدير بالاحترام والتقدير، وليس ارتفاع هذه الأرقام دليل على جودة محتوى المدونة. فجرائد الفضائح وأخبار الفنانين أوسع انتشاراً وأكثر قراءً من المجلات الثقافية الرصينة، أو النشرات العلمية القيمة. فهل يمكن اعتبار هذا فشلاً للمجلات الثقافية؟

أحسب أن هناك شروطاً يجب توفرها في المدونة لكي تكون مدونة محترمة.

ومنها الاحترام الأخلاقي، وهو معيار أراه مهماً، ويرى غيري أنه غير مهم بالمرة، فهناك مدونات ترفع شعار هذه المدونة ترحب بالبذاءات. أو مدونة يعلن صاحبها أنه يفضل استخدام السباب في التعبير عن مواقفه. وهو رأي منتشر عند الكثيرين. وهناك قيمة المادة المعروضة، فمثلاُ كانت مدونة رسومات أخينا أحمد الضبع لا تلقى عشر عدد زوار مدونة تعرض صور الفنانات. ولكن بالتأكيد كانت رسومات الضبع أكثر قيمة بما لا يقاس. والتزام المدون بمبادئه، سواء اتفقت معه فيها أم لا، وهناك استقلالية المدون بفكره، فإذا كان المدون يردد ما قاله آخرون، فلماذا أذهب إليه؟ سأذهب إلى صاحب الكلام الأصلي. وكذلك يمكن إضافة قدر الإبداع في المدونة، ومقدار الأصالة في عرض المادة المقدمة. هذه العناصر لا يمكن قياسها بالأرقام. وإنما هي التي تترك انطباعاً جيداً عند القارئ، وتساهم بقدر كبير في رفع المعايير الرقمية التي أشرت إليها في أول الأمر.

ولكن من يعمل على رفع الأرقام (الزوار، والتعليقات، والمتابعين) بوسائل تتنافى مع الأخلاق سواء كان بالتزوير أو بوضع عناوين لافتة لمحتوى فارغ، أو نشر مواد غير أخلاقية من صور أو قصص أو خلافه، فقد يعتبر من ناحية مهنية صاحب مدونة ناجحة، ولكنها لا تكون مدونة محترمة. 

والله تعالى أعلم.

  

ملاحظة مهمة 

جاء هذا الإدراج استجابة لأخي المهندس عادل سعيد. 

فهو إدراج مشترك، له الفكرة والأرباح

ولي الصياغة والتعليقات. 

Advertisements

6 تعليقات

  1. اخى الكريم م/حسن
    جزاكم الله خيرا على الموضوع

    عامل موضوع المدونه هام لتقييمها وليس فقط عدد الزوار
    ولكن ايضا يجب ان تكون طريقه عرض المدونه شيقه جذابه قدر الامكان لتوصيل الموضوع بصوره افضل
    ربنا يوفقك دايما للخير

    • أخي محمد

      أتفق معك في أهمية طريقة العرض الشيقة والجذابة كعنصر لازم لنجاح المدونة، وكذلك موضوعها..

      ولكن بالنسبة للموضوع، هل يمكن اعتبار الموضوعات المتعلقة بالشأن اليومي مثلاً أهم من الموضوعات الفكرية؟ أو الموضوعات السياسية أهم من الاجتماعية؟
      أتمنى أن تزيدني بياناً عن رأيك في هذه الجزئية

      تحياتي

  2. اخى الكريم
    معلش انا اتاحرت شويه
    كل الحاجات دي مهمه
    ولازم الناس تهتم بيها
    وطبيعى ان الناس بتهتم بالاجتماعيات و الشأن اليومي
    فده اللى مخلى ناس تهتم بالسياسه او الموضوعات الفكريه اكتر
    عشان حاسين ان فيه ناس مكبره دماغها او مش فاضيه ليها

    لكن كله مهم
    ربنا يكرمك ويسعدك دايما

  3. أخى الحبيب حسن
    كنا جيران فى مكتوب وأصبحنا جيران فى وورد بريس … ما أجمل هذا القدر ….. سعادتى لا توصف بحصولى على رابط لموقعك الجديد … كأننى التقيتك من جديد . أشكر لك تلميحك لذكريات أجمل ما فيها أنها جمعتنا .
    يبقى عنصر آخر وحيد من عناصر النجاح للمدونة … ألا وهو التميز …التميز فى رأيى هو سيد الإبداع ….وقد كان لك يا صديقى سبق وريادة فى ملامح متعددة تميزت بها ، فأصبحت بالفعل ” فارس وحيد ” بين زوارك فى تحليل الإشكاليات التاريخية وتبسيطها وتفكيكها … ثم إعادة تشكيلها من جديد …أحييك على هذا الطرح وأدعو لك بدوام الصحة والنجاح .
    أحمد

  4. لا اعلم أخى الكريم .. فكل ما قلته لم يكن ببالى عندما قررت التدوين .. فقط اردت أن أقول أفكارى وأدونها ..وقد فعلت … فهل ترى ذلك نجاحا ً ..أعتقد أن الأمر وكما قلت انت بإدراجك الجميل .. متوقف على الهدف التى صنعت من اجله المدونه ..
    ………..
    موضوع جميل رغم وصولى متأخرا ..إلا أن لك منى كل تحيه

  5. الله يوفقك
    علقت من قبل في مجلة التدوين العربي
    لكن علي ان أشكرك ثانية

أسعدنا بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: