بين الدين والعلمانية


بين الدين والعلمانية

لا يخفى على أحد وجود مشكل كبير وممتد بين الفكر العلماني والفكر الإسلامي. هناك مساحة كبيرة من سوء الفهم وسوء الظن بين أهل الفكرَين. الأمر الذي يدفع بعض الإسلاميين إلى تكفير العلمانيين، ويدفع بعض العلمانيين إلى وصم الفكر الإسلامي بأنه فكر الخرافة والدجل والكهنوت، وهو معادل التكفير عند أصحابه.

ربما كان علينا الخوض في أصل هذا المشكل بين الفريقين، لعلنا نصل إلى جوهره ومبدئه. وليس هدفي هنا أن أنتصر لأحدهما على الآخر، وإنما أسعى إلى بيان ما فهمته من أصل هذا الخلاف الذي لا أرى له نهاية. إذ لا يبدو لي أن الفريقين قادران على الوصول إلى نقطة التقاء حقيقية، دون أن يتنازل أحدهما عن أساسه وجوهره.

المشكل في ظني أن العلمانية غير قادرة على فهم أساس الإسلام، أو أساس الأديان ابتداء. فكما أن العلمانية مفردة لا محل لها في الفكر الإسلامي. لأن العلمانية هي مقابل الكهنوتية أو الإكليروس الكنسي. وليس عندنا في الإسلام كنيسة ولا إكليروس ولا كنهوت. فإن الدين ليس له محل في الفكر العلماني. لا يستطيع الفكر العلماني البحث في الدين، ولا قبوله ولا رفضه ولا تفسيره. لا يستطيع دراسته بالمرة. لأنه لا يملك الأدوات اللازمة للبحث في الأديان. كمن يحاول حساب الوزن بمقياس الحرارة.

يقول علي عزت بيجوفيتش، إن الفكر البشري بكامله يندرج تحت ثلاث مدارس أو ثلاثة تيارات أساسية. لا يخرج عنها فكر بشري: وهي المدرسة المادية، والمدرسة الروحية (ترجمها د. محمد عدس المدرسة الدينية)، ومدرسة الوحدة ثنائية القطب.

في المدرسة المادية: يتم قياس كل شيء بقيمته المادية، ولا عبرة لأي قيمة معنوية أو روحية. وبالتالي فإن منظومة الأخلاق والدين والجمال والفن، ليس لها محل في أصل الفكر المادي. الفكر المادي ينكر وجودها أصلاً، لأنها جميعاً قائمة على الغيب، والفكر العلماني ينكر الغيب جملة. وبالتالي لا يستطيع أن يناقشها. إنها بالنسبة له كالعنقاء، ولا يمكن أن تقوم مناقشة عاقلة بين عقلاء حول شروط تربية العنقاء مثلاً في أي مدرسة من المدارس الثلاث. وبالتالي فإن قيم التضحية والعطاء والإيثار كلها بالنسبة للفكر المادي أوهام، أو هي صيغة محرفة من المصلحة أو اللذة أو المنفعة. والصورة الأوضح وربما الأقبح لتطبيق المدرسة المادية هي مدينة أفلاطون (يوتوبيا).

في المدرسة الروحية: يتم قياس الأمور وفق قيمتها المعنوية والروحية. فتصبح المنفعة الشخصية مسألة مستنكرة، أو في أحسن الفروض غير مرغوب بها. وتصبح القيمة المعنوية هي المهمة وهي القيمة الحقيقة. ويكون الهدف هو العطاء المستمر، والامتناع عن الأخذ بالأيسر، وإنكار حاجات الجسد قدر المستطاع. وهذا هو الفكر الأصلي للمدرسة الروحية، ويمثلها الكنيسة المسيحية، فنسمع عن كاهن عاش عمرا على الخبز الجاف والماء القراح، وعن آخر عاش عشرين عاماً لم يغسل قدميه (وهذه صورة واضحة لإنكار حاجات الجسد)، أو نرى الترغيب في ترك الزواج والحض على الرهبانية. وغيرها من صور إنكار الحاجات المادية أو الجسدية للإنسان.

في تطبيق هاتين المدرستين، اضطر أصحاب كل مدرسة إلى الاستعارة من المدرسة الأخرى، لكي يمكن إقامة مجتمع بشري. ففي الأنظمة المتطرفة مادياً مثل الشيوعية، تم الاستعانة برموز معنوية مثل النياشين والأوسمة (التي لا تحمل أي قيمة أو منفعة مادية). وفي المقابل اضطرت الكنيسة إلى العمل في الإدارة والحرب والسياسة، (وكلها تنتمي إلى المدرسة المادية)، بل إن الهرم التراتبي في الكنيسة ينتمي إلى المدرسة المادية، ففي مدرسة الروح كل الناس سواسية، وكل الأرواح متساوية.

وهاتان المدرستان هما خطان متوازيان، لا يلتقيان أبداً على المستوى الفكري. وإن تعايشا في المجتمعات البشرية من أجل تلبية حاجات الإنسان بشقيها المادي والروحي. والحقيقة أنهما لم يتعايشا وحسب، وإنما اختلطا في أمور عديدة كما سبق القول. ولكن في المستوى النظري والتحليلي، هما ضدان لا يلتقيان. الطريف أنهما يلتقيان في بعض المسائل، كل من جهته، وكأن الفكر البشري دائري، فإذا تطرفت في أمر وصلت إلى نقيضه. فالفكر الروحي يرفض الزواج، أو لا يحبذه. لأنه متعلق بالجسد، وحاجاته المادية. والفكر المادي يستنكر الزواج ويراه رابطا لا معنى له ولا قيمة. وفي التطبيق يختلف الزواج الكنسي عن الزواج المادي. فالأول هو رباط سماوي لا يحله إلا الموت، وفي الثاني هو عقد مدني يعقده كاتب عدل، ويفسخه القاضي. وكلاهما مختلف عن الزواج في الإسلام.

في المدرسة ثنائية القطب: وهي تشمل الفكر الإسلامي، وفلسفة “بيكون” (مؤسس الفلسفة الإنجليزية) التي تعلمها من تلاميذ ابن رشد في الأندلس. وهذا الفكر يقر بأن الإنسان روح وجسد، له حاجاته المادية والمعنوية، ويعطى الاعتبار للجانبين في كل أعمال الإنسان. فكل عمل يقوم به الإنسان يحتوي على جانب من الحاجات الجسدية وجانب من الحاجات الروحية. وقد اعتبر بيجوفيتش أن أوضح أمثلة ذلك هو الصلاة، (كما يعرفها الإسلام) فهي رياضة بدنية وطهارة نفسية في نفس العمل. واعتبر الوضوء مثل الصلاة في ذلك. فهو نظافة للبدن وتطهير للروح. ويمكن القياس على ذلك في الزكاة والحج. ليذكروا الله في أيام معدودات، ويشهدوا منافع لهم في عمل واحد هو من أركان الإسلام. ربما يكون الصوم هو العبادة الإسلامية الأقرب إلى المدرسة الروحية.

كما اعتبر بيجوفيتش أن التعليم والتدريب ينتمي إلى المدرسة المادية، في حين أن التربية تنتمي إلى المدرسة الروحية. وعرض النموذج الذي صنعه المسلمون عبر التاريخ وسماه (المسجدرسة – حسب ترجمة د. عدس) التي تشمل التربية والتعليم معاً. وهي ملاحظة لطيفة، حيث ارتبطت المدارس في التاريخ الإسلامي بالمساجد، وكانت أقدم مدرسة إسلامية في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأقدم الجامعات الإسلامية هي الزيتونة في تونس، والأزهر في مصر.

ربما يظن البعض، إذا نظر نظرة غير مدققة، أن الإسلام لم يزد على أن جمع شيئا من هنا وشيئا من هناك، كما يقول بعض المستشرقين، فأخذ من المادية ما ينفعه وأخذ من الروحية ما يصلحه. وهذا نظر قاصر شديد القصور. فالإسلام لم يأخذ التعليم من المادية، ولا أخذ الصلاة من الروحية. وإنما كانت الصلاة مركبة من المادية (في الحركات الجسدية)، والروحية (من استقبال القبلة، ومناجاة الله ودعائه). وجعل التعليم عبادة يراد بها رضا الله ومصلحة الفرد ومنفعة المجتمع وعمارة الأرض في عمل واحد.

فإذا نظرنا إلى ذلك كله، نجد أن مشكلة الفكر العلماني في التعامل مع القرآن وسائر الكتب الدينية، أنه ينكر معنى الدين (أو يجهله) وهو الأساس الذي قامت عليه هذه الكتب، أو الأساس الذي يؤمن به أتباع هذه الكتب. في حين أن المفكر المسيحي، يستطيع فهم القرآن أفضل من العلماني (برغم أن كلاهما ينكر نسبة القرآن إلى الله)، لأن المسيحي يفهم معنى الدين، وإن كان المعنى عنده مخالف لنظرة المسلمين للدين، والعلماني ينكر الدين جملة. فالأول يملك الأداة المناسبة وإن كانت غير دقيقة، والآخر يعمل بأداة لا علاقة لها بالمادة التي يدرسها. وكما في المثال الذي بدأت به، فالمسيحي يقدر الوزن بميزان غير دقيق، والعلماني يحاول ذلك بمقياس الحرارة.

والله أعلم

Advertisements

أسعدنا بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: