تصريحات الكنيسة بين تقدم الأنبا بيشوي، وتراجع البابا


تصريحات الكنيسة بين تقدم الأنبا بيشوي، وتراجع البابا

مازالت تصريحات الكنيسة عموماً، والأنبا بيشوي (الرجل الثاني في الكنيسة المصرية) تحديداً تثير ردود الأفعال المتوالية، وأحسب أن ردود الأفعال هذه سوف تستمر لبعض الوقت. وهي تصريحات مثيرة للقلق، تؤدي إلى زيادة الاحتقان الحاصل في مصر حالياً، وفي الوقت نفسه تعكس جزءاً من حال الوطن الاجتماعي والسياسي.

وذلك أن الأنبا بيشوي قد نشر له تصريحات في ثلاثة مجالات:

المجال الأول: مجال العقيدة، في سعيه لتثبيت عقيدة أتباع الكنيسة القبطية. وتضمن ذلك طعناً في الإسلام وغمزاً في القرآن. وما قاله في هذا الصدد كلام قديم مكرر، ليس فيه جديد. وإنما هو تكرار لمغالطات قديمة، وادعاء حجة غير موجودة. وكلامه كله مردود عليه مرات ومرات من قبل. ولكن الجديد هو صدوره عن أحد رؤوس الكنيسة المصرية. والخطير هو توقيت هذا الكلام في ظل احتقان شديد بين المسلمين والنصارى في مصر. وأنا أقدر أن من لوازم الإيمان بالإسلام أن يؤمن المسلم بتحريف الكتاب المقدس بشقيه (التوراة والإنجيل). وأن من دواعي الإيمان المسيحي أن يؤمن المسيحي بعدم قدسية القرآن، وأن ينكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ولا أحب أن يجاملني مسيحي بإعلان تصديقه بنبوة محمد. ولكن لا ينبغي للمسلم أن يبادئ المسيحي بتكذيب كتابه وتسفيه عقيدته، وكذلك لا نقبل من المسيحي أن يسيء إلى عقائدنا وكتابنا ونبينا. ويظل فوق هذا وذاك من سوء الأدب وعجز السياسة أن يخرج علينا تصريح إعلامي علني يسيء إلى عقيدة السواد الأعظم من أهل البلاد، ويستفز مشاعر أكثر من 90% منهم. وأنا لا أحب مناقشة العقائد على الملأ في وسائل الإعلام.

وقد صدر بيان عن المجلس الأعلى للبحوث الإسلامية برئاسة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، يدين هذه التصريحات ويستنكر هذه الإساءة إلى الإسلام. وهو عمل مشكور قد يساعد في تهدئة المسلمين.

والمجال الثاني: المجال الوطني، هو اعتباره المسلمين من أهل مصر ضيوف على النصارى، وهذه صياغة مهذبة لما يردده أقباط المهجر من أن المسلمين والعرب غزاة في أرض مصر، وينبغي طردهم منها. وهذا كلام يردده أقباط المهجر باستمرار. وكانت الكنيسة المصرية حريصة قبل ذلك على إظهار التبرؤ من مواقف أقباط المهجر، وإعلان رفضها لدعواهم، وإنكارها لكلامهم. فجاءت هذه التصريحات من الرجل الثاني في الكنيسة لتثير مخاوف كثيرة وضخمة بشأن النوايا الحقيقية لرجال الكنيسة.

وقد رد على هذا الكلام الكثير من المسلمين، في العديد من وسائل الإعلام. وبينوا أن بقاء الكنيسة القبطية إلى اليوم هو نتيجة لدخول الإسلام إلى مصر. فلولا دخول المسلمين لما ارتفع الاضطهاد عن الكنيسة المصرية، ولظل البطريرك بنيامين طريد الدولة الرومية.

وأخيراً خرج الرجل الأول في الكنيسة البابا شنودة شخصياً ليتراجع عن هذه التصريحات، ويسترضي المسلمين ويسكن غضبهم. ولكنه سكت عن المجال الثالث، فلم يذكر عنه شيئاً. ولا أدري هل أطلقت هذه التصريحات عمداّ لكي تغطي على المجال الثالث، والذي أراه الأشد خطراً والأبعد تأثيراً، فينشغل الناس بتطاولات بيشوي على الإسلام، وينتفضوا ضد تصريحاته بشأن المواطنة، ويغفلوا عن تصريحاته الأخطر والأهم. حتى إذا خرج علينا البابا شنودة معتذرا مسترضيا، ننسى الأمر وتهدأ الخواطر ويسكن الموضوع، ولا يتم التطرق إلى الشأن السياسي والقانوني، إما عن غفلة وشعور كاذب بالنصر أو تحت دعاوى الوحدة الوطنية ووأد الفتنة. ولا يتم وأد الفتنة وحفظ الوطن إلا بمعالجة المجال الثالث الذي أثارته تصريحات الأنبا بيشوي، بل وبعض تصريحات البابا نفسه.

والمجال الثالث الذي أقصده، هو الشأن القانوني والسياسي، من رفض تنفيذ أحكام القضاء، إلى رفض تفتيش الكنائس مع التهديد بالاستشهاد في سبيل ذلك، بالإضافة إلى رفض مناقشة مصير المخطوفات من المسلمات في الكنيسة.

وهذا هو الشأن الأخطر، فهذا الموقف من الكنيسة يعلنها منطقة خارج حدود سيادة الدولة المصرية، ويعلن انقسام هذه الدولة إلى سلطة عامة، وسلطة كنسية خاصة، لكل منهما قانون وقضاء وسجون. بل إن سلطة الكنيسة قد أصبحت أعلى، فهي تحتجز مواطنين تابعين للسلطة العامة، فلا تملك تلك السلطة أن تحمي رعاياها.

هذه التصريحات الخطيرة (الصادرة عن مؤسسة الكنيسة التي هي جزء من الدولة المصرية منذ قيام هذه الدولة) تهدد وجود الدولة المصرية بالكامل. فإن الدولة إذا عجزت عن فرض سلطتها التنفيذية على الأرض، تنعدم الدولة. فالدولة ليست مجرد نشيد وطني وعلم وحرس شرفي، بل هي سلطة على الأرض، لها عملها الأساسي في حماية الوطن من الطغيان الخارجي، وتنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع داخلياً لمنع طرف من الطغيان على طرف آخر. فإذا عجزت عن أداء أي من هذين الدورين فهي مهددة بالسقوط، وإذا عجزت عن أداء الدورين معاً فقد زالت، وإن بقى النشيد والعلم ومواكب التشريف. هذا إذا عجزت عن حماية الأقليات والضعفاء فيها، فكيف إذا عجزت عن حماية الأكثرية المطلقة من سكانها من طغيان مؤسسة قائمة على نسبة ضئيلة من السكان؟

إن الامتناع عن تنفيذ أحكام القضاء جريمة يعاقب مرتكبها، مهما كان منصبه أو حصانته. والخروج على سلطة الدولة جريمة أخرى تعاقب عليها كل الأنظمة السياسية في العالم، كما أن قيام الدولة باحتجاز أفراد بغير حكم قضائي مخالف للقانون، فكيف إذا كان القائم بالاحتجاز من غير السلطة التنفيذية المعترف بها قانوناً؟

ومن جهة أخرى فإن وجود مؤسسة داخل الدولة، تستعلي على أحكام القضاء، ولا تخضع لسلطة الدولة، ولا يجوز تفتيشها لأي سبب وتحت أي ظرف، مؤسسة تملك حق احتجاز الأفراد بغير حكم قضائي وتمنع عنهم الزوار وتمنعهم من الاتصال بالعالم. إن وجود مثل هذا الكيان داخل الدولة يهدد بسقوط هذه الدولة سقوطا نهائياَ. وموقف الكنيسة الحالي يهدد بانقسام كبير في مصر، انقسام غير مسبوق منذ عهد الملك مينا موحد القطرين.

من المعروف أن هناك مخططات لتقسيم مصر إلى أربعة أقسام، دولة نوبية في الجنوب، وقبطية إلى شمالها، ثم عربية إلى الشمال، وتظل سيناء إما كوطن بديل لأهل فلسطين، أو دويلة تابعة للكيان الإسرائيلي، أو في أفضل الأحوال (لأصحاب هذه الخطط) يتم ضمها إلى الكيان الإسرائيلي. وهذه الخطط ليست جديدة ولا مفاجئة ولا سرية، فقد رأيت تلك الخرائط رأي عين قبل سنوات. وهذه التصريحات الأخيرة للكنيسة تصب في هذا الاتجاه بشدة. لأن زيادة استفزازات الكنيسة للمسلمين، ستؤدي في النهاية إلى انفجار لا يعلم مداه إلا الله. وإذا لم يتم تدارك الأمر، فقد تصل الأمور إلى مجازر في الطرق، وحرب أهلية طاحنة. وحينها سيبادر الصديق الإسرائيلي مع الحليف الأمريكي إلى التدخل لحماية الأقليات المضطهدة وحفظ الأمن والسلام في أرض الكنانة، متذرعاً بما يتعرض له الأقباط من اضطهاد. هذا المخطط ليس وليد خيال، ولا هو استنتاج وصلت إليه بعبقرية استراتيجية، وإنما هو سيناريو مكتوب تم العمل به سابقاً ويتواصل تنفيذه حاليا ًفي بلاد المسلمين. ولك أن تنظر إلى جنوب السودان، وإلى أرض الصومال والصحراء الغربية، وكردستان.

رغم أن هناك تراكمات كثيرة، إلا أنني أظن أن الحادث الذي يشكل العلامة الأبرز هو تسليم السيدة وفاء قسطنطين إلى الكنيسة. فهذه الحادثة الأولى تاريخياً التي تسلم فيها سلطة مسلمة امرأة مسلمة إلى غير المسلمين. وهي لم تخطف من بيتها أو من الطريق، بل إنها قد احتمت بالدولة (بأجهزة أمن الدولة تحديداً) فقامت الدولة بتسليمها إلى مؤسسة الكنيسة لتعتقلها بغير وجه حق. وقد كتب في حينها الدكتور العوا والمستشار طارق البشري كلاما نفيسا حول الموقف القانوني والشرعي والأخلاقي من هذه الحادثة. فإذا بنا نفاجأ بعدها بقليل بتسليم مسلمة أخرى هي السيدة ماري عبد الله. الأمر الذي ركز في نفوس المسلمين أن الكنيسة قد أصبحت أقوى من الحكومة. هذا الشعور بالمهانة لدى جموع المسلمين، جعلهم أقل قدرة على التسامح، وأكثر توتراً أمام أي تجاوز أو حتى شبهة تجاوز. ولن تهدأ النفوس وترتاح الخواطر حتى يتم الإفراج عن المسلمات المخطوفات، وتعود الثقة عند المسلمين من منعتهم أمام من يريد دينهم بسوء. وإذا لم تستجب الكنيسة لأصوات العقلاء من المسلمين، فسوف ينفض عنهم الناس ليتجهوا نحو الغلاة والمتطرفين، الأمر الذي سيؤدي إلى نشر التطرف والعنف الدموي بغير حدود.

الخلاصة أنه لابد أن يشعر المسلمون بالسيادة في أرضهم، والأمان في أوطانه، الأمان على أموالهم ودمائهم وأعراضهم ودينهم. أما دون ذلك، فستبقى النار وإن تحت الرماد حتى يأتي يوم يكون لها ضرام فتحرق الأخضر واليابس. ونسأل الله السلامة.

Advertisements

أسعدنا بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: