أعتذر لك يا مصر


أعتذر لك يا مصر

 

أعترف اليوم أنني كنت مخطئا في فهم مصر وشعبها، وكنت مخطئاً في تصوري لحال هذه البلد. فلم أكن أتصور أن يكون هذا هو سلوك الشعب المصري رجالا ونساء، شباباً وكهولا وشيوخاً. وبرغم أنني لم أفقد إيماني بوجود الخير في أهلي وقومي، ولم أفقد إيماني بقدرتهم على الفعل والتغيير. ولكنني لم أدرك حجم هذه القدرة، ولا رأيت قدر هذا الخير قدر ما رأيته في الأيام في الأيام القليلة الماضية.

كنت دائماً بين الرجاء واليأس. كنت أخاف أن أتوقع هذا اليوم، أخاف أن لا يصدق توقعي فأصاب بالإحباط واليأس، كنت من شدة خوفي من اليأس قريباً جداً من اليأس، لولا بقية من إيمان أتمسك بها. وأتمسك بها وأقر أنني لا أرى ضوءا من نهاية النفق، ولكنني كنت دائماً أؤمن أن هناك ضوء.

كنت أظن إن الجيل الجديد معظمه من المصريين الجدد، الذين أخرجهم نظام التعليم الشقي، ونظام الإعلام المصري الذي لم أجد له وصفا لائقاً، غير أنه إعلام مغيّب (بفتح الياء وكسرها). وكنت مخطئا في ذلك. فهذا الشباب الذي خرج بمئات الآلاف في جميع أنحاء مصر، يطالب بما يريد، يصر على مطالبه. ويواجه قوات البطش والطغيان. أعزلا من كل سلاح إلا الإيمان والإرادة والعزم. هذا جيل يستحق أن ننحني أمامه، وأن نقر له بالفضل.

بدأ الأمر بمظاهرة ضخمة في الميادين الرئيسية في مصر، في القاهرة والإسكندرية والسويس والمنصورة ودمياط والمنوفية (بلد الرئيس السابق، والأسبق) وغيرها من أنحاء مصر. وهي المظاهرات التي أفقدت أجهزة الأمن اتزانها. إذا لم يكن الأمن يتوقع أن يكون الأمر على ماكان عليه. فقد تعود على مظاهرات تقليدية، يعرف منظميها ومطالبهم وحدود قدراتهم واستعداداتهم. ويعرف الإعلام كيف يشوه أفعالهم وينسب إليهم ما يشاء، ويجد دائماً من يصدقه. فإذا به يواجه أمراً جديداً لم يره من قبل. يواجه شعب مصر، رجالا ونساء، شباباً وكهولاً وشيوخاً، فقراء وأغنياء، متعلمون يحملون أعلى الشهادات، وبسطاء لا يكادون يعرفون القراءة والكتابة. مسلمين ومسيحيين وملاحدة، شيوخ دين وفنانين وأدباء وصعاليك. أفراد من جميع الأحزاب ومختلف التيارات الإسلامي واليساري والليبرالي والعلماني. كلهم على صعيد واحد، بطلب واحد. لا تقودهم جهة معروفة، وإنما يجمعهم مطلب واحد ورغبة واحدة في غد أفضل. واتفقوا جميعاً على أن بقاء النظام لا يسمح لهم بهذا الغد الأفضل.

وقد رأينا النظام الساقط ممثلا في الجهاز الأمني والإعلامي يمارس محاولات ساذجة، لقمع وتشويه هذه الحركة. فقد خرج علينا أساطين الإعلام من رؤساء تحرير الجرائد الحكومية يقولون كلاماً يضحك الثكالى. وكذلك بعض رجال مجلس الشعب المشهود لهم بالتزوير. ورأينا الأمن يطبق النظرية التي يؤمن بها، وقد سمعتها من بعض رجال الشرطة. إن المظاهرات في مصر مهما كان حجمها تتفرق فوراً مع إطلاق أي رصاص. يكفي أن نطلق بضع رصاصات لتفرق آلاف المتظاهرين. ولكنهم هذه المرة لم يتفرقوا، ولم يهربوا كما ظن رجال أمن النظام. فثبت أن النظام الأمني خارج الزمن، غائب عن الوعي.

ووضح أن الأمر أكبر مما ظن هؤلاء، وأكبر مما ظننت أنا نفسي. وأعترف أنني ظللت بين الشك واليقين، وبين الرجاء واليأس، حتى كانت جمعة الغضب المباركة. وحاولت أجهزة الداخلية استخدام وسائلها المعتادة، من تفريق المتظاهرين وتكسير عظامهم وقتل البعض وإطلاق الرصاص الحي، ولم تفلح هذه المحاولات أمام إصرار شباب قرر أن يخرج ولا يعود إلا منتصراً. أو حسب القول الروماني (أن يعود بالدرع أو محمولا عليه). يوم الجمعة أيقنت أن الأمر قد حسم، ولم يبق إلا قليل، وتشرق الشمس من جديد.

فلجأ النظام إلى الخطة البديلة، سحب رجال الشرطة بالكامل. فرأينا اختفاء رجال الشرطة بالكامل، وإطلاق المساجين جميعاً، وهذا الإجراء يهدف إلى خدمة أمرين، الأول أن يخاف المتظاهرون على بيوتهم ونسائهم وأموالهم، فيعود كل منهم ليحمي بيته، مما يعطي النظام الفرصة للتعامل مع الموقف، ثم إذا عاد النظام قال للناس ألم أحفظ لكم أمنكم ثلاثين عاماً. انظروا نتيجة المغامرات غير المحسوبة، والأعمال الطائشة، وانظروا إلى إجرام المتاجرين بكم وهم يسعون إلى تخريب البلاد. ثم يركز الإعلام في الثلاثين عاماً القادمة على أن مبارك هو الأمن والأمان والأمل والرجاء والماضي والمستقبل. وأن الذي خرجوا عليه هم ثلة من المجرمين، كما قال سابقه من قبل عن انتفاضة الحرامية.

كل هذه المظاهرات والرفض كنت أتوقعه يوماً ما. ولكن ما لم يخطر ببالي، ولم أتوقعه يوماً هو ماحدث بعد اختفاء الشرطة. فقد بادر الناس، الأهالي المشاركون في المظاهرات والمترقبون للأحداث والمنتظرون في بيوتهم، يتحركون فوراً، وهذه هي الروح التي لم أكن أعرفها، يقول من سبقني سناً أن هذه الروح تشبه ما كان في عام 1973، ولكني لم أدرك تلك الأيام.

فقد رأينا الناس تخرج لتنظم دوريات حراسة لأحيائها ومساكنها، ودروعاً بشرية لحماية منشآت عامة نملكها جميعاً مثل المتحف المصري. ورأيت هؤلاء الشباب الذي أسأنا فيهم الظن، يخرجون ليغطوا غياب الأجهزة الرسمية بالكامل. فيحفظون الأمن وينظمون المرور وينظفون الشوارع والطرقات. وقد تكلمت مع بعضهم، فرأيت روحا عالية، وإصراراً مذهلاً، على تحقيق الهدف.

كان مما أزعجني قبل أيام، هو ظهور حالة من العداء بين بعض المسيحيين وجيرانهم المسلمين في بعض أحياء القاهرة، فلما سألت عن ذلك يوم السبت. قيل لي، كأن الأمر لم يكن. فقد جاءنا جيراننا الذي تجهموا في وجهنا سابقاً ليسألونا إذا كنا نحتاج شيئاً ويرتبوا معنا إجراءات الحماية والسلامة. وفي بيت غاب عن الرجل، حرص أهل البناية على طمأنة النساء، أنهم لا يحتاجون إلى الخروج، ورجال البناية حاضرون لمعاونتهم في ما يحتاجون. وهذا أمر عرفته في أنحاء مختلفة من مصر.

ما شاهدته، وهو قليل بلا شك، يقول إنه بمجرد سقوط النظام، وسقوط النظام لا يعني خروج الرئيس، وإنما اختفاء مظاهر السلطة من الشارع، بمجرد سقوط النظام بادر الأهالي إلى وضع نظام بديل. سمح لهم أولا بالاطمئنان على أهلهم وذويهم. فإذا غاب بعضهم عن البيت فقد حضر آخرون يحرسونهم. وعرف الناس بيقين أنهم هم النظام وهم القانون وهم حماة الوطن على المستويات كافة.

والغريب أنه بغياب النظام وجد الناس فرصتهم التي ينتظرونها منذ عقود للمشاركة في فعل شيء للبلد، في تقديم خدماتهم للبلد. وإحساسهم أن ما يفعلونه يعود عليهم وليس على ثلة من المنتفعين. هذه المشاركة الواسعة، التي عجز النظام عن تحقيق شيء منها على مدى ثلاثين عاماً تكفي وحدها دليلاً على ضرورة إزالة بقايا هذا النظام.

أعرف أن الأمر لم يكن وردياً أبداً. وأنه قد سالت دماء زكية طاهرة، وأزهقت أرواح بريئة نقية، وسلبت أموال. وحدث فساد لا يرضاه أحد، ولا يقبله عاقل سوي. ولكن الشدائد تظهر معادن الناس. وقد ظهر معدن أهل مصر على خير وجه.

أظن أن الأمن قد جرب كل الحلول التقليدية التي رأيناها سابقاً، ولم يجد أي منها. ولم يبق أمامه إلا أن يرحل، أو يجرب ما جربه من قبل النميري ومن قبله الشاه، وكلاهما رحل. أن يأمر الجيش بإطلاق النار على المتظاهرين. ولا أظن الجيش المصري يطيع أمراً كهذا.

لذلك وصفته بالرئيس السابق، والنظام الساقط. فهي مسألة وقت قليل لا أكثر. وإنما النصر صبر ساعة.


Advertisements

أسعدنا بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: