مصر تدور في فلك وحدها


مصر تدور في فلك وحدها

 

قبل سنوات، كنت أقول لمن يسألني عن مصر، إن مصر تدور في فلك وحدها. فالأشياء تحدث في مصر بأسلوب مختلف عن أي بلد آخر. حتى الثورة كان لها شكل مختلف في مصر. فهي ثورة تابعها العالم كله مندهشاً، عاجزا عن فهم ما يحدث، وكيف يحدث. والحقيقة أنه من الصعب على أي متابع من الخارج أن يفهم ما يحدث في مصر، إلا إذا نسي كل ما تعلمه عن العالم. فمصر لا تدور مع الأرض في دورانها، بل تدور في فلك وحدها.

هذه الثورة العجيبة التي لا تشبه ثورة أخرى، ولا تشبهها ثورة أخرى. إلا في كونها ثورة أسقطت حاكماً ظالماً، فقد شعبيته وشرعيته مع مرور الزمن، وتراكم الظلم. أنا سوى ذلك، فقد كانت فريدة في نوعها وشكلها.

فهي بدأت دون تخطيط محكم، فقد بدأت بمظاهرات تطلب الإصلاح، فلما استنفذ النظام قوته دون أن يسكتها. ارتفع سقف المطالب إلى التغيير الكامل وهو ما عبر عنه الثوار بقولهم إسقاط النظام. وهي سارت ونمت وحددت مطالبها دون قيادة واضحة، ولا زعامة لأحد. ولم يقدها تيار سياسي أو فكري. بل كان معبرة عن الوعي العام المصري، والمزاج الخاص للمجتمع المصري كاملاً.

وهي الثورة الأولى التي يدعى الناس إليها قبل شهر من موعدها، وكأنها حفل مثلاً، وليست ثورة لتغيير نظام البلد.

تكاد تكون هذه الثورة هي أول ثورة يتابعها الناس مباشرة لحظة بلحظة.

هذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها الثوار بتنظيف مكان اعتصامهم بعد نجاح الثورة، بل وأثناء الاعتصام.

وهي أول ثورة تكون فيها البلاد أكثر أمناً في غياب الشرطة. وأن تكون الشوارع أنظف في غياب عمال النظافة.

هذه هي الثورة الوحيدة التي خلت من العدوانية تقريباً. فكان الناس قبل الثورة أكثر عدوانية وأشد شراسة منهم أثناء الثورة. والثورة عادة ماتكون تعبيرا عن غضب طويل، ينفجر في أعمال عنف أو في شراسة عدوانية، ولذلك سميت ثورة. أما يتحول الناس إلى السماحة والوداعة أثناء الثورة. فهذا أمر جديد.

هذه هي الثورة الوحيدة فيما أعلم التي استخدم فيها الثوار سلاح الكلمة كسلاح أساسي في هجومهم على النظام، ولم يستخدموا العنف إلا دفاعاً. وكان سلاح الكلمة فعالاً دائماً، وجارحاً أحياناً.

عرفنا في الثورات كلها، فيلسوف الثورة، وشاعر الثورة، وأديب الثورة، وخطيب الثورة، وطبعاً شهداء الثورة. ولكن في الثورة المصرية وحدها رأينا حلاق الثورة. الذي جاء متطوعاً ليحلق للثوار شعرهم مجاناً. ورأينا عريس الثورة، الذي احتفل بزفافه في ميدان التحرير وسط الثوار. وكانت هذه بعض السبل التي أبدى بها الثوار عزمهم على تحقيق هتافهم الشهير، (مش حانمشي، هو يمشي).

كذلك كانت هذه أول مرة فيما أعلم، يقوم فيها النظام بإرسال مجرمين محترفين لمهاجمة جموع الشعب. وهي سنة بدأت بعض الأنظمة تمارسها. ويتحمل وزرها من بدأ بها أول مرة.

قيل قديماً، إن العرب تبع لمصر، برهم تبع لبرها، وفاجرهم تبع لفاجرها، وعالمهم تبع لعالمها وجاهلهم تبع لجاهلها. وكذلك العابد والعاقل والفاجر والسفيه. ومن عجب أن نرى الثورات في العالم العربي يحاول تقليد الثورة المصرية، وتحاول الأنظمة السير على طريق النظام المصري. صحيح أنه من الصعب على شعب آخر أن يقوم بما قام به شعب مصر، بذات الأسلوب، ولكن تقليد النجاح أمر عادي. ولكن العجيب أن تسير الأنظمة على نفس طريق النظام المصري السابق، فتقليد الخاسر أمر غير شائع.

كانت بعض ملاحظاتي على هذه الثورة الفريدة.

أن الناس بمجرد أن شعروا أن ضغط النظام الحاكم قد ارتفع عنهم، بغياب جهاز الأمن الحكومي، تبدلت أحوالهم وتغيرت طباعهم. وكأن الناس قد شعروا في لحظة أنها بلدهم هم. وليست بلد أولئك القاطنين في السحاب. فرأينا كل منهم يحرص على الدفاع عنها، فقام كل منهم على ثغر من الثغور، فمن حراسة المتحف المصري، إلى حماية الأحياء السكنية، إلى المحافظة على تنظيم المرور، إلى تنظيف الشوارع.

كانت الجرائم تقع في مصر، كما في أي بلد آخر. ولكن المرعب كان أن تقع الجرائم في الطريق العام وفي شارع مزدحم وفي رابعة النهار. فلا يفكر أحد في نجدة الضحية أو إغاثتها أو منع وقوع الجريمة، سواء كانت سرقة بالإكراه أو تحرش أو غير ذلك. فلما قامت الثورة، واختفى رجال الشرطة. أصبح الناس يحرس كل منهم الآخر، ويعمل على حمايته. فأصبح الشارع أكثر أمناً.

لاحظت، كما لاحظ الكثيرين، اختفاء النكتة أو ندرة النكات المضحكة في مصر في السنوات الأخيرة. وكانت الملاحظة التي أبداها الكثيرون، أن المصري يسير متجهماً عابساً على غير ما اشتهرت به مصر طوال تاريخها. فلما قامت الثورة، إذا بمخزون النكات ينفجر مرة أخرى، وأصبحنا نسمع في كل يوم عشرات النكات حول كل ما يقوم به النظام من محاولات عابثة للتمسك بالسلطة.

فكانت الهتافات الساخرة، واللافتات المضحكة تملأ ميدان التحرير، وتنتشر منها إلى أقطار الأرض. فكانت هذه الثورة هي الوحيدة في التاريخ المعروف التي يقيم فيها الثوار زاراً لطرد الرئيس.

من الأمور التي أثرت في نفسي، أنني أرسلت رسالة تهنئة لأهلي وأصدقائي في مصر. فجاءني اتصال من رجل لا أعرفه، من رقم مسجل عندي باسم أحد الأصدقاء. وبدأت المكالمة بالتهنئة، قبل أن أنتبه إلى اختلاف الصوت. فلما أدركت الخطأ اعتذرت للرجل عن الإزعاج. فما كان منه إلا أن قال لي: “بل أنا سعيد بسماع صوتك، وأنك تهنئني”، وأوصاني بأن أحافظ على البلد، وأن علينا أن نعمل معاً دائماً من أجل بلادنا، لكي لا يعود عهد الظلم والفساد مرة أخرى. هذه الروح الودودة التي كنت قد افتقدها في مصر منذ زمن.

هذه مجرد مشاهدات عن بعد عن الثورة المصرية الفريدة من نوعها. اقترحت بعض وسائل الإعلام تسميتها بالثورة الضاحكة، ولكني لا أجد لها اسما أنسب من الثورة المصرية.

فهي ثورة مصرية صميمة، لا تشبهها ثورة أخرى، ولا يمكن قياسها على تاريخ الثورات، ومن الصعب أن يقاس عليها ثورة أخرى. إلا في بد مثل مصر، ولا يوجد بلد مثل مصر، فهي تدور في فلك وحدها.

Advertisements

رد واحد

  1. كلام مزبوط ودقيق 100%
    واحب اضيف … مرفوض كل الرفظ تقليد هذة الثورة العظيمة والمجيدة اذ هي اسطورة لن تتكرر في حد ذاتها … فتصدير الثورة لم يكن في اجندة الثورة والثوار من الاساس … كل دولة ولها معطياتها وتفاصيلها وتصميمها الداخلي والخارجي ناهيك عن الاجندات والهدف الحقيقي التي تقوم عليها اي ثورة بمعني اخر هل هي من اشعب وللشعب ؟؟ فأجمل و أنبل واطهر ما في الثورة المصرية انها من الشعب وللشعب.

أسعدنا بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: