شروط الرئيس


شروط الرئيس


في التعديلات الدستورية الأخيرة، أضافت لجنة تعديل الدستور شروطاً للرئيس المصري، منها ما أثار اعتراض الكثيرين. وفي تصوري الشخصي، أنها شروط معتدلة ومقبولة، ولها ما يبررها. بعيدا عن سوء الظن الذي يفضله البعض.

الأصل في الحاكم أن يطاع، فإذا لم يطع لم يعد حاكماً. ولكي يطاع أمر الحاكم في نطاق حكمه، ليس هناك إلا سبيل من اثنين. إما القوة والإجبار، أو الاقتناع والثقة. والحقيقة أنه لا بد من السبيلين معاً، فليس هناك من يرضى عنه الجميع أو يثق به الجميع. فلابد من وجود قوة لدى الحاكم من أجل فرض القانون. وفي حالة انفراد الحاكم بالقوة، وعدم وجود قوى مقابلة تحد من سلطته، فإننا نقع في الاستبداد الذي هو أصل كل فساد. وفي حالة فقدان الحاكم للقوة، تسير الأمور نحو الفوضى التي لا ضابط لها. ولذلك اخترع الناس الحكومة، وخضعوا لها.

في المجتمعات القوية، ذات المناعة الذاتية، يعتمد الحاكم على ثقة شعبه بصفة أساسية في الحصول على الطاعة. لذلك ينبغي أن يعمل المشرع على وضع شروط تحقق أكبر قدر من الثقة في الحاكم. كما تضع التشريعات حدودا وقواعد لضمان الثقة في القاضي، أو في أي منصب حساس في الدولة، قد يمس أمن الدولة بأي صورة من الصور. وهنا لا بد أن نميز بين مفهوم الدولة ومفهوم الحكومة. وهذه الشروط تحقق أكبر قدر ممكن من الحماية لمصالح الدولة، ومنها الثقة في المناصب.

في القضاء مثلا، هناك شروط دقيقة، لا بد أن يتحلى بها القاضي، لكي يثق الناس في عدالة القضاء وحياده. وهذه الثقة لازمة لاستقرار أي مجتمع أو أي دولة. وبدونها تنهار أسس الدولة كاملة. لذلك يمتنع على القاضي أن يحكم في قضية يكون أحد أقربائه طرفاً فيها، وليس في ذلك انتقاص من نزاهته أو تشكيك في حياده، وإنما حفظا له من الحرج، ومنعا لسوء ظن المتقاضين بحكمه.

نعود إلى الحديث عن رئيس البلاد بما له من صلاحيات، ينبغي تخفيضها والحد منها، ولكن تظل له صلاحياته، ويظل يمثل البلاد أمام العالم. فلابد أن يكون متمتعاً بالثقة التي لا يتسرب إليها شك في انتمائه للبلد. ولا بد من دفع أي سوء ظن بمن يشغل هذا المنصب، أو في دوافع قراراته ومواقفه.

فالحديث عن ازدواج الجنسية ومنع أصحاب الجنسيات الأخرى من الترشح لهذا المنصب، لا يعني الانتقاص من وطنية الذي اضطروا أو رغبوا في الحصول على جنسية أخرى نتيجة الظروف التي كانت تمر بها مصر في العقود الأخيرة. ولكنه دفع لسوء الظن. فلو أن رئيساً يحمل جنسية إيطالية مثلاً، ووقع اتفاقية في أي مجال مع إيطاليا. فهل نعدم من يثير مسألة ازدواج الانتماء – أو تعارض المصالح – إذا رأى شرطاً لا يعجبه في الاتفاقية؟ ألن يقال إنه يعمل على ترسيخ النفوذ الإيطالي في مصر لأنه يحمل جنسية إيطالية؟ سيقال بالتأكيد. سواء من منافس سياسي أو من مخلص سيء الظن. والناس مجبولون على سوء الظن بالحكام.

وكذلك الأمر بالنسبة لجنسية الزوجة، فلو كان الرئيس متزوجاً من تركية مثلا، وجاء اتفاق مثل الذي نشر مؤخراً عن إلغاء تأشيرة الدخول بين تركيا ومصر. فهل نعدم من يقول إن الرئيس يحابي أصهاره، ويعمل على استفادتهم من نفوذ الرئيس المصري في مصر؟ ألن نجد من يقول إن الرئيس قد عمل على ذلك حتى يتمكن أبناؤه من زيارة أخوالهم بسهولة؟ سيقال ذلك وأكثر منه بالتأكيد.

هذا مع افتراضنا براءة الرئيس من التأثر بأصهاره، وتداخل مصالحه مع مصالحهم. ونفينا لاحتمال تأثر تفكيره وقراراته بهذا الزواج. وبلاد الدنيا تشترط على الدبلوماسيين والعسكريين عدم الزواج بأجنبية إلا بإذن خاص. (خوفاً من هذا التأثر). فكيف بالقائد الأعلى والممثل الدبلوماسي الأول في البلاد؟ ألا يجب أن ينطبق عليه ذات الشرط؟

إن هذه الشروط، لم توضع في ظني تفصيلا لمنع أحد، أو حصر المشرحين في أسماء بعينها في هذه المرحلة. وإنما وضعت من أجل حماية المنصب من سوء الظن وسوء القالة. ورفعاً للحرج عن الرئيس الذي يفترض فيه أن يمثل البلد أمام العالم، ويقوم بقيادة البلاد اعتمادا على الثقة وليس على القوة العسكرية أو مباحث أمن الدولة وجهاز المخابرات.

كذلك كنت أتمنى أن يضاف شرط الإسلام لهذه الشروط، مراعاة للوضع المصري. حيث دين الدولة الإسلام، وغالبية الشعب مسلمين. وهناك مؤسسة كنسية تقوم بما يتعلق بالشأن الديني للمسيحيين، تكاد لا تخضع للدولة، بخلاف شأن الأزهر الشريف. وكون الرئيس مسلماً أمر مهم يحقق مصلحة للمسلمين والمسيحيين على السواء. إذ لو كان الرئيس الذي سلم السيدة وفاء قسطنطين وأخواتها مسيحياً لقامت في مصر حرب أهلية. ولو كان الرئيس الذي باع الغاز للكيان الإسرائيلي مسيحياً لحسب ذلك على المسيحيين كافة. ولو كان الذي حدث للإسلاميين في العهد الساقط قد حدث في عهد رئيس أو وزير غير مسلم، لكانت البلاد مهددة بحرب أهلية، ولأخذ كل المسيحيين في البلاد بذنبه. ولو كان الرئيس مسيحياً واتخذ قراراً رآه المسلمين محاباة لكنسية لقامت الدنيا ولم تقعد. وفي هذا حرج على أي رئيس غير مسلم أي حرج.

أما الحديث عن المواطنة، وتساوي المواطنين في فرصة الترشح للرئاسة، فهو كلام في غير محله. فشرط السن مثلاً لا ينتقص من وطنية من هو دون الأربعين، ولا يمنعه من خدمة وطنه. كذلك فليس منصب الرئاسة هو المنصب الوحيد الذي يمكن لصاحبه أن يخدم وطنه وأن ينفع بلاده. فالدكتور مجدي يعقوب قد أسدى لمصر خدمات جليلة بالمركز الطبي الذي أقامه في أسوان. ولم يكن رئيساً، ولم يرشحه أحد للرئاسة. وغيره كثير من المسلمين والمسيحيين الذي خدموا بلادهم، وقدموا لها الكثير، ونفع الله بهم البلاد والعباد بغير منصب الرئاسة. وربما لو تولى أحدهم الرئاسة لما انتفعنا به مثلما انتفعنا ببعده عنها.

والله أعلم.

Advertisements

أسعدنا بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: