السيناريو المرعب


السيناريو المرعب


بعد نجاح الثورة المصرية في إسقاط النظام المصري، الذي كان يعد أحد أكثر الأنظمة قوة ورسوخاً في المنطقة، وأكثرها استبداداً وقمعاً وتخريباً في بلادها. شعر الشعب بالنشوة لهذا النجاح، وشعر بأنه أخيرا قد استعاد سيادته على أرضه، وقدرته على تحديد مصيره ورسم مستقبله. وانطلق يعبر عن إرادته وحريته بكل الطرق.

ومع تصاعد المد الثوري الذي يفرغ احتقان السنوات الطويلة الماضية، والكبت الذي عانى منه الشعب على مدى عقود. تزايدت المظاهرات اليومية التي تطالب كل يوم بجديد. هذه المظاهرات التي تطالب أحيانا بما هو مشروع ومنطقي وضروري، وبعضها بما هو منطقي وغير ضروري. وبعضها بما هو محل خلاف شديد. وكل مظاهرة تعلن أنه لا مساومة ولا تنازل عن مطالبها، وهم مستعدون للموت من أجل تحقيق مطالبهم.

بعد انقضاء المطالب الأساسية للثورة، وتحقيق مطالبها، كثرت المظاهرات المعبرة عن مطالب هي محل خلاف في الرأي. فخرجت مظاهرات تنادي بإلغاء الاستفتاء باعتباره التفافا على الثورة، وخرجت مظاهرات مقابلة تنادي بضرورة الاستفتاء باعتباره ضرورة للتعبير عن الثورة. وخرجت مظاهرات تنادي بانتخاب مجلس رئاسي يعبر عن مطالب الثورة، وخرجت مظاهرات أخرى تطالب بإبقاء حكم الجيش باعتباره حارس الثورة، ومظاهرات ثالثة تنادي بضرورة انسحاب الجيش باعتباره من ذيول النظام السابق، ومعاد للثورة.

كذلك خرج البعض في مظاهرات تنادي بالحفاظ على المادة الثانية من الدستور، وطالب البعض بمظاهرات مليونية لإلغاء المادة الثانية من الدستور. ومظاهرات من أجل إلغاء الدستور، ومظاهرات من أجل إعادة تفعيل الدستور. وهكذا توقفت كثير من مظاهر الحياة في مختف القطاعات، وتعطلت كثير من المصالح الحيوية للناس.

ومع توقف عجلة الإنتاج والكسب، بدأ العمال يخرجون في مظاهرات حاشدة تطالب بعودة الاستقرار والنظام إلى البلاد، بل وخرج البعض ينادي بعودة الرئيس المخلوع، الذي كان يوفر لهم الاستقرار وفرصة أكل العيش. في حين رفض آخرون فكرة عودة الرئيس السابق، وطالبوا بانتخاب رئيس جديد يتولى إعادة الاستقرار، ويشرف على إعادة الحياة الديموقراطية. كما أن كثير من العمال الذين فقدوا مصادر رزقهم اضطروا إلى التوجه إلى أعمال غير قانونية، مثل الجريمة أو التهريب أو احتراف المظاهرات والهتاف، أو البلطجة، بحثاً عن مصدر أي مصدر للرزق.

مازالت المظاهرات تتعدد وتتنوع، وكل مظاهرة تعتبر نفسها هي المعبرة عن حقيقة الثورة وجوهرها، وتطالب الجيش بالنزول على مطالبها، وإلا كان خائنا لمطالب الثورة، ومضيعاً لمكتسباتها، ويسعى للالتفاف عليها. وكل قائد مظاهرة يعلن أنه كان هو المحرك الرئيسي للثورة، أو أحد قادتها ورجالاتها. وأن كل مخالفيه من أذناب النظام السابق، أو عملاء الخارج، أو من القلة المندسة. وكان بعض هذه المظاهرات سلمي فعلا، ولكن كان البعض الآخر عنيفاً بدرجات مختلفة، وبعضها بدأ سليماً ثم تعرض إلى مناوشات أو استفزاز جعله يتجه إلى العنف.

يعلن الجيش أنه سيطرح جدول زمني قصير لتسليم السلطة للمدنيين في استفتاء عام. فنسمع بعض الأصوات التي تنادي بإلغاء الاستفتاء وتأجيل تسليم السلطة، لأن الشعب المصري لم يتعود على الديموقراطية، وغير مستعد لها، ويحتاج إلى وقت للتخلص من بقايا النظام السابق وإنشاء أحزاب جديدة تعبر عن المرحلة الجديدة. بعد ستة أشهر أخرى، يعلن الجيش عن رغبته في تسليم السلطة، فتعلن الأحزاب الناشئة أنها غير مستعدة بعد، وأنها لم تحصل على فرصة كافية للانتشار في القرى والأقاليم. وأن الظروف السياسية والاقتصادية غير ملائمة لإجراء الانتخابات، وأن الشعب المصري الذي لم يمارس الديموقراطية خلال الستين سنة الماضية ليس مستعدا بعد. وتخرج المظاهرات المطالبة بإلغاء الاستفتاء.

يقرر الجيش مد الفترة الانتقالية لخمس سنوات، من أجل تحقيق الاستقرار، وإنقاذ كيان الدولة المصرية، وإعادة الحياة إلى القطاعات الاقتصادية من إنتاج وزراعة وصناعة وسياحة، مع إعلان الأحكام العرفية، ومنع التظاهر والتجمع.

تبدأ عجلة الاقتصاد في الدوران، ويشعر الناس بالراحة والاستقرار أخيرا، خاصة وأن المجلس العسكري حريص على تجنب الأخطاء القاتلة التي وقع فيها النظام السابق. وتبدأ محاكمات جنائية وسياسية لرموز العهد البائد، يستم بعضها بالعدالة والحياد، وبعضها دون ذلك. ويرحب الناس بهذه المحاكمات ترحيبا شديداً. بعد فترة زمنية قصيرة، بدأ جهاز الأمن الوطني في الظهور تدريجيا، وأشاد به البعض عندما نجح في الكشف عن شبكة جاسوسية تعمل لحساب إسرائيل، ثم شبكة أخرى من شبكات الثورة المضادة، ثم يحبط محاولة إرهابية لمصلحة الثورة المضادة، وتتوالى عمليات الكشف عن شبكات الثورة المضادة، وفلول الحزب الوطني، وأذناب النظام السابق، وكشف مخططات لإثارة الفتنة الطائفية، والالتفاف على الثورة، والعمالة لجهات خارجية.

 

بعد ستين عاماً يقول الشاب لجده: هناك دعوة على مواقع اجتماعية على شبكة الانترنت تطالب بالثورة على نظام الحزب الحاكم، واستعادة روح الميدان. فيقول له: كان غيرك أشطر.

 

هذا السيناريو الأكثر إظلاماً والأشد تشاؤماً في تطورات الأحداث الجارية في مصر. وأتمنى أن لا نرى هذا السيناريو مرة أخرى، فقد رأيناه سابقاً ولم نسعد به، ودفعنا ثمناً باهظاً للتخلص منه.


Advertisements

5 تعليقات

  1. مدونة تثير العديد من الأفكار يا حسن باشا
    أتمنى من كل قلبى ألأ تصدق هواجسك…
    وفعلا..الحل اننا نخلص من الحكم العسكرى فى أسرع وقت ممكن حتى لو أكلنا الديموقراطية قبل أن ينتهى نضجها تماما ونحقق الباقى والحكم فى ايدين المدنيين لأنه أكيد بعد الثورة هاييجى كده كده بدل ما تضيع الفرصة التاريخية ونلاقى نفسنا طلعنا بخازوق كبير ونقول يا ريت اللى جرى ما كان

  2. صورة غامقة جدا اتمنى ألا نصل اليها ونصل بمصر إلى بر الىمان إن شاء الله

أسعدنا بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: