تشويه التاريخ1


تشويه التاريخ

فيلم الناصر صلاح الدين مثالا

لا يخفى على أحد أهمية التاريخ في بناء ثقافة الفرد ووعيه. وفي بناء منظومة القيم للفرد والمجتمع. فالتاريخ بلا مراء يدخل في تشكيل شخصية الفرد والمجتمع. ونظرة المرء إلى تاريخ أمته، تحكم نظرته إلى كثير من الأمور. وفهمه لسوابق الأحداث مفض إلى فهمه للواحقها.

ولذلك حرصت الأمم على حفظ تاريخها، وسرده وعرضه للأبناء والأحفاد، وتوارث هذا التاريخ عبر الأجيال المتعاقبة. ويبدأ هلاك الأمم بفقد تاريخها، فتصبح منقطعة عن ماضيها، تائهة في حاضرها، لا مستقبل لها إلا أن تبدأ من جديد، أو أن تلتحق بأمة أخرى ذات تاريخ.

وفهم التاريخ ينبني على أمرين، الأول معرفة الأحداث الرئيسية من الحروب والمعارك، وتعاقب الحكام وصراعاتهم، والثورات والدعوات المختلفة. وهذا ما يسجله المؤرخون، ويلقنه المعلمون لطلابهم.

والآخر هو تصوّر الماضي، وهو الأمر الأصعب. تصور كيف كان يتكلم الناس في زمن مضى، وكيف كانوا يفكرون. تصور أحلامهم ومخاوفهم. وهو ما تسجله لنا آدابهم وفنونهم، شعرا ونثرا، كتبا وخطابة وتواقيع. ويحتاج دارسه إلى الكثير الكثير من الدراسة والقراءة؛ ليعيش في زمنهم بأخلاقه وآدابه، وقيمه وقوانينه. وهذا التصوّر ضروري لفهم خبايا التاريخ. وتفسير بعض غوامض الأحداث. وضروري كذلك لتحقيق الأخبار، والتأكد منها. فأنت حين تعرف شخصا، تستطيع في كثير من الحالات أن تكذب رواية عنه لا تستقيم مع ما تعرفه عنه.

وكلا الأمرين (معرفة الحوادث وفهم الطبائع) ضروري ولازم لتواصل الأجيال، وتوارث القيم. وكلا الأمرين يتعرض للتشويه المستمر والمتعمد، لخدمة أغراض لا تخفى على من يحسن النظر في عواقب الأمور. وهذا التشويه يتخذ أشكالا وصورا عديدة. من كتب ودراسات، وأبحاث ومقالات، وأفلام ومسلسلات. وهذه الأخيرة عظيمة الأثر، في أمة لم تعد تقرأ. فكثير من معارف الشباب عن التاريخ مستقاة من أفلام ومسلسلات، وقليل منها الجيد الصادق. وكثير منها الغث المفسد. وسأعرض هنا لنموذج من الأشهر، إن لم يكن الأشهر على الإطلاق، ولسبب ما يعتبره الكثيرون أحد أعظم الأعمال الفنية التاريخية.

وهو فيلم الناصر صلاح الدين.

وهذا الفيلم نموذج ممتاز لحجم تأثيره، فمعظم الشباب الذي سألتهم عن صلاح الدين الأيوبي، لم يكن يعرف عنه إلا ما جاء في هذا الفيلم. وهو في معظمه مكذوب مشوّه.

كما أن هذا الفيلم يمتاز بجمعه لكل أشكال التشويه والخطأ والعبث في التاريخ، أحداثا وصورا وشخصيات.

ففيه من الأخطاء في التاريخ الكثير، ومن تشويه الصورة الكثير، ومن اختلاق شخصيات والعبث في تاريخ شخصيات أيضا الكثير.

ومن أخطاء التاريخ الواضحة في هذا الفيلم:

سقوط عكا…

 

التي أظهر الفيلم سقوطها على غفلة بسبب خيانة.. ولم يكن الأمر كذلك قط..

بل كان سقوط عكا على إثر حصار طويل استمر ما يزيد على عشرين شهرا، دارت فيها رحى المعارك على الطرفين؛ حيث كان الفرنجة يحاصرون عكا، وصلاح الدين يحاصر الفرنجة. واستمر تدفق إمدادات الفرنجة من البحر يتوالى.. وعجز صلاح الدين عن كسر الحصار على عكا.. وعجز المحاصَرون داخل المدينة عن مواصلة المقاومة، فسُلمت المدينة على أمان لأهلها، أن لا يقتل منهم أحد..

فهم لم ينزلوا على حكم آسرهم، وإنما نزلوا على عهد وأمان من خائن (ريتشارد قلب الأسد) قتلهم وألقى جثثهم من فوق سور المدينة، استشفاء لضغائنه وحقده على الإسلام والمسلمين.

ولسبب ما حرص الفيلم على إظهار أسف ريتشارد لمثل هذا العمل، مع أنه هو من أمر به، وحرص كذلك على إخفاء حقيقة أن الأسرى الذين غدر بهم، كانوا قد نزلوا على أمان وعهد.

والمدينة التي سقطت بخيانة هي مدينة أنطاكية، سقطت بخيانة بعد حصار طويل أيضا، وكادت المجاعة أن تهلك الفرنجة المهاجمين، ولم تكن إنطاكية لتسقط لولا تلك الخيانة. ولكن قدّر الله وماشاء فعل. وكان ذلك في بداية الحروب الصليبية في عام 1099.

 

عيسى العوام…

 

جعله الفيلم قائدا من كبار قادة صلاح الدين، وساعده الأيمن، وأكد على كونه مسيحيا (وهو رجل مسلم) .

ولكن الطريف أن عيسى العوّام، (والعوّام مهنته) قد كان سباحا.. كان قد غرق أثناء حصار عكا.. حين كان سابحا إلى عكا محملا برسائل وأكياس من ذهب في ليلة عاصفة، وبعد غرقه عثر القوم على جثته على شواطئ عكا بعد أيام، ومازالت الرسائل والأكياس معلقة في حزامه. ولذلك قالوا :”لم نر رجلا أدى الأمانة حيا وميتا كعيسى العوام”. وهذا سبب شهرة الرجل.

علاقة صلاح الدين وريتشارد

 

أظهر الفيلم عواطف نبيلة متبادلة بين ريشارد وصلاح الدين، ولقاءات، وسهر صلاح الدين بجوار ريتشارد حتى يتعافى من سهم أصابه، إلى آخر هذه الخزعبلات.

مع أن التاريخ يقول إن ريشارد لم يلتق بصلاح الدين يوما. صحيح أنه طلب لقاءه، وألح في الطلب.. إلا أن صلاح الدين رفض لقاءه في كل مرة، إلا بعد إتمام الصلح.. قائلا :”قبيح بالملوك أن يأكلوا ويشربوا معا، ثم يقاتل بعضهم بعضا، فإذا كان الصلح التقينا وأكلنا معا”.

وهذا من فن التفاوض عند صلاح الدين، وهو ما يستحق إفراد مقال مستقل له.

وبعد الصلح، سمح صلاح الدين للفرنجة بزيارة بيت المقدس في مجموعات صغيرة، ورفض ريتشارد أن يدخل المدينة زائرا بعد أن كان يمنّي نفسه بدخولها فاتحا مظفرا. وبذلك أضاع على نفسه فرصة الحج، وزيارة بيت المقدس، وفرصة لقاء صلاح الدين. فلم يحقق من حملته أيا من أهدافه التي خرج لها.

أما عن تصوير هذا العصر، فقد أساء الفيلم أشد الإساءة إلى صلاح الدين، وإلى جيشه ورجاله، وإلى حضارة المسلمين حينها أشد إساءة. وتكاد هذه الإساءة تتكرر في كل مشهد من مشاهد الفيلم. فصوّر الخير شرا والشر خيرا، وقلب الحقائق واختلق ما شاء له خياله المريض، وفهمه السقيم.

وسأتناول بعض ذلك في الإدراج التالي بإذن الله.

 

 

Advertisements

أسعدنا بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: