بين مصر وإيران


بين مصر وإيران

 

تقوم العلاقات الدولية بين الدول على أساس مصالح كل دولة. مهما تباينت عقائد هذه الدول. ولكل دولة مجموعة مصالح تحرص على تحقيقها والمحافظة عليها، ومجموعة من المخاطر التي تراقبها وتعمل على تجنبها. في ظل هذا التدافع بين مصالح الدول، تنشأ تعاملات وتحالفات مؤقتة، وتنشأ في الوقت ذاته خلافات. وعلى الدول العاقلة أن تحكم تحالفاتها وخلافاتها المؤقتة (التكتيكية)، بالنظرة الاستراتيجية للمصالح والمخاطر. هذه النظرة الاستراتيجية التي يسميها البعض “رؤية المستقبل” والبعض يسميها “المشروع الوطني” أو “المشروع القومي”. كما أن علاقات الدول يؤثر فيها عنصر الجغرافيا السياسية أكثر من أي عنصر آخر. فمصالح الدول الجغرافية لا تكاد تتغير كثيرا.

بالنسبة لمنطقتنا، هناك ثلاث دول كبيرة محورية في المنطقة، مصر وتركيا وإيران. هذه هي الدول الثلاث المحورية في المنطقة. وبينها مجموعة مصالح وبينها تنافس طبيعي على الصدارة عبر التاريخ.

فن السياسة الخارجية، يقتضي توظيف خلافات الدول المختلفة لصالحي. بدلا من السماح لهم بتوظيف خلافاتي مع الآخرين لصالحهم. أمريكا تستفيد كثيراً من الخلافات الإيرانية العربية، والعربية العربية، وبقاء الكيان الإسرائيلي مرهون باستمرار الخلافات العربية العربية. والإسلامية الإسلامية. وليس من العقل أن أحشد كل من يخالفني في جبهة واحدة، بل إن العقل يقتضي أن أفرق كلمتهم، وأن أحقق باختلافهم مصالحي بأقل تكلفة ممكنة.

كان هناك ثلاث دول في العالم ليس لها علاقات سياسية مباشرة مع إيران، الولايات المتحدة الأمريكية، والكيان الإسرائيلي، وجمهورية مصر العربية.  وهذا وحده لا يليق بمصر.

إقامة علاقات سياسية أو اقتصادية بين أي دولتين في العالم لا يعني بالضرورة تبعية أي منهم للأخرى.

هذه معطيات أساسية للنظر في موضوع العلاقات المصرية الإيرانية.

أبرز الاعتراضات على إقامة علاقات مصرية مع إيران،

أ‌)       التدخل الإيراني في دول الخليج العربي.

ب‌)  نشاط إيران في نشر التشيع.

ت‌)  دعم إيران لنظام بشار الأسد.

ث‌)  اضطهاد السنة في إيران

القطيعة بين إيران ومصر استمرت أكثر من ثلاثين سنة، فهل تغير شيء من هذه الاعتراضات. هل ساهمت هذه القطيعة في دعم الأمن الخليجي؟ أو في استعادة أي من حقوق السنة في إيران؟ هل توقف نشر التشيع في أي مكان، وحتى في مصر نفسها؟

ماذا تملك مصر في ظل الأوضاع الراهنة من أرواق تضغط بها على إيران لتغيير سياساتها؟ أحسب أن وجود علاقات سياسية يمنح مصر ورقة إضافية في التفاوض مع إيران من أجل تحقيق ما تريده مصر، إذا كانت مصر تعرف ما تريد.

قبل أعوام، ذهب رجل فرد من مصر إلى إيران، رجل عالم فقيه يعرف كيف يتفاوض وكيف يحاور وكيف يعرض وجهة نظره. فحقق للسنة أضعاف ما حققته القطيعة المصرية الإيرانية. وأقنع النظام الإيراني بتغيير الدستور وإعطاء السنة المزيد من الحقوق. هذا هو الفارق الأساسي بين القطيعة العمياء، والعلاقات المبصرة.

من المفروغ منه، في ظني، أن علاقة مصر بإيران لا يمكن أن تكون على حساب أمن الخليج، لأن أمن الخليج يدخل في دائرة الأمن المصري بالضرورة. ودائرة الأمن المصري كانت قديماً تمتد من الشام إلى الحجاز إلى السودان إلى طرابلس (أو تونس). واليوم أصبحت الدائرة تشمل دول الخليج العربي وتمتد إلى جنوب السودان وتصل إلى تونس غرباً وتركيا شمالاً. هذه هي مصر المكان (حسب تعبير الأستاذ فهمي هويدي).

من وجهة نظر أخرى، هؤلاء المتعرضين على العلاقات المصرية مع إيران، لم نسمع لهم قولاً في العلاقات مع الصين أو روسيا أو اليابان أو قبرص.

يمكننا القول بأن علاقة مصر بإيران يجب أن تكون محكومة بمجموعة عناصر، منها:

  • الحرص على الأمن القومي المصري الممتد في الحدود السابق ذكرها على الأقل.
  • الحرص على عدم السماح بالتدخل في الشؤون الداخلية لمصر.
  • عدم السماح بنشر التشيع في مصر.

علينا أن نقيم علاقات قوية مع إيران، ولكن بصيغة تحقق لنا مصالحنا وتجنبنا المخاطر التي نخشاها، وكذلك الأمر مع دول العالم كافة.

أما مسألة نشر التشيع، فهذه في تقديري مسألة مختلفة عن العلاقات السياسية. وهذه علاجها لا يوم بالقطيعة السياسية، ولا بسب الشيعة ومذهبهم، ولا بنشر مبالغات وأكاذيب. وإنما بنشر صحيح العلم، بالاهتمام بتعليم اللغة العربية الصحيحة والفقه والشريعة والتاريخ. فهذه هذه الثغور الثقافية التي يتسلل منها كل من يحاربنا ثقافياً. وهذا ملف آخر يطول فيه الحديث.

Advertisements

6 تعليقات

  1. فن السياسة الخارجية، يقتضي توظيف خلافات الدول المختلفة لصالحي. بدلا من السماح لهم بتوظيف خلافاتي مع الآخرين لصالحهم. أمريكا تستفيد كثيراً من الخلافات الإيرانية العربية، والعربية العربية، وبقاء الكيان الإسرائيلي مرهون باستمرار الخلافات العربية العربية. والإسلامية الإسلامية. وليس من العقل أن أحشد كل من يخالفني في جبهة واحدة، بل إن العقل يقتضي أن أفرق كلمتهم، وأن أحقق باختلافهم مصالحي بأقل تكلفة ممكنة.

    المقال ممتاااااااااز

    وفى مسألة نشر التشيع او عدم التبعيه ونقط تانيه كتير متفق عليها 100%
    ولى تعليق أو تساؤل بسيط……ان كان فعلا امن الخليج من امن مصر…وان علاقات مصر وايران لن يكون على حساب امن الخليج…دى نقطه متفقين عليها
    لكن ما أراه على ارض الواقع ان الصراع يقترب الى الحافه بين الخليج وايران وكل منهم بنفذ اجنتده الخاصه من وجهة نظره.ولايخفى على أحد أن السعوديه تنفذ أجندة المصالح الامريكيه حرفيا…فأين يمكن أن تقف مصر بينهما؟؟؟؟….وكيف يمكن تحقيق مصلحة مصر فى ظل استمرار الصراع وتضمن فى ذات الوقت استقلاليتها وحمايتها من اى تهديد أيا كان مصدره
    وكيف يمكن التعامل لو نشبت حرب بالوكاله بين المملكه وايران….هل تقف مصر فى الجانب الخليجى الامريكى ضد ايران…أم ان هناك خيارات آخرى

    أرى ان الامر يحتاج لمنتهى الذكاء والحكمه والموازنه الدقيقه لكل خطوه تجاه هذا الملف ولكنى لا ارى حلا واضحا..خاصة فى ظل التعبئه الشعبيه ضد ايران

    • جميلة جدا هذه النقطة
      حاول أن تنظر للمسألة من وجهة نظر دول الخليج، بقوتها العسكرية ووزنها السياسي. في وجود قوة مثل إيران، بمشروعها وقوتها ووزنها السياسي. كيف تحمي هذه الدول نفسها وأمنها؟
      كانت تقديرات القوات المسلحة السعودية تتراوح بين 100 و 110 ألف فرد.
      هل هذه الدول حريصة على علاقاتها الأمريكية، محبة وغراماً بأمريكا، أم هي الحاجة السياسية؟؟
      هل تستطيع مصر أن تقم لهم بديلاً آمناً للاستثمار والحماية؟ خاصة في ظل تصاعد المخاوف الخليجية من اتفاق أمريكي إيراني على حساب الخليج، وتزايد عمليات تجميد الأرصدة العربية في المصارف الأمريكية، والتوجه الشعبي نحو البدائل الإسلامية في الاستثمار والتمويل.

      أتصور أن السياسة المصرية ينبغي أن تسعى لتجنب هذه الحرب في الوقت الحالي، لا أحد يريد حرب داخل حدوده الأمنية، خاصة مع وجود عدو على حدودي السياسية مباشرة. تصوري الرئيسي يعتمد على العمل على تجنب هذه الحرب أساساً، بل وإيقاف المشروع الإيراني للتوسع شرقاً.

  2. أعتقد ان تجنب الحرب وان كانت من مسئوليات القياده السياسيه بمصر الا ان اوراق اللعب وادراتها لاتقع فى أيدينا…..هو ببساطه عندما تريد الولايات المتحده أو يمعنى أصح اسرائيل ذلك

    والتصدى لمشاريع ايران أيا كانت هدف سهل بشكل عام….وبشكل خاص فى ظل الاستعداء الامريكى الخليجى
    اما عن توفير البديل الآمن فى صورة مصر….مسألة صعبة التنفيذ…بل من الصعب تحديد رؤيه زمنيه لمثل هذا الوضع
    المشكله ان المملكه تتعمد اضعاف جيشها لاعتبارات سياسيه “داخليه” اولا و”خارجيه” ثانيا
    مصر بالكاد تساعد نفسها فى أزمتها ولا اظنها يمكن ان تشكل الملاذ الآمن اقتصاديا لدول الخليج…فهى تحتاج الى دوله عظمى فعليا…اقتصاديا وعسكريا وبالتالى…سياسيا
    أرى ان هذه المسأله تحتاج الى سنوات طوال من الاستقرار الداخلى قبل ان نصبح بالصوره التى تريدها دول الخليج………هذاعلى افتراض انهم لايحربوننا بالفعل تنفيذا للأجنده المريكيه وهذا وحده كارثه آخرى

    • موضوع يحاربونا أم لا، وتنفيذا لأجندة امريكية أم لا. ببرضه محتاج تفكر من جهتهم.

      بعد ثورة يوليو، عانى الخليج (والدول الملكية عموماً) من محاولات ثورية متعددة، منها كثير بتحريض ومساندة من النظام المصري. ثم تكرر الأمر مع فكرة تصدير الثورة الإيرانية.
      أول ما قامت الثورة في مصر، بدأت نداءات الثوار لنشر الثورة في العالم العربي، وكثيرين دعموا ما حدث في البحرين، على أساس مساندة الثوار في كل مكان.
      أول استثمار تم استعداء الناس عليه، هو استثمارات الوليد بن طلال السعودي، والخرافي الكويتي. لم يتكلم أحد عن استثمارات أمريكية أو إسرائيلية مثلا.

      من الطبيعي أن يكون لهم مخاوف في ظل الننظام الجديد.

      السعودية تقدم نفسها حامي الإسلام في العالم. وإذا استعاد الأزهر مكانه ستفقد هذه المكانة، ودبي تقدم نفسها ملاذ الاستثمار الآمن والمربح في العالم، ولو أقامت مصر مشروع منطقة حرة ستسحب البساط من تحتها، وقطر تلعب دورها، ومهددة بفقده إذا استعادت مصر دورها.

      كل هذه أمور أتفهمها، وليست غائبة عن تفكيري.ولم أقل إن المسألة سهلة أو بسيطة أو سريعة.
      ولكن إذا استطاعت مصر أن تطمئن دول الخليج، بأنها لا تسعى لتغيير أنظمتها، وأنها تعتبر أمن الخليج جزء من الأمن المصري. فإن دول الخليج ستكون أكثر استعداداً لقبول استعادة مصر لمكانها ومكانتها، إذا كان ذلك يساعد على ترسيخ الأمن فيها. ويحقق لها حماية إقليمة من التدخل الإيراني. أو غير الإيراني.

      ملاذ اقتصادي طبعاً يحتاج إلى وقت غير قليل، ولكن يحتاج إلى ان نبدأ بالأمس وليس غداً. ومع زيادة الاستثمارات تزداد سعتك الاقتصادية وقدرتك على استيعاب المزيد من الاستثمارات.

  3. رؤية تحمل من العمق والمنطق الكثير .. لكن المؤكد ان النظام الايراني ليس معنيا بنشر التشيع .. والا كانت قيادات حماس تشيعت بفعل العلاقات العميقة التي استمرت لسنوات .. واذا كان ايمان المصريين ضعيفا الى هذه الدرجة فالاولى ان نخشى من التبشير المسيحي من مئات الالاف السياح الغربيين او من التهويد من عشرات الالاف من السياح اليهود .. ان مصالح مصر في اقامة علاقات متوازنة مع الجميع على اسس واضحه من المصالح المتبادلة

  4. عذرا أخى حسن…..بالرغم من ان مصر لن تسعى لتغيير أنظمة الخليج…..الا أن موقعها “ان استطاعت” كدوله كبرى اقليميا يحتم عليها أخذ موقف من كل مايحدث فى دول المنطقه…….ومعروف للجميع أن أنظمة الحكم هناك ديكتاتوريه من الدرجه الاولى وعاجلا أم آجلا لن تفلت من موجة الثورات العربيه…….وضمانها الوحيد هنا هو الاستقواء بدولة تريد استمرار النظام الديكتاترى الذى يعمل لمصلحتها وهو فى هذه الحاله الولايات المتحده وليست مصر بأى حال من الأحوال
    اما ان حدث-وهذا مستحيل- ان انتقلت الاستثمارات من دول الغرب الداعمه الى مصر فستكون الخطوه التاليه للغرب هو الدعم المباشر لمعارضى انظمة الحكم والتى ستكون ديكتاتوريه على لسان قادة الغرب…فكيف يكون موقف مصر وقتها…؟؟…

    ….يجب أن نكون واقعيين…فهذه المعادله لايمكن باى حال من الأحوال ان تحل بهذا الشكل

أسعدنا بتعليقك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: