حول الإعجاز العلمي في القرآن2

حول الإعجاز العلمي في القرآن2

ثم جاء بعد ذلك دعاة تخصصوا في هذا المجال. ولكنهم ربما لشدة حرصهم على إثبات دعواهم، أو تحت تأثير الجذب الإعلامي، تحول بعضهم إلى ما يشبه الساحر في السيرك، حريص على أن يقدم فقرة جديدة كل موسم. فلا بد له في كل موسم من اكتشاف جديد. ليكسب إعجاب الناس، به أو بالإسلام، أو ليقول للناس إن أدلة إعجاز القرآن لا تنفد ولا تنقضي. ونحن نؤمن أنها كذلك، ولكننا نقول إن في كل عصر سيكتشف أهله ما يكفيهم، بلا حاجة للتنطع أو ليّ أعناق النص، أو افتعال دليل. فالذي يحاول افتعال دليل، يتصرف وكأن ما في يده من الأدلة لا يكفي. والعاقل الذي يبحث عن الحق يكفيه دليل واحد. فمن لم يقبل الدليل كبرا أو عنادا أو اتباعاً لهواه فلن يكفيه شيء.

ولحرص هؤلاء على البحث عن دليل جديد كل يوم، بدؤوا ينقبون عن أي شيء يصلح للإبهار، وانتزاع إعجاب الناس، ولو كان بتأويل بعيد أو بحجة ضعيفة. فأساء من حيث أراد الإحسان، فإن سكوت مثل هؤلاء أنفع للإسلام من ادعائهم بحجة ضعيفة. فالادعاء بحجة ضعيفة هو أكبر خدمة لمن أراد مهاجمة الإسلام، والتفسير الخاطئ أكبر سند لمن أراد تشويه الإسلام. وسيظل القرآن خاليا من شبهة الخطأ العلمي، ولا يعيبه خطأ المفسرين، فالتفسير عمل بشري. ولكن هذا الخطأ البشري يقود كثيرا إلى بلبلة الناس، وتشكيك قليلي العلم، والذين في قلوبهم مرض.

والأمر في الأصل لا يحتاج إلى كل هذا الدفاع. فمن أراد الادعاء بخطأ في القرآن، فليأت بحجته، وليقدم برهانه. أليس هكذا علّمنا القرآن؟ قل هاتوا برهانكم. وكثير مما ثبت من إعجاز القرآن كان محاولات من الكافرين لإثبات خطأ في القرآن.

أما مسألة الإعجاز العلمي في السنة النبوية، فأنا أجد صعوبة كبيرة في تقبله. خاصة مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم “أنتم أعلم بشؤون دنياكم”. فقد ترك شؤون الدنيا للناس يتعلمون منها ويتقدمون بها. أما أمر الله للناس بالنظر في خلق السموات والأرض، والنظر إلى كيف بدأ الخلق، هو أمر للناس بالبحث للتعلم والتفكر معا. من أجل عمارة الدنيا وإصلاحها بالعلم، والوصول إلى الإيمان بالله ومعرفته. فمن لم يصل إلى الله بالفكر وصل إليه بالعلم.

يبقى أمر في شأن الإعجاز العلمي، وهو ما أثبته القرآن ولم يعرفه العلم. مثل الحسد والسحر. ويدعي البعض أن هذه بقايا معتقدات الأمم القديمة، وأنها خرافات لا يقبلها العلم. ونحن نقول لا يعرفها العلم حتى الآن. فالعلم البشري لا يزال يحبو، لم يدرك من حقائق الكون إلا قليلا. وعلم الله واسع لا يحدُّه شيء. فجهل الإنسان بأمر لا يفيد نفيه. وإنما عليكم إثبات عدم وجود ما تنكرون. وكم أنكر العلم من أمور ثم عاد ليثبتها.

فلا يجب أن نجعل علوم القرآن وتفسيره تبعا لعلوم قاصرة، أو أهواء عابرة. ولا أن يكون عرض الإسلام تبعا لاحتياجات سوق الإعلام. فكلما كنا بحاجة لتقديم شيء جديد خرجنا بفكرة جديدة. فالإسلام مبني على العقل والإيمان الراسخ، وليس الإبهار. الهدف هو إقناع الناس وليس إبهارهم.

وهناك أمثلة لما تم عرضه كإعجاز علمي، وأحسب أنه تعسف في تفسير النص وتوظيفه في غير ما يشير إليه. ومن ذلك قولهم في تفسير قول الله تعالى على لسان يوسف بن يعقوب (عليهما السلام) “يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين”. فخرج علينا من يقول إنه لا بد أن يكون هناك أحد عشر كوكبا تدور حول الشمس. ليطابق ذلك الرقم المذكور في الآية. مع أن هذا الرقم لا يفيد إلا عدد إخوة يوسف الذي سجدوا له بعد ذلك. ولو كان عدد الإخوة عشرين لرأى عليه السلام عشرين كوكبا. فليس من إعجاز في مطابقة عدد إخوة يوسف لعدد أجرام السماء. فهذا هو الخطأ في توظيف الآية.

أما الخطأ في تفسيرها، فقد كانت العرب تسمي كل لامع في السماء كوكبا أو نجما. فاللفظان عند العرب يحملان نفس المعنى. وإنما جاء التفريق بينهم حديثا، عندما خص علماء الفلك الأجسام المضيئة الحارة باسم النجم، والأجسام المعتمة التي تدور حول النجوم باسم الكوكب، ثم الأقمار والمذنبات وغير ذلك من أجرام السماء. فخصوا كلا منها باسم لا يتعداه إلى آخر. أما مارآه سيدنا يوسف في رؤياه، فهو أحد عشر جرما سماويا مما يبدو صغيرا في السماء. ليكون من جنس الشمس والقمر اللذان يبدوان كبيرين في السماء. والأجرام الصغيرة من صغار جنسها. ليكون تأويل ذلك أن الشمس والقمر هما أبواه، والكواكب إخوته.

وقد رد على هذا التفسير بعضهم، شامتا بإسقاط عضوية بولتو في مجموعة الكواكب بواسطة مجمع للعلماء، وهذا أيضا لا حجة فيه ولا دليل. فماذا لو قرر هذا المجمع غدا قبول عضوية عدد آخر من الأجرام. أو إعادة الاعتراف ببلوتو ككوكب مع إضافة غيره، ليصل الرقم إلى أحد عشر كوكبا تدور حول الشمس. فهل يؤمن هؤلاء الشامتين؟

لا أظن ذلك!!

وهذه التفسيرات القائمة على البحث عن المبهر واللافت ليست أمرا جديدا، وليست حكرا على المسلمين دون غيرهم. فهي أمر قديم موجود في كل دين وفي كل دعوة. ولعل أكثر ما وقع في كتب السابقين من التحريف جاء من هذا الباب، باب الإبهار والتعالم. بإظهار الكتاب يحتوي على أكثر مما فيه. فدخلت إليه الإضافات والزيادات، ووقع الحذف فيما ظنوه شبهة أو ضعفا.

أما القرآن الكريم فقد تكفل الله تعالى بحفظه من التحريف والتبديل، والإضافة والحذف. فلم يظهر هذا السعي للإبهار والتعالم إلا في بعض كتب التراث، والتي تزخر بأقوال القصاصين. حتى ذكر بعضهم اسم كلب أصحاب الكهف الذي لا نعلم عددهم أصلا حتى نعرف أسماءهم، فكيف باسم كلبهم؟ ومن المشهور قصة ذلك القصاص الذي ذكر اسم الذئب الذي أكل يوسف. فلما قيل له إن الذئب لم يأكل يوسف. قال:”نعم، هذا اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف”.

وهؤلاء كان يعرفهم الناس قديما باسم القصاصين، أما اليوم فيحسبهم البعض علماء.

فإذا كانا ندعو الناس للإيمان بالله بعقولهم، ونطالبهم بالتفكير الصحيح في الحجج والدعاوى التي تلقى إليهم. فأحرى بنا أن نبدأ بأنفسنا، وأن ندرس الحجة قبل أن نقدمها للناس، ندرس ما ينقضها وما يردها. ونبحث في ما يمكن أن يهدمها. فإن انتقضت فما هي بحجة تقبل. وإن استقامت فوق محاولات الهدم، واستعلت على النقض والرد. فتلك هي الحجة البالغة والبينة الراسخة.

والله أعلم.

Advertisements

حول الإعجاز العلمي في القرآن1

حول الإعجاز العلمي في القرآن1


نؤمن نحن المسلمين أن القرآن هو كتاب الله المنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ونؤمن أنه معجزة خالدة. لا يستطيع الإنس والجن أن يأتوا بشيء من مثله، مهما فعلوا. وإعجاز القرآن من جهة البلاغة والفصاحة أمر متفق عليه، بل قد أقر به المشركون من قريش وهم مقياس الفصاحة عند العرب. واتفق عليه كل من كان له علم باللغة العربية وأصولها وآدابها. ولم يمار في هذا الإعجاز اللغوي إلا جاهل بالعربية أو أحمق.

أما عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم. وهو أمر طال فيه الجدل وكثر في الحديث. فأنا أؤمن أنه إذا كان القرآن الكريم كتاب الله، فلا يجوز أن يحتوي على خطأ علمي. لأن الله تعالى عالم الغيب والشهادة لا يجوز عليه الخطأ ولا السهو ولا الكذب. ونحن نؤمن أن القرآن قد بلغنا كما هو دون تحريف أو تبديل. ولكن علينا كذلك أن نتذكر دائما أن القرآن الكريم هو كتاب دين وعقيدة، وحكمة وتشريع. وليس كتاب في علم الطبيعة أو علم الفلك أو حتى علم التاريخ. وأنه وإن كان يحتوي على إشارات لهذه العلوم جميعا، فإنها إشارات إما لحث الناس على تأمل خلق الله والاستدلال بهذا الخلق على الخالق المبدع. أو لإثبات أن الله تعالى هو منزل هذا القرآن وليس بإمكان إنسان أن يضع مثل هذا الكتاب. وهو ما يقصده العلماء بالإعجاز العلمي للقرآن. فلا ينبغي النظر إلى القرآن ككتاب في علم الطبيعة فليس هذا شأنه ولا الغرض منه.

وأصل ذلك المبحث على حد علمي، أن أعداء الإسلام، من الفلاسفة قديما والمبشرين والمستشرقين حديثا، كانوا يحاولون البحث عن خطأ في القرآن الكريم في إطار سعيهم لمحاربة الإسلام والرد عليه. كما قال تعالى “يريدون ليطفؤوا نور الله بأفواههم”. فكان لعلماء المسلمين جهود طيبة في الرد عليهم، وفي إظهار هذا الوجه من الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، مثل الدكتور مصطفى محمود والشيخ عبد المجيد الزنداني.

والدكتور مصطفى محمود كان ملحدا في أول أمره، منكرا لله مؤمنا بالعلم وحده. ولكنه كان منصفا طالب علم وحق، فهداه الله بالعلم إلى الإيمان. فعمل على عرض ما وجده على الناس، وأراد أن يبين لهم الطريق الذي استبان له. وكان أكبر عمله أنه سعى لبيان بديع صنع الخالق، وإحكام صنعته في الخلق، وبالغ حكمته في تصريف السماوات والأرض. مع الإشارة إلى نصوص القرآن إن بدت له مطابقة لما رآه بالعلم. ولم يكن مفسرا ولا ادعى أنه عالم في شؤون الدين. وإنما هو عالم في علوم الدنيا هداه الله إلى الإيمان عن طريق العلم.

والشيخ عبد المجيد الزنداني رجل عالم داعية، قام بجمع ما وصل إليه عدد من العلماء من اكتشافات حديثة نسبيا، مما يطابق قول الله تعالى في كتابه العزيز، وعرض ذلك على الناس وبينه لهم. وقد حضرت بعض هذه المحاضرات في البحرين. فكان أجمل ما فيها البعد عن الافتعال، وليّ عنق النص ليطابق ما يظنه العلماء، أو يوافق نظرية علمية معينة. بل اعتمد على حقائق علمية ثابتة، عرفها العلماء بيقين، ووجد أنها تطابق وصف القرآن. قائلاً إن هذه النصوص التي لم يعرف السابقون تفسيرها، يمكن أن نفسرها بهذا العلم الذي عرفناه.

مثل قوله تعالى “مرج البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان” فقال إن العلماء قد وجدوا فاصلا (برزخا) يحجز بين البحار المختلفة، فتختلف مكونات الماء في البحرين المتجاورين، برغم أن العلماء كانوا يظنون سابقا أن نسبة الأملاح لا بد أن تتساوى في البحار ما دامت متصلة، فإذا بالحقيقة غير ذلك.

فهذا مثال لكشف علمي وافق صريح نص القرآن. دون حاجة ليّ عنق النص، أو تأويله تأويلا بعيدا عن طبيعة اللغة. أو تعسف في استخدام المصطلح اللغوي أو العلمي في غير موضعه.

ثم جاء بعد ذلك دعاة تخصصوا في هذا المجال. ولكنهم ربما لشدة حرصهم على إثبات دعواهم، أو تحت تأثير الجذب الإعلامي، تحول بعضهم إلى ما يشبه الساحر في السيرك، حريص على أن يقدم فقرة جديدة كل موسم. فلا بد له في كل موسم من اكتشاف جديد. ليكسب إعجاب الناس، به أو بالإسلام، أو ليقول للناس إن أدلة إعجاز القرآن لا تنفد ولا تنقضي. ونحن نؤمن أنها كذلك، ولكننا نقول إن في كل عصر سيكتشف أهله ما يكفيهم، بلا حاجة للتنطع أو ليّ أعناق النص، أو افتعال دليل. فالذي يحاول افتعال دليل، يتصرف وكأن ما في يده من الأدلة لا يكفي. والعاقل الذي يبحث عن الحق يكفيه دليل واحد. فمن لم يقبل الدليل كبرا أو عنادا أو اتباعاً لهواه فلن يكفيه شيء.

يتبع