تشويه التاريخ2

 تشويه التاريخ

فيلم صلاح الدين مثالا 2

أما عن تصوير هذا العصر، فقد أساء الفيلم أشد الإساءة إلى صلاح الدين، وإلى جيشه ورجاله، وإلى حضارة المسلمين حينها أشد إساءة. وتكاد هذه الإساءة تتكرر في كل مشهد من مشاهد الفيلم. فصوّر الخير شرا والشر خيرا، وقلب الحقائق واختلق ما شاء له خياله المريض، وفهمه السقيم.
ففي أحد المشاهد، صور كيف قتل صلاح الدين البرنس أرناط (رينالد دي شاتيون). وأظهر كيف أبى صلاح الدين أن يقتل رجلا أعزل، فأعطاه سيفا ليبارز به، ثم قتله في المبارزة. وليست هذه بطولة بل حماقة. فالأمر كان تنفيذ حكم إعدام بحق مجرم حرب، لم يترك سببا لقتله إلا ارتكبه. من نقض للعهود واعتداء على قوافل آمنة بموجب معاهدات، واعتداء على الحجاج، ومحاولة الاعتداء على بيت الله الحرام في مكة، والسخرية والتطاول على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهي الأسباب التي جعلت صلاح الدين ينذر مرتين أن يقتله إن تمكن منه.
وبعد انتهاء معركة حطين، جلس صلاح الدين مع ملك القدس، وبقية الأمراء الأسرى (بغير عهد ولا أمان ولا ذمّة). فطلب الملك ماء، فسقاه صلاح الدين، فشرب الملك وأعطى أرناط، فقال له صلاح الدين “أنت سقيتَه، ولست أنا الذي سقيتُه” وكانت العادة أن الأسير إذا أُطعم أو سُـقي كان ذلك أمانا له. ولم يُرِد صلاح الدين أن يعطي الأمان لأرناط. ثم ذكّر البرنس الأسير بجرائمه ونقضه للعهود، وسأله: “ماذا كنت فاعلا لو كنت مكانك وكنت مكاني؟” فأجاب الأسير:”كنت أقتلك” فقال صلاح الدين: “قد حكمت”. وقتله.. (قيل ضربه بسيفه، وقيل أمر به فقتل)
فهذا تنفيذ حكم إعدام، وليس قتلا لغضب أو انتقام شخصي، وليس قتل غيلة، ليقال قتل رجلا أعزل. (مثلما فعل البرنس كثيرا) وقد كان البرنس أرناط يحمل سيفه في المعركة فلم يغن عنه شيئا، وهزم وقومه، وأسر وليس به قوة أن يلقي سيفه.
أمن العقل أن أقدر عليه، فأعيد إليه سيفه وأعينه على قتال مسلم مرة أخرى بعد أن أمكن الله منه؟
أهذه بطولة أم حماقة؟
 أم أنها محاولة لإظهار تنفيذ الإعدام في صورة الجريمة؟ ليصبح ما فعله خلفاء المسلمين وحكامهم، من تنفيذ أحكام الإعدام، جرائم تستحق الإدانة.
صورة أخرى،،
في الفيلم،
عند وصول ريتشارد إلى فلسطين، أسرع صلاح الدين مع رجلين من قواده، للقاء جيش الإنجليز ليطلب منه السلام. وفي هذا تذلل كريه، وتهور مذموم. فلم يوجد قائد عاقل في ذلك الزمن أو أي زمن آخر، يذهب إلى عدوه في جمعه وجيشه، فردا أو مع رجل ورجلين. وإنما يرسل رسولا من قبله، يكون له عينا على عدوه، ولسانا يخاطبهم به.
أما إذا أردت أن تعرف كيف كان يلتقي الملوك. انظر إلى قائد الفرس حين أراد لقاء هرقل، (في الحرب الأخيرة بينهما) أرسل إليه قائلا “القني في خمسين من رجالك، فإني آتيك في خمسين من قومي” والتقيا فردين بين الصفين. ليتفاوضا. وعندما ذهب عمرو بن العاص إلى لقاء قائد الروم (الأرطبون) ذهب كرسول من عمرو، ولم يخرج سالما إلا بمكيدة.
هكذا كانت ترتب لقاءات الملوك والقادة المتحاربين. وليس بأن يذهب القائد فردا ليستجدي السلام من غزاة محاربين.
قدرات صلاح الدين..
لم يكن صلاح الدين رجلا خارقا يعرف كل شيء ويجيد كل صناعة.
كان قائدا عسكريا مظفرا، وإداريا ناجحا، وسياسيا داهية. ولكنه لم يكن طبيبا ولا عالم كيمياء. تحرص معظم أعمالنا على إظهار البطل كرجل خارق، متفوق في كل المجالات، ولا يفعل أحد غيره شيئا. فهو وحده يضع الخطط، ويقاتل ويبارز، ويخترع الأسلحة، ويعالج المرضى، ويفاوض العدو. وفي ذلك تعبير عن ثقافة تقديس القائد، وتكريس لها في ذات الوقت.
وقد حرص الفيلم أن يظهره عالما بالكيمياء يخترع مادة حارقة، اخترعها في الحقيقة رجل من عسقلان ليحرق أبراجا مغطاة بالجلود المغموسة بالخل لكي لا تحترق، (وذلك أثناء حصار عكا).
فإذا كان القائد هو الذي يعرف ويفهم ويجيد كل الأمور. فله الحق أن يستبد برأيه، وينفرد بالقرار وحده. ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستبد برأيه، ولا ينفرد بقرار (إلا أن يكون وحيا، فعليه وعلى المسلمين جميعا السمع والطاعة) بل كان صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه، وينزل على الرأي الأصلح. وهكذا كان الصالحون من حكام المسلمين وقادتهم. وهكذا كل قائد ناجح. فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه.
بالتأكيد لم يعرف عن صلاح الدين علم بالطب والكيمياء. فهو رجل شغلته الإدارة والحروب والسياسة. كان يجيد شؤون الإدارة التي تعلمها من أبيه، وقد كان أبوه إداريا مميزا في زمانه، وشؤون الحرب والقتال التي تعلمها من عمه (أسد الدين). ولا بد للإداري أن يعرف الفقه (القانون). ولم يكن فقيها، ولكنه كان على علم بالفقه والأدب واللغة. فهذه علوم يجب أن يحصلها من كان في منزلته ودرجته. وكان محاطا بالعلماء والفقهاء والأطباء. من ذوي الخبرة والكفاءة. وهؤلاء هم من كانوا يقومون كلٌ بما يختص به. وكان عامة أهل البلاد من المسلمين أكثر علما بكثير من علماء أوروبا. وكان أهل الصناعات يتطوعون وقت الحاجة بتقديم ما لديهم من علم وخبرة لتطوير سلاح جديد، أو علاج ناجع، لخدمة الإسلام والمسلمين.
ما لم يظهر في العرض التاريخي.. وهو ما أهتم كثيرا بتوضيحه.
لم يكن صلاح الدين هو القوي الوحيد في أوساط قومه، بل كان قائدا قويا لأمة قوية، ومجتمع قوي وجيش قوي..
وكان هذا المجتمع القوي والأمة القوية، تحتاج إلى قائد قوي يجيد استعمال قواها لتحقيق أهدافها..

تشويه التاريخ1

تشويه التاريخ

فيلم الناصر صلاح الدين مثالا

لا يخفى على أحد أهمية التاريخ في بناء ثقافة الفرد ووعيه. وفي بناء منظومة القيم للفرد والمجتمع. فالتاريخ بلا مراء يدخل في تشكيل شخصية الفرد والمجتمع. ونظرة المرء إلى تاريخ أمته، تحكم نظرته إلى كثير من الأمور. وفهمه لسوابق الأحداث مفض إلى فهمه للواحقها.

ولذلك حرصت الأمم على حفظ تاريخها، وسرده وعرضه للأبناء والأحفاد، وتوارث هذا التاريخ عبر الأجيال المتعاقبة. ويبدأ هلاك الأمم بفقد تاريخها، فتصبح منقطعة عن ماضيها، تائهة في حاضرها، لا مستقبل لها إلا أن تبدأ من جديد، أو أن تلتحق بأمة أخرى ذات تاريخ.

وفهم التاريخ ينبني على أمرين، الأول معرفة الأحداث الرئيسية من الحروب والمعارك، وتعاقب الحكام وصراعاتهم، والثورات والدعوات المختلفة. وهذا ما يسجله المؤرخون، ويلقنه المعلمون لطلابهم.

والآخر هو تصوّر الماضي، وهو الأمر الأصعب. تصور كيف كان يتكلم الناس في زمن مضى، وكيف كانوا يفكرون. تصور أحلامهم ومخاوفهم. وهو ما تسجله لنا آدابهم وفنونهم، شعرا ونثرا، كتبا وخطابة وتواقيع. ويحتاج دارسه إلى الكثير الكثير من الدراسة والقراءة؛ ليعيش في زمنهم بأخلاقه وآدابه، وقيمه وقوانينه. وهذا التصوّر ضروري لفهم خبايا التاريخ. وتفسير بعض غوامض الأحداث. وضروري كذلك لتحقيق الأخبار، والتأكد منها. فأنت حين تعرف شخصا، تستطيع في كثير من الحالات أن تكذب رواية عنه لا تستقيم مع ما تعرفه عنه.

وكلا الأمرين (معرفة الحوادث وفهم الطبائع) ضروري ولازم لتواصل الأجيال، وتوارث القيم. وكلا الأمرين يتعرض للتشويه المستمر والمتعمد، لخدمة أغراض لا تخفى على من يحسن النظر في عواقب الأمور. وهذا التشويه يتخذ أشكالا وصورا عديدة. من كتب ودراسات، وأبحاث ومقالات، وأفلام ومسلسلات. وهذه الأخيرة عظيمة الأثر، في أمة لم تعد تقرأ. فكثير من معارف الشباب عن التاريخ مستقاة من أفلام ومسلسلات، وقليل منها الجيد الصادق. وكثير منها الغث المفسد. وسأعرض هنا لنموذج من الأشهر، إن لم يكن الأشهر على الإطلاق، ولسبب ما يعتبره الكثيرون أحد أعظم الأعمال الفنية التاريخية.

وهو فيلم الناصر صلاح الدين.

وهذا الفيلم نموذج ممتاز لحجم تأثيره، فمعظم الشباب الذي سألتهم عن صلاح الدين الأيوبي، لم يكن يعرف عنه إلا ما جاء في هذا الفيلم. وهو في معظمه مكذوب مشوّه.

كما أن هذا الفيلم يمتاز بجمعه لكل أشكال التشويه والخطأ والعبث في التاريخ، أحداثا وصورا وشخصيات.

ففيه من الأخطاء في التاريخ الكثير، ومن تشويه الصورة الكثير، ومن اختلاق شخصيات والعبث في تاريخ شخصيات أيضا الكثير.

ومن أخطاء التاريخ الواضحة في هذا الفيلم:

سقوط عكا…

 

التي أظهر الفيلم سقوطها على غفلة بسبب خيانة.. ولم يكن الأمر كذلك قط..

بل كان سقوط عكا على إثر حصار طويل استمر ما يزيد على عشرين شهرا، دارت فيها رحى المعارك على الطرفين؛ حيث كان الفرنجة يحاصرون عكا، وصلاح الدين يحاصر الفرنجة. واستمر تدفق إمدادات الفرنجة من البحر يتوالى.. وعجز صلاح الدين عن كسر الحصار على عكا.. وعجز المحاصَرون داخل المدينة عن مواصلة المقاومة، فسُلمت المدينة على أمان لأهلها، أن لا يقتل منهم أحد..

فهم لم ينزلوا على حكم آسرهم، وإنما نزلوا على عهد وأمان من خائن (ريتشارد قلب الأسد) قتلهم وألقى جثثهم من فوق سور المدينة، استشفاء لضغائنه وحقده على الإسلام والمسلمين.

ولسبب ما حرص الفيلم على إظهار أسف ريتشارد لمثل هذا العمل، مع أنه هو من أمر به، وحرص كذلك على إخفاء حقيقة أن الأسرى الذين غدر بهم، كانوا قد نزلوا على أمان وعهد.

والمدينة التي سقطت بخيانة هي مدينة أنطاكية، سقطت بخيانة بعد حصار طويل أيضا، وكادت المجاعة أن تهلك الفرنجة المهاجمين، ولم تكن إنطاكية لتسقط لولا تلك الخيانة. ولكن قدّر الله وماشاء فعل. وكان ذلك في بداية الحروب الصليبية في عام 1099.

 

عيسى العوام…

 

جعله الفيلم قائدا من كبار قادة صلاح الدين، وساعده الأيمن، وأكد على كونه مسيحيا (وهو رجل مسلم) .

ولكن الطريف أن عيسى العوّام، (والعوّام مهنته) قد كان سباحا.. كان قد غرق أثناء حصار عكا.. حين كان سابحا إلى عكا محملا برسائل وأكياس من ذهب في ليلة عاصفة، وبعد غرقه عثر القوم على جثته على شواطئ عكا بعد أيام، ومازالت الرسائل والأكياس معلقة في حزامه. ولذلك قالوا :”لم نر رجلا أدى الأمانة حيا وميتا كعيسى العوام”. وهذا سبب شهرة الرجل.

علاقة صلاح الدين وريتشارد

 

أظهر الفيلم عواطف نبيلة متبادلة بين ريشارد وصلاح الدين، ولقاءات، وسهر صلاح الدين بجوار ريتشارد حتى يتعافى من سهم أصابه، إلى آخر هذه الخزعبلات.

مع أن التاريخ يقول إن ريشارد لم يلتق بصلاح الدين يوما. صحيح أنه طلب لقاءه، وألح في الطلب.. إلا أن صلاح الدين رفض لقاءه في كل مرة، إلا بعد إتمام الصلح.. قائلا :”قبيح بالملوك أن يأكلوا ويشربوا معا، ثم يقاتل بعضهم بعضا، فإذا كان الصلح التقينا وأكلنا معا”.

وهذا من فن التفاوض عند صلاح الدين، وهو ما يستحق إفراد مقال مستقل له.

وبعد الصلح، سمح صلاح الدين للفرنجة بزيارة بيت المقدس في مجموعات صغيرة، ورفض ريتشارد أن يدخل المدينة زائرا بعد أن كان يمنّي نفسه بدخولها فاتحا مظفرا. وبذلك أضاع على نفسه فرصة الحج، وزيارة بيت المقدس، وفرصة لقاء صلاح الدين. فلم يحقق من حملته أيا من أهدافه التي خرج لها.

أما عن تصوير هذا العصر، فقد أساء الفيلم أشد الإساءة إلى صلاح الدين، وإلى جيشه ورجاله، وإلى حضارة المسلمين حينها أشد إساءة. وتكاد هذه الإساءة تتكرر في كل مشهد من مشاهد الفيلم. فصوّر الخير شرا والشر خيرا، وقلب الحقائق واختلق ما شاء له خياله المريض، وفهمه السقيم.

وسأتناول بعض ذلك في الإدراج التالي بإذن الله.

 

 

رواية التاريخ

رواية التاريخ


عندما نتناول التاريخ بالدرس والبحث، فإن العمدة عندنا على الرواية الصحيحة والخبر الصادق ثم النظر السليم. في ما صح من أحداث. فليست المسألة بهوى النفس ولا بما نحب أو نكره، ولا بما نريد أن نتمنى. ومن أجل معرفة الرواية الصحيحة من السقيمة، وبيان الخبر الصادق من الكاذب، فقد أنشأ المسلمون علم الرواية، وما يتعلق به من علم الجرح والتعديل. وهو علم كبير له أصوله وقواعده، وكتبه ومراجعه التي تضم سير الرجل وأخبارهم، مما لا غنى لمن أراد دراسة التاريخ الإسلامي من الإحاطة به، أو على أقل تقدير لابد له من الإلمام بشيء منه، ثم الاعتماد على ثقة في علو الرواية.

وقد أنشأ المسلمون علم الرواية أول الأمر ليحفظوا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته. وليحفظوا القرآن الكريم – وقد تعهد الله تعالى بحفظه – من الضياع والتحريف. لكي لا يصيب المسلمين ما أصاب الأمم السابقة من ضياع الوحي وتحريف الكتب. وقد تخصص فريق من العلماء من نقد الرواية والرواة. فدرسوا سير الرجال وتراجمهم، وبينوا حال الرواة وأخبارهم، ومواطن قوتهم وضعفهم، وميولهم وانتمائهم الحزبي أو المذهبي أو القبلي. ووضعوا شروطاً صارمة لقبول الرواية التي تبلغهم. وعلى أساس ذك محصوا الروايات، و قاموا بدراسة تاريخ هذه الأمة وتدوينه وفق هذا العلم. فلم يكن أهل العلم يقبلون من كل أحد، ولا يقبلون الرواية التي توافق هواهم وميلهم ويرون سواها. وإنما كان أهل العلم ينظرون في الروايات وفق الشروط المحددة سلفاً. فما وافق الشرط قبلوه، وإن خالف ما درجوا عليه، وما خالفه ردوه، وإن وافق هواهم. ونحن نقرأ كثيراً عن أحاديث نبوية يقول عنها المحدثون إنها صحيحة على شرط البخاري، أو على شرط الشيخين. أي أنها تحقق الشروط التي وضعها البخاري لقبول الرواية. فأعلام المحدثين بدؤوا بوضع شروط لقبول أي رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نظروا في ما بلغهم من روايات فما وافق الشرط كان صحيحاً وما خالفه كان دون ذلك. وكذلك فعل أهل العلم في كل رواية.

ولكن أهل التاريخ في المراحل الأولى قاموا بتدوين كل ما بلغهم من روايات وأسندوها، أي ذكروا السند الذي بلغتهم به الرواية. ومن أسند إليك فقد حملك تبعة البحث في هذا السند، لتنظر بنفسك في صدق الرواية من كذبها. ومن ذلك ما فعله الطبري فقد ذكر في آخر مقدمة كتابه :فما يكن في كتابي هذا من خبر يستنكره قارئه من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قِبَلِنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا ولكن أغلب الدارسين يغفلون عن هذه الحقيقة، أو يتغافلون عنها. وغير الدارسين ينخدعون بقول الناس وجدنا في تاريخ الطبري، دون نظر في سند الرواية وعقلانية المتن. وهذا من أسباب التباس النظر في التاريخ عند كثير من الناس. ومن هنا يدخل أصحاب الأغراض في تشويه التاريخ والعبث به. من اعتماد روايات ضعيفة أو مكذوبة – لأنها توافق غرضهم – ويردون روايات صحاح – لأنها تكذب دعواهم. ويستوي في ذلك كل ذوي الغرض، سواء كان يريد تشويه التاريخ أو تزويره.

وبرغم أن تاريخنا الإسلامي قد أحيط بدرجة من الحياطة والدرس والبحث والتدقيق تفوق ما أحاط بتاريخ أي أمة من الأمم، إلا أن عمل هؤلاء الجهابذة لا يزيد أن يكون عملاً بشرياً يعتريه ما يعتري كل عمل بشري من القصور والنقص والخطأ والسهو. فلا يوجد ما يمنع أن نعيد النظر في تاريخنا بين الحين والحين، سواء كان النظر في مسألة واحدة، أو واقعة بعينها أو حادثة من الحوادث، أو كان النظر في مسار التاريخ كاملاً. كما ينادي الكثيرين في أيامنا هذه. ولكن الشرط في ذلك أن يقوم بهذا البحث أهل العلم، وليس أهل الهوى.

والفرق الأكبر بين أهل العلم وأهل الهوى هو منهج البحث. ومنهج البحث – في التاريخ – يتطلب أن يقوم الباحث أولاً بتحديد مجال بحثه، وتحديد شروط قبول الروايات وردها وتصديقها وتكذيبها. ثم يجمع مادته من الروايات والكتب على وجه الاستقصاء بأفضل ما يستطيع. ليمحص الروايات بعد ذلك وفق الشروط التي حددها سابقاً، بأكبر قدر من الحياد والنزاهة والتجرد عن الأهواء. ليصل بعد ذلك إلى الحقيقة أو أقرب شيء إليها. وكذلك يشترط في من أراد دراسة التاريخ الإسلامي أن يلم بلغة العرب وعاداتهم، لكي يفهم رواياتهم على وجهها الصحيح. وإلا خرج بنتائج لا علاقة لها بالصواب. مثل بعض من يتصدون اليوم للحكم في التاريخ والسيرة بل وتفسير القرآن، وبضاعتهم من اللغة معدومة. فيفهمون غير ما قيل، ويظنون غير الحقيقة، مما يصل بهم إلى نتائج لا علاقة لها بالعلم ولا بالصواب.

فمن تمكن من أدوات البحث، من علم باللغة، ودراية بعلم الرواية، وتجرد عن الهوى، وقام بما يجب القيام به من البحث والاستقصاء، والفحص والتمحيص. سمعنا منه ما يخرج به من نتائج. قد يصيب فيها وقد يخطئ، وقد يخلط صواباً خطأ. ولكنه في كل أحواله مجتهد يؤجر على اجتهاده مرة إن أخطأ، ومرتين إن أصاب.

أما من تهجم على دراسة التاريخ بغير دراسة وإعداد فهو كالذاهب إلى الحرب بغير عدة، أو من يجتاز الفلاة بغير زاد. فقد أوشك أن يورد نفسه موارد الهلاك وإن كان حسن النية سليم القصد. وكم من حسن نية أورد صاحبه المهالك. فما ظنك بصاحب الغرض والهوى، إذا أقدم على ذلك بنية سوء وخبث مقصد. وكثير ما هم.

Tags:

أسباب مغيبة لانتصار المسلمين

أسباب مغيبة لانتصار المسلمين

من المشاكل التي تعاني منها أجيالنا الحديثة سوء تعليم التاريخ. فنحن ندرس التاريخ في مدارسنا بشكل إما يسيء عرض الأحداث أو يسيء قراءتها. وسوء السرد يوهم الطلاب بتاريخ مخالف للحقائق، وسوء القراءة يجمع بين سوء تصور التاريخ، وتحريف الوعي.

ومن أمثلة ذلك ما درسناه في المدارس عن الفتوحات الإسلامية في صدر الإسلام. فقد درسنا في دروس التاريخ، أن الدولة الإسلامية حققت أحد أسرع نماذج اتساع الدول على مر التاريخ، وأن هذا التوسع كان الأثبت تاريخيا… وهذا صحيح وصادق، ولكن ما خدعونا به في تلك الدروس، هو عوامل انتصار المسلمين السريع على الدولتين الأعظم في ذلك الزمن، الفرس والروم..

وكان السبب الذي يذكرونه هو إيمان المسلمين،، وأحيانا يضيفون ضعف الفرس والروم نتيجة الحروب بينهما.. وأنا أرى أن السبب الأول غير كاف، والسبب الثاني غير صحيح..

أما الإيمان، فهو لا يكفي وحده للانتصار في معركة، وليس الانتصار في حرب بهذا الحجم. ولا أظن أن جيوش الفاتحين كانت أكثر إيمانا من جيش الصحابة الذي هزم في أحد، وكان قائدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.. لا يستطيع أحد أن ينكر وجود إيمان متميز لدى تلك الجيوش، ولا يستطيع أحد أن ينفي دور هذا الإيمان في النصر، ولكن الإيمان وحده لا يكفي.. لا بد أن يصاحبه العمل، العمل الصالح.. أو ما يسمى الأخذ بالأسباب..

والسبب الثاني الذي ذكروه هو ضعف الدولتين الفرس والروم بفعل الحرب التي دارت بينهم في صدر الإسلام، وقد توقفت هذه الحرب قبل بداية الفتوح بوقت كاف لاستعادة أي دولة منها لقوتها العسكرية، وعافيتها الاقتصادية مرة أخرى.. والدليل على ذلك أعداد الجيوش التي واجهت المسلمين في الجبهتين، ففي القادسية حشد الفرس 120 ألف مقاتل، ثم عادوا في نهاوند وحشدوا 150 ألف مقاتل،، عدا عن الجيوش الصغيرة التي واجهت المسلمين في المعارك المتفرقة قبل القادسية وبعدها.. وقد غنم المسلمون ملايين الدراهم في فتح المدائن، وفي عدة مواقع أخرى، كان كسرى يخفي بها كنوزه. في صورة أموال وحلي وجواهر،، عدا التحف الفنية التي لا تقدر،، فهذه دولة ليست بالفقيرة ولا الضعيفة،، وكان لدى الروم قوات قريبة للفرس في العدد والعدة.

ثم إن ضعف الدولتين (المزعوم) لا يفسر كيف انتصر 34 ألف على 120 ألف في القادسية،، والأرقام قريبة من ذلك في اليرموك..

وإذا كانت الحروب التي انتهت منذ سنوات ما زالت تؤثر في قوة الدولتين، فما بال حروب الردة التي لم تنته إلا قبل بداية فتح العراق والشام بأشهر معدودة. ألم تؤد هذه الحروب التي شملت الجزيرة كلها إلى ضعف العرب، وخاصة أن المرتدين لم يسمح لهم أبو بكر بحمل السلاح. والمشاركة في الفتوح.

إذا هذا التفسير لا يكفي ولا يصح..

والسبب الحقيقي لانتصار المسلمين في هذه الحروب هو الإيمان والعمل.. معا..

العمل الصادق، أو العمل الصالح..

الإعداد الجيد للمقاتل، أثبت المقاتل العربي المسلم في هذه الحروب تفوقه الفردي على المقاتل الفارسي أو الرومي، فكل المبارزات الفردية انتهت لصالح المسلمين، حتى أن رستم قائد الفرس في القادسية منع الفرس من المبارزة في اليوم الثالث، لأنه رأى رجاله يخسرون جميع المبارزات. وكان العربي يجيد استخدام كافة أنواع السلاح، السيف والرمح والقوس، ويجيد القتال راكبا أو راجلا أو جاثيا على ركبته. ويجيد القتال في تشكيلات صغيرة تصل إلى أفراد دون العشرة أو في تشكيلات تصل إلى آلاف. إذن كان المقاتل أحسن إعداداً، مما مكنه من تجاوز الفارق في المعدات.

الالتزام والانضباط على مستوى الأفراد، فكان كل فرد من القائد إلى الجندي يلتزم بدوره المحدد، وبالتعليمات الصادرة إليه. مع وجود روح المبادرة لدى كل فرد في الجيش، فيستطيع أن يتخذ قرارا وفق صلاحياته، إذا تطلب الأمر ذلك. وهذا ما لم يكن موجودا لدى جيوش الفرس والروم.

التخطيط الجيد، والتخطيط الجيد على عدة مستويات، فقد أحسن المسلمون استغلال نقاط تفوقهم، في السرعة وخفة الحركة، مما جعل الدروع والمعدات التي يحملها الفرس أو الروم تتحول من عنصر تفوق إلى عنصر ضعف. والتخطيط الجيد في اختيار مواقع القتال، وحصار الأعداء في مناطق ضيقة تفقدهم إمكانية استغلال ميزة التفوق العددي، كما في القادسية واليرموك، وغيرها.

العدل والأمانة، لقد كسب المسلمون ثقة أهل البلاد التي فتحوها، كما كسبوا احترام أعدائهم أنفسهم، بحسن المعاملة والعدل والصدق والوفاء. فلم يتوقع أهل دمشق الذي اعتادوا على ظلم الروم، أن يعيد إليهم أبوعبيدة بن الجراح الجزية عن العام الذي انسحب فيه من دمشق، وقال لا نأخذ منكم الجزية إن لم نمنعكم (أي نحميكم). وقد كان أمر عمر بن الخطاب إلى جيش سعد بن أبي وقاص، “إن قال أحد من المسلمين كلمة أو أشار إشارة لأحد رجال الفرس هي عندهم أمان، فأجروا له ذلك مجرى الأمان”. فلم يفقد العدو ثقته في المسلمين. وكان من يدخل الإسلام يصبح واحدا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، ويقبلونه واحدا منهم.

هذه العناصر من العمل هي ما يغفل عنه المعلمون في أيامنا هذه.. فيخرج جيل إما يحسب أن الإيمان والصلاة وحدها كافية للنجاح وتحقيق الآمال، فإذا لم تتحقق آماله بالصلاة والصيام، كفر بكل القيم والعقائد.. أو منتظرا للظروف المواتية، (ضعف الدولتين) لكي يبدأ السعي، فقد تعلم هذا الجيل أن المسلمين لم يحققوا ما حققوا إلا بضعف الدولتين (الظروف المواتية)، ولم يعلم أنهم لم ينتصروا إلا لأنهم أحسنوا صنع الظروف أو استغلال ما يجدّ منها.. ولم ينتظروا أن يقاتل الله عنهم، بل فعلوا ما في وسعهم، قاموا بكل ما يمكنهم القيام به. ثم استعانوا بعد ذلك بالله، وطلبوا منه النصر والتأييد، فاستحقوا النصر على عدوهم..

إن الإيمان ضروري بلا شك،، والاستعانة بالله واجبة بلا جدال. ولكن الله لم يذكر الإيمان في القرآن إلا وذكر معه العمل، العمل الصالح..

ولم أر في التاريخ الإسلامي نصرا جاء، ولا انجازا تحقق، إلا بالعمل الصادق، والإعداد الجيد، والتخطيط السليم، بدءاً من غزوة بدر مرورا بالقادسية واليرموك ونهاوند والزلاقة وحطين وعين جالوت، وفتح القسطنطينية، إلى تصدي قوات المقاومة اللبنانية لمحاولات التوغل الإسرائيلي في عام 2006.

لم ينتصر المسلمون بالإيمان والدعاء فقط، وإنما بالإيمان والعمل الصالح. وهذه الأمة لا يصلح آخرها إلا بما صلح به أوّلها..

الإيمان والعمل الصالح.