الأخلاق بين العقل والدين

الأخلاق بين العقل والدين


الأخلاق كما تعرفها ويكيبديا العربية، هي شكل من أشكال الوعي الإنساني يقوم على ضبط وتنظيم سلوك الإنسان في كافة مجالات الحياة الاجتماعية بدون استثناء في المنزل مع الأسرة وفي التعامل مع الناس، في العمل وفي السياسة، في العلم وفي الأمكنة العامة.

أو يمكن القول، هي مقياس لضبط سلوك الإنسان، ونظرته تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه وتجاه الناس والطبيعة. وهذا هو دور الأخلاق. وهو مقياس ثقافي وليس مقياساً علمياً. فلا يمكن قياس قدر التضحية، أو كمية الصبر، أو كتلة الشجاعة، ووزن الالتزام، إلى آخر هذه القيم الأخلاقية.

هناك جزأين في كل إنسان حار بينهما الفلاسفة، واختلفت بينهما الفلسفات البشرية، وهما العقل والنفس. أو العقل والروح. العقل الذي يرى الأمور كما هي في الحقيقة بحياد كامل. ويقيس الأمور بمقاييس محايدة ثابتة. فسرعة الصوت لن تتغير إذا كانت لا تعجبني، والجاذبية الأرضية ثابتة شئنا أم أبينا. أما النفس فلا ترى الدنيا إلا من داخلها. فهي ترى ما تحب جميلاً، وترى ما تشاء عظيماً, وإن رأى غيرها خلاف ذلك.

لدينا إذن العقل المختص بالعلم، والروح المختصة بالفن والأخلاق. على العقل تقوم الحضارة، وعلى الروح تقوم الثقافة.

لذلك كانت الحضارة والمدنية والتقدم العمراني والعلمي من شأن العقل. فهو الذي يمكننا من حساب كميات الحجارة والأسمنت اللازمة لإقامة بناء، أو المواد المستخدمة في رصف طريق، وحسابات الربح والخسارة في إقامة مصنع، ويعلمنا أفضل الطرق لزراعة المحاصيل. أما النهضة الفنية والثقافية فهي من شأن النفس أو الروح وحدها، لا يدخل فيها العقل. فالعقل لا يستطيع قياس الجمال في أي شيء. قد يستطيع العقل حساب عدد الكلمات والأحرف في القصيدة، وقد يستطيع كذلك حساب بحرها وعلاّته. لكنه لا يستطيع قياس جمالها وإبداعها وأصالتها. يستطيع العلم أن يقيس كمية اللون المستخدمة في اللوحة، ونوعيته ومقدار ليونته أو جفافه، لكنه لا يستطيع أبداً أن يقيس ما فيها من جمال وتعبير. فالجمال، مثل الخير، مقياس ذاتي ليس في مقدور العلم والعقل إدراكه.

ونرى في كثير من الحقب التاريخية أن الحضارة (بمفهوم المدنية) والثقافة (الأخلاق والفن)، لا يسيران معاً. بل هما نادراً ما يسيران معاً في اتجاه واحد. فروما مثلاً كانت مثالاً شديد الوضوح لحضارة كبرى بلا ثقافة، بل إن دينها نفسه يكاد يكون مستورداً من الإغريق. وترى قريباً من ذلك في أمريكا اليوم. فمعظم الفنون لديهم مستوردة من بلاد الدنيا مع المهاجرين. في حين أن السكان الأصليين لأمريكا كانوا أصحاب ثقافة روحية عالية جدا، برغم بقائهم في أول درجات سلم الحضارة.

والأخلاق نابعة من النفس، التي عجز العلم حتى اليوم عن إدراك حقيقة كنهها، أو الروح التي هي من أمر ربي. النفس التي تعرف الفن، وترى الفضيلة والرذيلة، والجمال والقبح، تقيس الأمور بمقياس لا يدركه العقل، وربما لا يقبله. فالعقل لا يرى شيئا أجمل من شيء، ولا شيء هو أقبح من شيء.

العقل لا يرى الخير إلا فيما ينفع، ولا الشر إلا فيما يضر. فمقياس العقل هو النفع والضر، وعلى أساسه يحكم العقل. فالفعل يكون حسناً في العقل إذا كان يؤدي إلى النتائج المطلوبة، ولكنه لا يحمل قيمة ذاتية في نفسه.

في حين أن أساس حكم الأخلاق هو استحسان الفعل أو استحسان تركه في ذاته أو مسببّاته، وليس في نتائجه. فالأخلاق وحدها هي التي تجعل الفعل حسناً أو فاضلاً وإن لم يؤد إلى شيء. هي التي تجعل من الشهيد، الذي قتل في عملية فدائية فاشلة، بطلاً. وتجعل الصدق فضيلة وإن أدى إلى قتل صاحبه، وتصنع من التضحية مجداًً في ذاتها وإن لم تؤد إلى شيء.

يقول البعض، إن العقل الصحيح لا بد أن يصل بك إلى الأخلاق الصحيحة. وهذا قول غير صحيح. بل الصحيح أن العقل، بتأثير من الموروث الأخلاقي، يجعلك تبحث عن تبرير عقلي للأخلاق. فتبحث في منافع الصدق، وفوائد الأمانة، وأرباح التضحية. ويخوض بعض الفلاسفة في الأمر حتى يصلوا إلى الرأي القائل “تضحية الإنسان بنفسه بوازع من مصلحته الذاتية“!!

ولكن الانطلاق من المصالح الشخصية لا يصل بك إلى الأخلاق من أي طريق سلكت. فلا صلة بين الجهتين. بل إن كلا منهما ينتمي إلى عالم مختلف عن الآخر.

والأخلاق في الحقيقة تناقض العقل في أحيان كثيرة.

فالعقل، الذي يعتمد المصلحة مقياساً للصلاح، هو الذي وضع أساس التفرقة بين البشر. في حين أن المساواة أصل أخلاقي، لا يؤدي إليه العقل.

والفتى الذي نراه واقفاً أمام الدبابة حاملاً في يده حجراً، هو بطل بالمقياس الأخلاقي، برغم أن العقل يقول إنه لا يمكن أن يصد الدبابة بصدره العاري، ولا أن يردها بحجره الذي يحمله.

والقصة الشهيرة عن الشهداء الثلاثة الذين آثر كل منهم أصحابه بالماء، فماتوا جميعاً ولم يشرب منهم أحد شيئاً، لا يمكن تفسير فعلهم هذا على ضوء العقل، وإنما بالأخلاق والدين فقط يمكن فهم ما فعلوا.

فالصدق والشجاعة والإيثار، بل والأمانة والعفة. كلها صفات يتصف بها صاحب الخلق ليس بغرض تحقيق مصالح في الدنيا، وإلا لم تكن أخلاقاً، وإنما تحولت إلى تجارة بالأخلاق. ولذلك يستحيل على العقل أن يبررها في كل الأحوال. إن تبسمك في وجه أخيك صدقة، إذا أردت بها وجه الله تعالى، ولكنها تجارة إذا أردت بها كسب الدنيا من ورائه أو تحقيق مصالح منه. وهذا يلقي ضوءا على دور النية في الحكم الأخلاقي على الأمور. وهي كذلك مما يدور في النفس، ولا يمكن قياسه بالعلم.

إن العقل يهتم بما تؤدي إليه الأفعال والأحداث. ويعمل في قياس الكميات والأوزان، ويعتمد الأرقام لغة له. فلا فرق في العلم بين زراعة القمح وزراعة الخشخاش، إلا في مقدار العائد الذي يتحقق للزارع، ومناسبة الأرض والمناخ للزراعة. والأخلاق هي التي تجعل من زراعة القمح فضيلة، ومن زراعة الخشخاش رذيلة. العقل لا يرى سبباً يجعلك تخوض معركة لا يمكن أن تنتصر فيها. لكن الأخلاق تدفعك إلى ذلك دفعاً.

فإذا كان العقل لا يؤدي إلى إدراك الأخلاق، لأنها خارج اختصاص عمله، ولأنها خارج اهتماماته أساساً، فمن أين أتت الأخلاق إلى البشر؟ لابد لها من مصدر غير عقلي، أو فوق عقلي، مصدر من عالم ما وراء الطبيعة.

لذلك فإن الأخلاق لابد أن يكون مصدرها إلهي، وعملها في الروح، وإدراكها في النفس.

وبرغم أن الأخلاق كمبادئ وقيم، مصدرها الوحيد هو الدين، إلا أن ممارستها قد تستمر برغم غياب هذا الدين أو اندثاره، فهي تظل موروثاً دينياً يمتد حتى بعد غياب الدين أو تشوه حقائقه. كما تظل بعض المظاهر والعادات تنتقل بين الأجيال برغم تغير الأديان والعقائد والثقافات، فتظل موروثاً ثقافياً مستمراً وإن جهلنا أصله ومنشأه.

وإذا نظرنا إلى حال عرب الجاهلية، الذين انعدم عندهم الوازع الديني بعد انحراف عقيدتهم وفساد دينهم. رأينا أن قيم الحق والخير ما زالت لديهم. فهم يقدرون الشجاعة والنجدة والكرم والصدق والعطاء، ويثنون على أصحاب هذه الصفات الحميدة. برغم أنهم لم يكونوا أصحاب دين قويم، ولا حضارة معتبرة، ولا عرفوا بالفكر والفلسفة. فمن أين لهم هذا الموروث الأخلاقي، إن لم يكن من بقايا دين إبراهيم عليه السلام، أم من بقايا قوم هود وصالح وشعيب عليهم السلام؟

قد يقول البعض إن لدى الأديان غير السماوية أخلاقاً طيبة. مثل البوذية مثلاُ. ولكن بوذا نفسه لم يبتدع هذه الأخلاق. ولا كان يظن أن الصدق خطيئة، فلما جلس للتأمل، في جلسته الشهيرة التي خرج منها بمبادئه التي دعا إليها، قرر أن يكون الصدق فضيلة والكذب رذيلة.

بل إن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كان معروفاً في قريش بالصادق الأمين، وذلك قبل بعثته. فمن أين كان له هذا الخلق؟ وكيف عرف العرب، قبل الإسلام، أن هذه الأخلاق تستحق الحمد والتقدير؟ أليس من بقايا دين قد درس وإن بقى منه بقية من أثر!

وإذا رجعنا بالأمر إلى بداياته، فإن أول إنسان قد خلقه الله هو آدم. فالله قد خلق آدم من تراب، ونفخ فيه من روحه، وعلمه الأسماء كلها. فلا يعقل أن يخلق الله آدم ولا يعلمه ديناً يرضاه الله تعالى. ولا يعقل كذلك أن يمتنع آدم عن تعليم أولاده ما علمه الله تعالى. ومن هنا فنحن نرى أن أصل كل الأخلاق الفاضلة هو دين أنزله الله على عباده، وأمرهم باتّباعه، وسوف يحاسبهم عليه يوم تقوم الساعة.


Advertisements

علمني أبي 1


درس في التعامل مع الناس
وحوادث الأيام

حدث في أحد أيام صباي أن غضبت من أحد أقاربي، وقاطعته وقررت أن لا أكلمه. وبعد أيام رفضت خلالها عدد من الوساطات لإعادة الأمور إلى طبيعتها، دعاني أبي وسألني:”هل تنوي أن تقاطعه إلى الأبد؟ هل هذه هي الصورة النهائية للعلاقة بينكما كما تريدها؟” فأجبته:”لا. إنما هي أيام ويعود كل شيء إلى طبيعته.”

فقال لي:” إذن لماذا تطيل الأمر؟ هل تنتظر حدوث شيء معين؟” قلت:”لا، سأنتظر بضع أيام ثم تعود الأمور كما كانت”

فقال :” كلما طال الوقت كانت العودة أصعب عليك وأصعب عليه. وحتى إذا عدتما أصدقاء كما كنتما فإن فترة القطيعة تترك أثرا في النفس يزداد كلما طالت المدة، ثم أنت اليوم تدعى إلى الصلح فتأبى، ثم تريد غدا أن تذهب – دون دعوة- إلى الصلح الذي أبيت. فأيهما أكرم لك أن تُدعى فتجيب أم أن تذهب دون دعوة؟ وما أدراك أن تأخذه العزة بعد قطيعتك له فيرفض الصلح. أنت بما تفعله تغلق باب العودة بينكما ربما إلى الأبد.” فذهبت إلى قريبي وتصالحنا ومازال إلى اليوم من أقرب الناس إلي.

وقال لي أبي يوما:” إذا أردت أن تقاطع شخصا، فافعل دون كلام. لا تحتاج إلى أن تخبر الدنيا بذلك. فإذا أردت أن تعود إليه يوما كان من السهل عليك ذلك. أما إذا أعلنت عن رغبتك في مقاطعته كان من الصعب أن تعيد العلاقة إلى ما كانت. وإذا استطعت ذلك كان بثمن كبير. يا بني افتح لنفسك دائما خطا آمنا للتراجع. فإنك لا تدري ما يحدث غدا. لا تحاصر نفسك ولا تحاصر خصمك. فإنك إن حاصرت نفسك فقدت القدرة على تصحيح أوضاعك إذا احتجت إلى ذلك. وإذا حاصرت خصمك أجبرته على قتالك. إما إذا أتحت له فرصة الانسحاب المشرف دون أن تجرح كرامته فسيترك لك ما تريد. فتحصل منه على ما تريد بأقل ثمن ممكن. أما إذا حوصر فإنه سيقاتل من أجل حفظ ماء وجهه، فأنت بين أن تخسر ماتريد، أو أن تحصل عليه بثمن فادح.”

كان هذان الدرسان أو هذا الدرس من جزئين، من أهم ما علمني أبي في التعامل مع الناس ومع حوادث الأيام. ومن أوائل ما علمني في هذا الشأن.