بين مصر وإيران

بين مصر وإيران

 

تقوم العلاقات الدولية بين الدول على أساس مصالح كل دولة. مهما تباينت عقائد هذه الدول. ولكل دولة مجموعة مصالح تحرص على تحقيقها والمحافظة عليها، ومجموعة من المخاطر التي تراقبها وتعمل على تجنبها. في ظل هذا التدافع بين مصالح الدول، تنشأ تعاملات وتحالفات مؤقتة، وتنشأ في الوقت ذاته خلافات. وعلى الدول العاقلة أن تحكم تحالفاتها وخلافاتها المؤقتة (التكتيكية)، بالنظرة الاستراتيجية للمصالح والمخاطر. هذه النظرة الاستراتيجية التي يسميها البعض “رؤية المستقبل” والبعض يسميها “المشروع الوطني” أو “المشروع القومي”. كما أن علاقات الدول يؤثر فيها عنصر الجغرافيا السياسية أكثر من أي عنصر آخر. فمصالح الدول الجغرافية لا تكاد تتغير كثيرا.

بالنسبة لمنطقتنا، هناك ثلاث دول كبيرة محورية في المنطقة، مصر وتركيا وإيران. هذه هي الدول الثلاث المحورية في المنطقة. وبينها مجموعة مصالح وبينها تنافس طبيعي على الصدارة عبر التاريخ.

فن السياسة الخارجية، يقتضي توظيف خلافات الدول المختلفة لصالحي. بدلا من السماح لهم بتوظيف خلافاتي مع الآخرين لصالحهم. أمريكا تستفيد كثيراً من الخلافات الإيرانية العربية، والعربية العربية، وبقاء الكيان الإسرائيلي مرهون باستمرار الخلافات العربية العربية. والإسلامية الإسلامية. وليس من العقل أن أحشد كل من يخالفني في جبهة واحدة، بل إن العقل يقتضي أن أفرق كلمتهم، وأن أحقق باختلافهم مصالحي بأقل تكلفة ممكنة.

كان هناك ثلاث دول في العالم ليس لها علاقات سياسية مباشرة مع إيران، الولايات المتحدة الأمريكية، والكيان الإسرائيلي، وجمهورية مصر العربية.  وهذا وحده لا يليق بمصر.

إقامة علاقات سياسية أو اقتصادية بين أي دولتين في العالم لا يعني بالضرورة تبعية أي منهم للأخرى.

هذه معطيات أساسية للنظر في موضوع العلاقات المصرية الإيرانية.

أبرز الاعتراضات على إقامة علاقات مصرية مع إيران،

أ‌)       التدخل الإيراني في دول الخليج العربي.

ب‌)  نشاط إيران في نشر التشيع.

ت‌)  دعم إيران لنظام بشار الأسد.

ث‌)  اضطهاد السنة في إيران

القطيعة بين إيران ومصر استمرت أكثر من ثلاثين سنة، فهل تغير شيء من هذه الاعتراضات. هل ساهمت هذه القطيعة في دعم الأمن الخليجي؟ أو في استعادة أي من حقوق السنة في إيران؟ هل توقف نشر التشيع في أي مكان، وحتى في مصر نفسها؟

ماذا تملك مصر في ظل الأوضاع الراهنة من أرواق تضغط بها على إيران لتغيير سياساتها؟ أحسب أن وجود علاقات سياسية يمنح مصر ورقة إضافية في التفاوض مع إيران من أجل تحقيق ما تريده مصر، إذا كانت مصر تعرف ما تريد.

قبل أعوام، ذهب رجل فرد من مصر إلى إيران، رجل عالم فقيه يعرف كيف يتفاوض وكيف يحاور وكيف يعرض وجهة نظره. فحقق للسنة أضعاف ما حققته القطيعة المصرية الإيرانية. وأقنع النظام الإيراني بتغيير الدستور وإعطاء السنة المزيد من الحقوق. هذا هو الفارق الأساسي بين القطيعة العمياء، والعلاقات المبصرة.

من المفروغ منه، في ظني، أن علاقة مصر بإيران لا يمكن أن تكون على حساب أمن الخليج، لأن أمن الخليج يدخل في دائرة الأمن المصري بالضرورة. ودائرة الأمن المصري كانت قديماً تمتد من الشام إلى الحجاز إلى السودان إلى طرابلس (أو تونس). واليوم أصبحت الدائرة تشمل دول الخليج العربي وتمتد إلى جنوب السودان وتصل إلى تونس غرباً وتركيا شمالاً. هذه هي مصر المكان (حسب تعبير الأستاذ فهمي هويدي).

من وجهة نظر أخرى، هؤلاء المتعرضين على العلاقات المصرية مع إيران، لم نسمع لهم قولاً في العلاقات مع الصين أو روسيا أو اليابان أو قبرص.

يمكننا القول بأن علاقة مصر بإيران يجب أن تكون محكومة بمجموعة عناصر، منها:

  • الحرص على الأمن القومي المصري الممتد في الحدود السابق ذكرها على الأقل.
  • الحرص على عدم السماح بالتدخل في الشؤون الداخلية لمصر.
  • عدم السماح بنشر التشيع في مصر.

علينا أن نقيم علاقات قوية مع إيران، ولكن بصيغة تحقق لنا مصالحنا وتجنبنا المخاطر التي نخشاها، وكذلك الأمر مع دول العالم كافة.

أما مسألة نشر التشيع، فهذه في تقديري مسألة مختلفة عن العلاقات السياسية. وهذه علاجها لا يوم بالقطيعة السياسية، ولا بسب الشيعة ومذهبهم، ولا بنشر مبالغات وأكاذيب. وإنما بنشر صحيح العلم، بالاهتمام بتعليم اللغة العربية الصحيحة والفقه والشريعة والتاريخ. فهذه هذه الثغور الثقافية التي يتسلل منها كل من يحاربنا ثقافياً. وهذا ملف آخر يطول فيه الحديث.

التحرش بالجيش والشرطة يوم عيد الثورة الأول

التحرش بالجيش والشرطة يوم عيد الثورة الأول

شهادة لله وللوطن

د. سلوى محمد سليم

باحثة في مجال العلاقات بين الشرطة والمجتمع

جامعة عين شمس – القاهرة

لمصلحة من تحرك شابان في فورة غضب عنيفة مفتعلة وحاولا إثارة الجماهير التي كانت توشك أن تنصرف راضية مرضية بعد الصلاة والخطب وصلاة الغائب على أرواح الشهداء؟

رأيت بعيني هذين الشابين اللذين هجما فجأة على دائرة المجندين وبعض أفراد الشرطة والجيش الذين كانوا يحيطون بالصينية في وسط الميدان..

رأيتهما يخرجان من وسط الجموع متجهين بعنف نحو الصينية وكنت قريبة منهما جدا..

دون أن يحركهما شيء بعينه فالجيش والشرطة كانوا في منتهى الاحترام طول الوقت وكانا يتصرفان مع الجموع بتهذيب ومودة لم أرها من الشرطة المصرية منذ “وعيت على الدنيا”

وإذا بهذين الشابين يصرخان في حالة غضب جارفة لم أملك إلا أن أشعر بأنها مفتعلة حقا وبدت لي كمسرحية مبالغ فيها

كفاية بأة.. كفاية شغل التصوير بتاعكو ده.. مش هتبطلوا بأه.. امشوا ياللا أمشوا.. مش عاوزينكم هنا.

صراخ عنيف مصحوب بحركات عنيفة في الجسد وهجوم نحو الشرطة وضابط الجيش- الذي بقي في مكانه دون أن يتحرك أو يغير تعبير وجهه أو يرد عليهما –

لم ينقصه ليكون تحرشا فعليا إلا أن يمسك بالفعل تلابيبه ويلتحم معه في مشاجرة حقيقية.

بقي الضابط صامتا ولم يرد إلا بابتسامات مهذبة.. ولم يرد أحد من الشرطة الذين أدركوا أن ما يحدث ما هو إلا محاولة استفزاز رخيصة عليهم احتواؤها.

كل هذا وسط ذهول المحيطين مما يحدث لأنهم لم يروا له أي مبرر..

أخذت أصرخ في المحيطين بي وانا أشد بيدي على أيدي صغاري الثلاثة لئلا يفزعوا ويضيعوا مني في الزحام.. وقفوهم رجعوهم.. مش عاوزين مشكلة الشرطة ما عملتش حاجة..

لم يوقفهما أحد وفعلا تعجبت من صمت الجمهور

ثم فهمت أنهم يتجنبون الصدام

ولكنهم بحكمة مصرية خالصة بدأوا يتوجهون نحو الشرطة والضابط ويصافحونهم ويهنئونهم بالعيد.. واستمرت هذه المصافحات من الجماهير حتى انصرفنا في السابعة والربع

ثم أحاط بالشابين عدد صغير من الناس لا يجاوز المئتين وبدأوا يهتفون.. برة.. برة.. برة

وهم يشيرون نحو الشرطة وضباط الجيش..

لماذا؟

لماذا كل هذا الغضب ولمصلحة من استفزازهم؟

ما كان من الناس إلا أن بدأوا يهونون على الضباط ما يحدث ويوصونهم بالثبات والتزام الحكمة.. وقال لي أحدهم ما تخافوش.. احنا هنستوعبهم من غير مشاكل..

والحمد لله فعلا لم تحدث أية مشكلة واستمرت المظاهرة الصغيرة في الهتاف ضد الجيش والمشير والشرطة مع استفزازات بين الحين والآخر والضباط ينظرون إلى بعضهم بعضا أحيانا بصبر غير نافد وإلى الجمع أحيانا أخرى بابتسامات

مهذبة جدا

أشهد أني ما رأيت مثل هذه الحكمة ولا المودة من الشرطة من قبل أبدا..

وأني لم أظن أني سأعيش لأراها

أخذ الناس يدورون حول الصينية ويصافحون العساكر والضباط ويهنئونهم بالعيد

وانتشر عدد قليل جدا من البنات شديدات الحماس لمسألة تحريض الناس على الجيش- انتشرن بين الجموع يشرحن للجمع غير الغاضب أنه يجب أن يغضب وأن الجيش مزودها.. إلخ إلخ..

بصراحة مش عارفة مين اللي مزودها النهاردة..

وفي طريق انصرافي قررت أن أكتب هذه الشهادة للنشر حتى إذا ما تطور الأمر مساء واعتقل شخص نعرف جميعا أصل الحكاية

حكاية المحاولة المتعمدة لاستفزاز من وقفوا لحمايتنا في أثناء الصلاة.. وصلى منهم معنا من صلى صلاة الغائب على شهدائنا وشهداء المسلمين جميعا..

ومانقولش الشرطة العسكرية اعتقلت المصلين دون سبب

وبتحاكم الثوار..

دول مش ثوار..دول مخربين ومثيرين للوقيعة..

يا ترى الأحداث السابقة اللي أدت لاعتقال آخرين في الميدان كانت من نفس النوع؟

أنا ما شفتهاش.. لكن شفت دي بعيني..

وهذه شهادتي عليها لله وللوطن

رعى الله مصر شعبا وجيشا وشرطة..

إيد واحدة

 


ثورة البحرين

ثورة البحرين

بعد نجاح الثورة التونسية في إسقاط نظام بن علي، استيقظ الأمل في صدور الشعوب العربية للتخلص من الطغيان والاستبداد. وبعد نجاح الثورة المصرية في إسقاط نظام حسني مبارك، أيقنت الشعوب أن بقاء تلك الأنظمة يعتمد على قبول الشعوب أكثر مما يعتمد على الدعم الخارجي. فقام الشعب في ليبيا واليمن. وكذلك بدأت تحركات البحرين، التي سماها البعض ثورة شعبية، واعتبرها البعض مؤامرة إيرانية ضد البحرين.

بدأت أحداث البحرين في 14 فبراير، ذكرى الميثاق الوطني الذي تم إقراره بموجب استفتاء في العام 2001، بمظاهرات ومسيرات من أماكن متعددة في البحرين، وإن كان أكبر تلك المسيرات كانت من قرى شيعية، ولكنها ضمت بعض السنة. وكانت المطالب الأساسية المعلنة متعددة ومتفاوتة، بين المطالبة ببعض الإصلاحات السياسية مثل العودة إلى الميثاق وإلغاء دستور عام 2002، وإسقاط الوزارة وإقالة رئيس الوزراء، ومكافحة الفساد، وإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، وبين الدعوة إلى إقرار ملكية دستورية، ودعت أصوات قليلة وهامشية إلى إلغاء النظام الملكي كاملاً والتحول إلى جمهورية. هذا التعدد في المطالب كان أكبر نقاط الضعف في تلك التحركات. فبالرغم من أن كثير من المطالب تلقى قبولا واسعاً، مثل مكافحة الفساد وضرورة إجراء إصلاحات دستورية، إلا أن المطالب المغالية مثل إسقاط الملكية وطرد آل خليفة من البحرين لم تكن محل قبول فئات كثيرة من الشعب.

وكانت المسيرة في مجملها سلمية من المتظاهرين، وإن شابها بعض الاشتباكات مع الأمن، أدت إلى مقتل شخصين من المتظاهرين، وانتهت المسيرة بتمركز المتظاهرين في دوار مجلس التعاون الخليجي – والمعروف شعبياً باسم دوار اللؤلؤة. وبرغم أن المطالب كانت في ظاهرها مطالب وطنية بامتياز، ولكن الأغلبية الكبرى للمتظاهرين كانت من الشيعة العرب (البحارنة). مما أعطاها صيغة طائفية، برغم من مشاركة بعض السنة.

في اليوم التالي مباشرة، ألقى الملك كلمة قدم فيها العزاء لضحايا الأحداث، وأمر تشكيل لجنة تحقيق، وأعلنت وزارة الداخلية عن التحفظ على المسؤولين عن وفاة الشخصين.

بعد وصول المتظاهرين إلى الدوار، اعتبر البعض منهم أنهم قد انتصروا على قوات الأمن، وأنهم يحوزون تأييد الأغلبية الكبرى من الشارع البحريني، وبالتالي فقد رفع البعض سقف مطالبهم إلى إسقاط الملكية. مكررين نفس العبارات التي قيلت في الثورة المصرية، من أن المطالب السابقة قد سقطت، وأن سقف المطالب قد ارتفع.

كان رد الأجهزة الأمنية حاداً وعنيفاً، عندما قامت في فجر 17 فبراير بإخلاء الدوار بالقوة، وكان هجوم قوات الأمن فجراً. في توقيت اعتبره المتظاهرون جريمة، وبررت الحكومة التوقيت بأنه استهدف وجود أقل عدد من الأشخاص. وهذا الهجوم لم يكن مبررا عند كثير من الشعب، وأكسب المتظاهرين تعاطفاً واسعاً، ولكنه تعاطف لا يصل إلى حد التأييد. فقد كان الشارع السني يشعر بأن الدعوة لهذه المظاهرات شيعية في مبتدئها، وشيعية في جمهورها. ومع إخلاء الدوار بالقوة، نزلت قوة دفاع البحرين إلى المنطقة لتأمين عملية إخلاء الدوار، ولم تشارك في عملية الإخلاء.

بعد هذه الحادثة الدامية، التي راح ضحيتها عدد من القتلى والمصابين من الجانبين، تعهد المعارضون بتسيير مظاهرات حاشدة لتشييع القتلى، والاستمرار في المطالبة بإسقاط النظام. وسارت المظاهرات لتهاجم المستشفي الرئيسي في البحرين – مجمع السلمانية الطبي. وانتشرت إشاعات عن تعرض المتظاهرين لإطلاق الرصاص الحي والقناصة من طائرات عمودية، وهي إشاعات ثبت كذبها.

بالمقابل، في يوم 18/2 تنادى المؤيدون للحكومة للخروج في مسيرة مقابلة، مسيرة الوفاء التي اتجهت إلى مسجد الفاتح، وقد كانت أعداد المشاركين فيها مقاربة لأعداد المتظاهرين في الجهة المقابلة، وكانت هذه المسيرة بأغلبية سنية. الأمر الذي كرس بوضوح انقسام الشارع البحريني، بين مؤيد ومعارض، وبالتالي لم يعد أحد يستطيع حقاً أن يدعي التعبير عن الشعب. فكل هتاف يزعم أن الشعب يريد، لم يكن له سند حقيقي على الأرض. وأقصى ما يصدق عليه أن بعض الشعب يريد.

وجاءت أول خطوات التهدئة من ولي عهد البحرين الشيخ سلمان بن حمد، الذي توجه إلى التلفزيون البحريني ليوجه دعوة إلى الجميع بالتهدئة ودعا إلى حوار وطني يضم جميع القوى السياسية والمجتمعية للوصول إلى مخرج للأزمة وتفادي الانشقاق الطائفي. متعهدا في الوقت نفسه بأن يقوم بسحب قوات الجيش، والسماح للمتظاهرين بالاعتصام في الدوار، واحترام حق التظاهر السلمي. وقد نفذ بالفعل ما وعد به. ففي اليوم التالي انسحبت مدرعات الجيش، وظل الأمن محيطاً بمنطقة الدوار الذي استعاده المتظاهرون. وقد وردت أنباء عن وقوع اشتباكات محدودة بين الأمن والمتظاهرين أثناء عودتهم إلى الدوار. وفي الوقت نفسه أصدر الملك عفوا شاملاً عن المحكومين والمتهمين بقضايا (اعتبرها المتظاهرون سياسية)، وإن كان من بينها أعمال تخريب وقتل أفراد من الشرطة.

ومع عودة المعتصمين إلى الدوار، اعتصم عدد منهم بساحة مركز السلمانية الطبي، مما أعاق عمل المستشفى بدرجة كبيرة، وهي المستشفى الذي يعتمد عليه سكان البحرين بدرجة كبيرة جدا. وقد وردت روايات كثيرة عن تعطيل عمل المستشفى، ورفض بعض العاملين فيه علاج مرضى أو إرسال سيارات الإسعاف لمصابين في حالات عديدة. هذه الممارسات كانت لها أثرها السلبي في التعاطف الشعبي مع المتظاهرين.

وبعدها بدأت إضرابات واسعة من قبل الموظفين الشيعة، في عدد كبير من القطاعات، وكان أكثر القطاعات تضررا وتأثرا هي التعليم والمستشفيات. وعند بداية الفصل الدراسي الثاني، بدا العجز واضحا في عدد المدرسين الذين قام الكثير منهم بتسجيل حضورهم تفادياً لأي إجراء قانوني، ثم الاعتصام أمام المدارس أو مغادرتها. قامت الحكومة بفتح باب التطوع للمواطنين من أجل تغطية العجز في عدد المدرسين، وتقدم عدد من المدرسين السابقين أو المؤهلين للتدريس وبعض أولياء أمور الطلبة من أجل العمل التطوعي في المدارس لسد العجز الحادث. وقوبل هذا الأمر في بعض المدارس بالرفض من الإدارة أو الإساءة إلى المتطوعين، وصل إلى حد قيام بعض إدارات المدارس بإهانة المتطوعين أمام الطلبة. وبدا أن هناك حشد للطلبة من أجل الاعتصام أمام المدارس. ومع تنوع مواقف الطلبة (تبعاً لأسرهم، وتبعاً لانتمائهم) حدث عدد من الصدامات بين الطلبة في المدارس. الأمر الذي زاد من احتقان الأوضاع. وصل في بعض المدارس إلى استعمال السلاح الأبيض والتهديد بالمقصات في إحدى مدارس البنات.

أمام هذا الانقسام الواضح في الشارع، أطلق الشيخ عبد اللطيف المحمود الدعوة إلى تجمع الوحدة الوطنية. منادياً بالاتفاق على عدد من الإصلاحات، وعدم تحويل الوضع إلى فتنة على أساس طائفي. ودعا جميع الأطراف إلى التهدئة والحوار من أجل التوصل إلى مخرج من الأزمة الحالية دون أن تتسبب في خسائر كبيرة على المدى الطويل، والخسائر هنا تتعلق بالعلاقات بين أبناء الوطن الواحد. ودعا كذلك إلى معاجلة المشاكل العالقة، وتحقيق المطالب المشروعة مثل محاربة الفساد، وزيادة صلاحيات البرلمان، ومعالجة البطالة، وزيادة الرواتب، وغيرها.

أعلنت الجمعيات السبع (تحالف سبع جمعيات معارضة أبرزها جمعية وعد (ليبرالية) وجمعية الوفاق التي تعتبر الممثل السياسي الرئيسي للشيعة) قبولها لمبدأ الحوار، بشرط أن يوافق عليه شباب 14 فبراير. (وهي كيان افتراضي غير معرّف). وقالت الجمعيات إنها لا سيطرة لها على شباب الدوار أو ما سمي بشباب 14 فبراير.

وضع المتظاهرون عدد من الشروط للبدء في الحوار، واستجابت الحكومة لبعض هذه المطالب، فقامت بإجراء تغيير وزاري شمل عدد من الوزراء، وكان الملك قد أصدر عفواً عاماً عن المحكومين والمتهمين في قضايا سياسية (ومنها قضايا جنائية كذلك). وشمل هذا العفو حسن مشيمع (رئيس حركة حق) المتهم في قضية محاولة قلب نظام الحكم التي كانت منظورة أمام المحكمة. (والذي كان لاجئاً في لندن، وعاد بعد هذا العفو إلى البحرين)، وكان له دور كبير في تفجير الأوضاع بعد عودته.

استقر الوضع نسبياً على اعتصام الشباب بالدوار ومستشفى السلمانية، وسعت الحكومة إلى تسيير الأمور بشكل طبيعي قدر الإمكان. كما أعلنت يوم الجمعة 25/2 يوم حداد وطني حزناً على ضحايا الأحداث الأخيرة من أبناء الوطن.

لجأت الحكومة إلى التهدئة، أملا في الوصول إلى مخرج سلمي للأزمة، يجنب البلاد مخاطر الفتنة الطائفية. وراهن المتظاهرون على عدم قدرة الحكومة على تحمل الأوضاع، وعلى بعض التأييد الدولي أو التدخل الخارجي. وهو الأمر الذي أظهرته بوضوح المسيرات المتجهة إلى السفارات الأمريكية والبريطانية في البحرين، بالإضافة إلى ما قاله علي سلمان (رئيس جمعية الوفاق) في وقت لاحق.

عندما شعر المتظاهرون أن الاعتصام والدعوة للإضراب لم تؤثر بالشكل الذي توقعوه، بدؤوا في التصعيد بغرض فرض إرادتهم على النظام. وكان ذلك بعد عودة حسن مشيمع. فتعددت المسيرات اليومية إلى الوزارات والمؤسسة العامة لرئاسة مجلس الوزراء ومقر مجلس النواب والشورى وغيرها من المرافق العامة، ثم جاءت مسيرة إغلاق المرفأ المالي (الأولى)، وهو المركز المالي الذي يضم عدد كبير من البنوك والمؤسسات المالية. وقام المتظاهرون بإغلاق الطريق المؤدي إلى المرفأ. وأثناء خروج إحدى السيدات من المرفأ، وجدت الطريق مغلقاً، وكان بعض المنظمين للمسيرة يحاولون فتح الطريق أمامها، ومع تدافع الناس حولها، شعرت بالارتباك، وما إن وجدت فرجة تكفي لمرورها حتى اندفعت مسرعة، وأصابت أحد المنظمين إصابة طفيفة. هذه الحادثة تم تصويرها على جانب أنها عملية دهس متعمدة للمتظاهرين، الذي قاموا بالوصول إلى بيانات السيارة من إدارة المرور، ونشرت هذه البيانات في وسائل الإعلام، مع التهديد بالانتقام منها. وفي الجهة الأخرى تصور المؤيدون من السنة أن الأمر كان تحرشاً بسيدة منهم، الأمر الذي أثارهم أشد الإثارة. وتم تضخيم الأمر من الجهتين حتى وصل إلى محاولة الاعتداء على منزل السيدة في منطقة البسيتين بواسطة المعارضين، وتصدى لهذا الهجوم شباب المنطقة. وبدأ بعدها عمل اللجان الشعبية بشكل عشوائي في شوارع البحرين. فبدأ أهل كل حي في التواجد في مداخل الحي وعند التقاطعات لمراقبة السيارات القادمة إلى منطقتهم.

بعدها ألقى كل من السيد منصور الجمري، رئيس تحرير جريدة الوسط، وهو ابن أحد رموز المعارضة، والسيدة منيرة فخرو إحدى قيادات جمعية وعد (جمعية معارضة ليبرالية) كلمة في المتظاهرين، ودعا كل منهم إلى قبول دعوة ولي العهد بالحوار الوطني. ورفض أهل الدوار أي حوار مع الحكومة.

دعا تجمع الوحدة الوطنية إلى حشد جديد، وألقى الشيخ عبد اللطيف المحمود كلمة استنكر فيها رفض المتظاهرون لدعوة الحوار، وحملهم المسؤولية عما يحدث نتيجة لهذا الموقف. ودعا الحكومة إلى إقرار الأمن، وإعادة الأمور إلى نصابها، وتطبيق القانون الخاص بالمسيرات والمظاهرات.

مع استمرار الوضع المتأرجح بين تصعيد وتهدئة، تعددت المسيرات إلى أماكن متفرقة كان منها مسيرة إلى السفارة الأمريكية، حيث التقى وفد المتظاهرين بمسؤولين من السفارة الأمريكية. ثم لقاء للشيخ عبد اللطيف المحمود مع قادة الجمعيات السبع من أجل فتح باب الحوار الذي لا يزال موصداً. وأعلن الشيخ المحمود بعدها أن الجمعيات أبدت تفهماً واحتراماً لمطالب تجمع الوحدة الوطنية. وشاع أنهم قالوا إنهم يرغبون في الحوار، ولكن جمعية الوفاق (ممثلة التيار الشيعي المعارض في مجلس النواب) لا تستطيع أن تخالف أمر المرجعيات الدينية. ثم جاءت مسيرة إلى إدارة الهجرة والجوازات، وخرج بعض المتظاهرون عن المسيرة ليعتدوا على مركز تحفيظ القرآن في مسجد أبي بكر الصديق القريب من الإدارة.

وتعددت أحداث العنف في مناطق متفرقة من البلاد، منها ما تم تهويله ومنها ما لم يثبت وقوعه أصلاً. وساد جو من التوتر والقلق بين أبناء الطائفتين السنية والشيعية، مع وقوع بعض الصدامات في أماكن متفرقة من البلاد.

ثم ظهرت دعوة إلى مسيرة الرفاع، مسيرة إلى الديوان الملكي في منطقة الرفاع، وهي منطقة يسكنها السنة بالكامل، وكل أهلها موالون للملك وللأسرة الحاكمة تماماُ. فأعلن أهل الرفاع رفضهم لأي مسيرة تتجه نحو منطقتهم. كذلك أعلنت الجمعيات السبع (ائتلاف من سبع جمعيات معارضة أهمها وعد والوفاق) رفضها لهذه المسيرة، ودعت إلى مسيرة أخرى في منطقة الدوار. إلا أن المتظاهرون اتجهوا فعلا إلى الرفاع، ليستقبلهم أهلها في دوار الساعة (عند مدخل الرفاع) بالعصى والسلاح الأبيض. ووقفت قوات الأمن بين الفريقين. ومع ذلك فقد وقع اشتباك بين الفريقين اضطر معه الأمن إلى تفريق الجميع باستخدام القنابل المسيلة للدموع. هذا الاشتباك الذي اتهم كل فريق الفريق الآخر بالمسؤولية عن وقوعه.

بعد هذه المسيرة، بدا واضحاً أن عملية التصعيد مستمرة، وأن الرفض السني لهذه الأعمال يتزايد، وأن الاحتقان الطائفي يتصاعد بشدة. وبدا واضحاً أن الأمور على حافة الانفجار. ففي الرفاع مثلاً قام الأهالي بالاعتداء على عدد من المحال التجارية التي يملكها الشيعة وأجبروها على الإغلاق، وتصدت لهم الشرطة وتم توقيف عدد منهم. بعد هذه المسيرة بدا من الواضح أن تأثير الجمعيات السبع ليس مؤثراً في الوضع، إلا إذا كان موقفهم العلني مخالفاً لموقفهم بين أنصارهم – وهي التهمة التي أطلقها بعض عناصر الفريق الموالي للنظام.

بالرغم من رفض الجمعيات السبع، والاشتباك الذي وقع، أصر المتظاهرون على إطلاق مسيرة إلى قصر الملك – قصر الصافرية – في اليوم التالي. وكانت المسيرة سلمية تماماً، ولم تشهد أي حشد إضافي للأمن أو أي تواجد للقوات المسلحة. ووقف المتظاهرون أمام القصر، وقام القصر بالمقابل بتقديم التمر والماء للمتظاهرين.

أعلن المتظاهرون بعد هذه المسيرة، أن هدفهم سيكون إغلاق منطقة المرفأ المالي، وتعطيل العمل في البنوك والمؤسسات المالية، والمصالح الحكومية، لإجبار الحكومة على تلبية مطالبهم. وهي المطالب غير المتفق عليها بين المظاهرين أنفسهم. وتفاوتت المطالب بين إسقاط الملكية وطرد الأسرة الحاكمة وإجراء إصلاحات دستورية.

في اليوم التالي، أعلن ولي العهد قبوله لمبادئ الحوار التي طلبها المتظاهرون، قائلاً إن كل المطالب مطروحة على طاولة الحوار، وأنه لا يوجد سقف للإصلاحات. بالمقابل لوحت كتلة الأصالة (جمعية سنية) في البرلمان باستجواب وزير الداخلية عن التقصير في حفظ الأمن منذ 14 فبراير. في اليوم نفسه نفذ المتظاهرون مسيرة إلى مدخل المرفأ المالي، بغرض منع الموظفين من الوصول إلى أعمالهم، وإجبارهم على المشاركة في الإضراب عن العمل. وتعددت أعمال العنف في مختلف أنحاء البحرين، حيث قتل عامل بنغالي، وأصيب 17 عاملاً آسيوياً في أحداث عنف بالمنامة. وقام المتظاهرون، باحتلال الجسر العلوي الذي يمر فوق الدوار، ويربط المنامة بضاحية السيف، وكذلك إغلاق الطريق الرئيسي بين الدوار ومدخل المرفأ المالي، ثم امتد الأمر ليصلوا إلى مدخل المنطقة الدبلوماسية. وتعرض عدد من المقيمين العرب للتهديد بالقتل إذا لم يغادروا البلاد، وتعرض بعض آخر للهجوم عليهم أو التعرض لهم.

في اليوم نفسه وقع حادث الجامعة. حيث قام بعض الطلبة بالتظاهر داخل الجامعة تأييداً للمعتصمين في الدوار، وقابلهم الفريق الآخر بالاستهجان والرفض، وتطور الأمر إلى هجوم عدد من المتظاهرين على بعض المجنسين من طلبة الجامعة، وتطور الأمر إلى اشتباك بين الطلبة، ثم إلى اعتداء على بعض الطالبات. وقام كل فريق بطلب الإمداد والنجدة. فوصلت شاحنات تحمل متظاهرين وقامت باقتحام بوابات الجامعة، ووصلت سيارة إسعاف محملة بعصي وأسلحة بيضاء للمتظاهرين. وبعدها بقليل وصل عدد من أهالي الطلبة لنجدة الطلاب السنة داخل الجامعة، وقاموا بتفريق المتظاهرين الذين أحرقوا بعض أجزاء الجامعة وألحقوا بها تلفيات وأضرار كبيرة.

يوم 14/3، بعد مرور شهر كامل على بداية الأحداث كان الوضع في البحرين على حافة الحرب الأهلية حيث الكل متحفز ومتوتر وجاهز للقتال. فقام الشيخ عبد اللطيف المحمود بزيارة علي سلمان – رئيس جمعية الوفاق، وإبراهيم شريف رئيس جمعية وعد (أبرز جمعيات تحالف الجمعيات السبع). وذلك بناء على طلب من ولي العهد الشيخ سلمان بن حمد. وطلب منهم انتهاز الفرصة لتحقيق المطالب الشعبية، وقال لهم إنها الفرصة الأخيرة لتحقيق أي إصلاح سلمي. وأن الوقت المتاح لم يعد طويلاً. وكانت إجابة الشيخ علي سلمان، إننا لا نخاف أحداً وسوف نستعين بإيران التي ستوفر لنا الحماية. وهكذا باءت المحاولة الأخيرة للحل السلمي بالفشل.

في المساء، تم الإعلان عن وصول قوات سعودية تابعة لقوات درع الجزيرة إلى البحرين، للمساعدة في حفظ الأمن والاستقرار، وحماية المنشآت الحيوية. وكان من الواضح أن دخول القوات السعودية تحت غطاء قوات درع الجزيرة جاء لقطع الطريق أمام أي تدخل إيراني في البحرين، خاصة بعد تصريحات إيرانية، وتصريحات علي سلمان باعتماده على التدخل الإيراني. خاصة أن قوات درع الجزيرة لم تشارك في عمليات فض الاعتصامات أو المداهمات الذي قامت به قوات الأمن البحرينية وحدها.

بعد ذلك مباشرة أعلنت الجمعيات السبع عن موافقتها على الدخول في الحوار الوطني، ولكنها طالبت بأن تكون الدعوة كتابية، كما طالبت بضمانات دولية لتنفيذ أي اتفاق. ولكن كان الوقت قد انتهى والصبر قد نفذ.

في يوم 16 مارس أعلنت الحكومة حالة السلامة الوطنية (الطوارئ). وقامت قوات الأمن بعمليات مداهمة لبعض القرى، وتناثرت أنباء عن ضبط مخازن أسلحة نارية وزجاجات حارقة معدة للاستخدام. هذه المداهمات جعلت الكثيرين يعودون إلى قراهم لتأمين منازلهم. وانخفض عدد المعتصمين في الدوار بدرجة كبيرة. ثم قامت قوات الأمن بإخلاء الدوار من المعتصمين. كان الإخلاء هذه المرة أفضل بكثير من المرة السابقة. إذ نجحت قوات الأمن في فض الاعتصام دون خسائر في الأرواح هذه المرة. ففي البداية، قامت قوات الأمن بتحذير المتظاهرين وإطلاق النار في الهواء. فانسحب معظم المتظاهرون، وقام بعضهم بإشعال النار في الخيام الأمامية التي كان بها اسطوانات غاز، بقصد أن تنفجر الاسطوانات في قوات الأمن المتقدمة نحو الدوار. يقول البعض إن قوات الأمن أطلقت النار باستخدام طائرة مروحية، ونفت الحكومة هذا الأمر، وقالت إن المروحية التي كانت تحلق كانت تقوم بالتصوير فقط. ولكن الثابت هم أن عملية الإخلاء كانت هذه المرة بدون قتلى. وقامت قوات الأمن بتتبع المتظاهرين إلى مناطق سكنهم، لمنعهم من العودة إلى الدوار. كما قام التليفزيون الحكومي بعرض عملية الإخلاء كاملة، وعرض عدد من الأسلحة والزجاجات الحارقة التي كانت معدة للاستخدام في الدوار. بعدها مباشرة كانت عملية إخلاء مجمع السلمانية الطبي، الذي قام المعتصمون بإغلاق مداخلة ولحام الأبواب، ووضع سيارات الإسعاف خلفها لمنع سيارات الأمن من اقتحامها. وقام التلفزيون الحكومي بعرض لقطات تبين نزول عدد من العمال الآسيويين – مكبلين- من سيارات إسعاف في مستشفى السلمانية، وذلك أثناء سيطرة المتظاهرين على المنطقة.

بعد فض الاعتصامات بالقوة، أعلنت الحكومة فرض حظر تجول جزئي على المنطقة المحيطة بالدوار. وبدأت عمليات مداهمة واعتقال لعدد من قيادات المظاهرات والمحرضين عليها.

في يوم 18 مارس بدأ هدم نصب اللؤلؤة الذي كان من معالم البحرين البارزة، وبدأت عملية إزالة دوار مجلس التعاون، وتحويله إلى تقاطع. وهي الخطة التي كانت موضوعة سابقاً، ولكن تم التعجيل بتنفيذها بعد هذه الأحداث. ثم بدأ أعضاء مجلس الشورى المستقيلون يسحبون استقالاتهم واحداً تلو الآخر. وهي الاستقالات التي سبق لهم التقدم بها أثناء تصاعد الأزمة.

مازالت تداعيات الأحداث تتوالى، لم يطو ملف الأحداث نهائياً، ومازالت بعض الخفايا تنكشف يوماً بعد آخر. ومازلت بعض المواقف تتبدل بين وقت وآخر.


نظرة في نتائج الاستفتاء

 

نظرة في نتائج الاستفتاء

 

بعد استفتاء 19 مارس، الاستفتاء الذي شهد أكبر نسبة مشاركة شعبية في تاريخ مصر. قال الشعب كلمته وحدد اختياره. وحينها خرج أهل نعم سعداء محتفلين، وخرج أهل لا ممتعضين غير سعداء. وهذا أمر طبيعي وعادي. فقد كان أهل لا، يراهنون على أن الشعب لن يقبل بهذه التعديلات. إيماناً منهم بأن اختيارهم كان هو الأصوب، وهذا حق لهم بالتأكيد. وكان أهل نعم يتمنون أن يقبل الشعب خيارهم وهم يظنون أنه الأسلم، وهو حق لهم بالتأكيد. واختار الشعب الموافقة. وهذا أمر طبيعي، فلا بد أن يختار الشعب أحد القولين. وعلينا أن تذكر أن السؤال كان حول اختيار الطريق الذي نسلكه في وضع دستور جديد، وإدارة البلاد إلى حين وضع هذا الدستور.

شهدت مرحلة ما قبل الاستفتاء حالة استقطاب حادة جداً. فقد تم تصوير الأمر وكأنه استفتاء على الثورة، أو على الدين، أو على الهوية العربية والإسلامية لمصر. ثم تم تصويره على أنه استفتاء على الإخوان والإسلاميين والحزب الوطني، في مقابل العلمانية والكنيسة. ولا أدري حقاً كيف جاز لعاقل أن يضع الإخوان والوطني في كفة واحدة.

هذا الاستقطاب أدى إلى بعض الممارسات غير المقبولة ديموقراطياً وشرعياً وأخلاقياً. فليس من المقبول شرعاً أن يقول أحد أن “نعم” من الإسلام، أو أن الشرع يوجب القبول بهذه التعديلات. هذا الموقف مرفوض شرعاً وخلقاً وقانوناً. فالإسلام لم يوجب خياراً من الخيارين. وإن كنت أظن أنه يوجب القبول بما يختاره الناس أياً كان، حرصاً على وحدة الصف والكلمة. وفي المقابل كان مرفوضاً قول بعض القسس، إن على المسيحيين أن يخرجوا جميعاً ليقولوا لا لهذه التعديلات. فهذا أيضاً إقحام للدين فيما لا يختص بالدين. لأن التعديلات لا تمس المسيحية في شيء. وإن كنت أظن أن هذه الدعاية كلها لم تؤثر كثيراً، أو لم تكن حاسمة في خروج النتيجة النهائية.

وكما تم إقحام الدين فيما لا يتعلق به، تم إقحام قيم أخرى ليس لها شأن بالموضوع. فالادعاء بأن نعم خيانة لدم الثوار، أو تفريط في مكتسبات الثورة، واستخدام اسم المرحوم خالد سعيد وغيره من الشهداء كان تجاوزاً فجاً، وإساءة بالغة لأولئك الذين بذلوا أرواحهم لكي ندلي نحن بأصواتنا بحرية. وهذا سلوك غير أخلاقي في ظني. لأن كلا الطريقين يؤدي إلى تحقيق نفس الغرض، كل بما له من مزايا وما عليه من سلبيات.

كذلك شهدت مرحلة ما قبل الاستفتاء توظيفاً لوسائل إعلام خاصة وشركات اتصالات خاصة وأموالاً شخصية في الدعوة إلى خيار محدد، وهذا أيضاً سلوك ينبغي رفضه وتجنبه في المراحل القادمة.

 

لماذا كانت النتيجة نعم؟

في ظني أن اختيار نعم، كان له عدد من الأسباب الأساسية، سببين رئيسيين:

عدم وضوح البديل. فالتعديلات قدمت مساراً واضحاً بما له وما عليه. مساراً يستطيع الناس فهمه وإدراكه، وبالتالي يستطيعون التعامل معه على المستوى النفسي. أما رفضها، فيعيدنا إلى الطريق المجهول، الذي لا يعرف أحد بماذا سيأتي ولا كيف سيكون.

الرغبة في الاستقرار، رأى الناس في الانتخابات البرلمانية سيؤدي إلى توقف المظاهرات اليومية التي أدت إلى تعطل مصالح الناس، واضطراب حياتهم. وأن مجلس شعب منتخب سيجعل الاحتكام بعد ذلك إلى صندوق انتخابات نزيه، وليس إلى المظاهرات المليونية. كما أن وجود حكومة منتخبة كاملة الصلاحيات، تساعد مصر كدولة على اتخاذ المواقف الضرورية مع تطورات الأوضاع.

بالإضافة إلى الرغبة في عودة الجيش إلى ثكناته، صحيح أن الشعب احتفل بنزول الجيش إلى الشارع، ويكاد كل مصري الآن يحتفظ بصورة له أمام دبابة، ولكن ليست هذه هي صورة الحياة التي يريدها الشعب. فالثورة في أحد أوجهها كانت ثورة على الحكم العسكري. وليس المطلوب أبداً إعادة الحكم العسكري إلى مرحلته الأولى.

كذلك كان خيار الانتخابات البرلمانية الحرة خيارا جاذباً للشعب. بإحساسهم أنهم أصبحوا قريبين من اللحظة التي يختارون فيها نواب البرلمان، ولا يتم اختيارهم بالنيابة عن الشعب.

أما عن أثر الخطاب الديني بشقيه الإسلامي والمسيحي، فأنا أظنه لم يكن مؤثراً بدرجة كبيرة. فقد رأينا وسمعنا نفس الأشخاص ينادون أتباعهم باجتناب المظاهرات والعودة إلى منازلهم، ولم يؤثر ذلك كثيراً في زخم الثورة واندفاعها. وظل الناس يتزايدون من يوم إلى آخر، حتى يوم تنحي الرئيس. فالسلفيون قالوا إنها فتنة، وأن على المسلم تجنب الفتنة. ومع ذلك، فقد شهد البعض بوجود سلفيين في أيام الثورة. وقالت الكنيسة لأتباعها إن عليهم تجنب الخروج في المظاهرات، وقد رأينا أكثر من قداس أقيم في ميدان التحرير. ولا بد أن من أقام القداس كانوا مسيحيين.

 

الفائز والخاسرون

كان ظني يوم إعلان النتائج أن الفائز الأول هو مصر، وأنه لا يوجد خاسر في هذا الاستفتاء. وما زال يقيني أن الفائز هو مصر، بغض النظر عن اختيارها، وإنما هي فازت بالاختيار، فالشعب اليوم يقرر بنفسه لأول مرة منذ عقود طويلة. وهذا هو المكسب الأول الحقيقي في بناء مصر الحديثة، مصر الحرة، مصر التي تملك قرارها. هذا المكسب الذي كان ينبغي على الجميع أن يحتفي به وأن يؤكد على قيمته.

وكنت أظن أنه لا يوجد خاسر، ولكن يبدو لي اليوم أن هناك خاسرين حقاً، فقد أسقطت النتيجة وما تبعها بعض الأساطير التي كنت أوشك أن أصدقها.

أهمها هو حق التمثيل، فقد ثبت أن كثير من الجهات التي تتكلم باسم الشعب، وتعبر لنا عن مطالب الشعب ورغبات الشعب، لا تعرف في الحقيقة شيئاً كثيراً عن الشعب. فقد كانوا يصيحون إن الشعب يرفض الاستفتاء ابتداءً، ويرفض التعديلات رفضاً قاطعاً. والحقيقة أن الشعب قد قبل الاستفتاء، وأقبل عليه إقبالاً غير مسبوق. ثم قبل التعديلات بنسبة كبيرة جداً.

أثبتت النتيجة أن بعض من كان يظن نفسه قائداً وزعيماً يتبعه الشعب أينما ذهب، ليس كذلك على أرض الواقع. فقد خرج كل من يظن نفسه زعيماً ويرشح نفسه للرئاسة، ينادي الناس بأن يرفضوا هذه التعديلات. فلم يستجب لهم جميعاً إلا قريباً من خمس الأصوات الصحيحة في الاستفتاء. جميع القوى التي قررت أنها تمثل الثورة والشعب والزعامة والقيادة الشعبية لم تنجح إلا في الحصول على أربعة ملايين صوت. فهل يحق لهذه الأصوات أن تتكلم باسم الشعب مرة أخرى، أو أن تحاول فرض وصايتها على الشعب بعد ذلك؟

الوزن الانتخابي للكنيسة، هذه النتيجة بنسبتها الحالية، كانت مفاجئة لي. فقد دعت الكنيسة أتباعها إلى التصويت بكثافة والتصويت برفض التعديلات، وكان الافتراض أن هذا سيحقق على الأقل أربعة ملايين صوت. فإما أنه لم يصوت بلا إلا المسيحيون، وهذا غير صحيح، لأننا رأينا كثير من المسلمين الذين قالوا لا، أو أنه لا أنه لا يوجد مسيحيون في مصر (وهذا غير صحيح بالطبع) وإما أن المسيحيون لم يلتزموا بأمر الكنيسة. سواء بعدم التصويت أساساً أو بقبول التعديلات بخلاف قول الكنيسة. لقد أظهرت النتيجة أن المسيحيين في مصر هم جزء من النسيج الوطني يحمل نفس الوعي العام المصري.

هذه النتيجة التي خرج بها الاستفتاء، لا ينبغي اعتبارها فوزاً للتيار الإسلامي، الإخوان والوسط والعمل والسلفية. فهي لم تكن كذلك. فلم يكن الدافع للقبول هو دعوة هذا التيار تحديداً وإنما عوامل كثيرة مؤثرة حقاً في الشارع. وإن كان منها دعوة هؤلاء لأنصارهم بالموافقة. ولكن هذه الدعوة ليست العنصر الحاسم. بل ربما لم تكن عنصراً كبير التأثير. فالظن بأن هذه النتيجة تشير إلى ما يمكن تحقيقه في الانتخابات التشريعية، هو وهم قد يلحق بالحركات الإسلامية ضرراً كبيراً، إذا ركنت إليه واعتمدت عليه.

وهي في الجهة الأخرى، إشارة واضحة للتيارات الأخرى التي دعت إلى لا ودافعت عنها، بأنها إذا لم تغير خطابها، وتتواصل مع الشارع فإنها خاسرة لا محالة. فكل ما فعلته تلك القوى من دعاية وحشد وتوجيه و”تثقيف”، لم يصل إلى الناس بالقدر الذي تصوروه. فعليهم إذا أرادوا تحقيق نتيجة أفضل في الانتخابات التشريعية، أن يصححوا أخطاءهم، ويراجعوا مسلكهم. أما إذا استمروا في التطاول على هذا الشعب، والاستخفاف به واتهامه بالجهل وقلة العقل وانعدام الوعي. فسوف تكون خسائرهم في المرحلة القادمة أثقل مما يظنون. فأنا لن أختار ممثلاً لي يظن أنني عديم العقل، ولن أستمع لمن يظن أنه وصياُ على عقلي.


الاختيار المبني على الخوف

الاختيار المبني على الخوف

 

دعونا نقر بأن معظم الناس الذي سيدلون بأصواتهم في الاستفتاء على التعديل الدستوري يوم السبت القادم، سواء بنعم أو بلا، يبنون قرارهم على أساس من الخوف. ودعونا نتفق أيضاً على أن كثير من هذه المخاوف مشروعة، خاصة في أوقات مثل هذه، حيث تمر بلادنا بتغيرات سريعة وحاسمة في ظروف جديدة تماما علينا كمصريين.

المخاوف الأساسية لدى الرافضين

  1. العيوب الدستورية: هناك العديد منها، ولكنها تتركز بصفة خاصة في الصلاحيات الرئاسية وآليات تعيين نائب الرئيس، وشروط الترشيح للرئاسة وما إليها.
  2. الخوف من الانتخابات المبكرة وسيطرة “الإخوان المسلمين” وفلول “الحزب الوطني الديموقراطي”، في مقابل الأحزاب والائتلافات الجديدة. وبالتالي يتم وضع دستور جديد يخدم رؤيتهم وأهدافهم.

وصحيح أن هذه المخاوف مشروعة، كما أشرت أعلاه، ولكن على أساس قراءة متأنية في التعديلات والنصوص القديمة للدستور، وتجربة الشهرين الماضيين، وكذلك مشاهدات السنوات العشر الماضية، فإني أرى ما يلي:

 

العيوب الدستورية:

  1. إذا قرأت الدستور بعناية، فإنك ستجد أن الصلاحيات الرئاسية مساوية للصلاحيات الممنوحة للرئيس في عدد من البلدان، مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. لذلك فإن الخوف الحقيقي هو سوء استخدام هذه الصلاحيات، ولكن الدعم الذي كان يقدمه مجلس الشعب في السابق هو الذي منح الرئيس صلاحيات مطلقة، وقد تم معالجة هذا الدعم المطلق. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الصلاحيات المفترضة هي لفترة محدودة، كما هو منصوص عليه في التعديلات محل الاستفتاء، إلى حين وضع الدستور الجديد. ولا يجب أن ننسى أن هذا الرئيس القادم هو أول رئيس يتم اختياره بواسطة الشعب فعلاً.
  2. بالنسبة للمخاوف الأخرى، فإنها كلها محصورة في الانتخابات القادمة فقط، وأنا أعتقد أن بعض النصوص منطقي جدا، وبعضها يحتاج إلى تغيير في المستقبل. ولكن في الحد الأدنى هناك شرط تدمير ذاتي في هذه التعديلات، وهي توفر إطار زمني وآلية مناسبة لإلغاء الدستور، وإعداد دستور جديد.

 

مخاوف الانتخابات المبكرة:

  1. الحزب الوطني: إنني أعتقد بشدة أن الحزب الوطني سوف يتم حله في الأسابيع القليلة القادمة. وأن إبقاء الحزب يدل على قصور سياسي من القوات المسلحة، وهناك الكثير من الأسباب التي تدعو إلى إخلاء المشهد السياسي من هذا الحزب. ولكن، عندما كان الحزب الوطني يتمتع بكل الموارد في الفترة السابقة؛ من إعلام ورشاوى وشرطة ودعم حكومي، فإنه كان دائماً في كل انتخابات يحتاج إلى التزوير من أجل تحقيق أغلبيته، التي كان يدعمها بضم المستقلين! لذلك، فإن مجرد التفكير في أن العشرين مليون مصري الذين نزلوا إلى الشارع في يوم الجمعة الأخيرة، والملايين الأخرى التي كانت توافقهم وتدعمهم من البيوت، سوف يمنحون أصواتهم للحزب الوطني تحت أي ظرف، هذا التفكير وحده يمثل إهانة شديدة للشعب المصري وتجاهل لتضحياته التي قدمها، وإنكار لأرواح الشهداء الطاهرة.
  2. الإخوان المسلمين الفزاعة الخالدة: لن أمدح أو أذم في جماعة الإخوان المسلمين، ولن أستعرض تحفظاتي عليهم، إنني أريد أن أعرض الحقائق فقط:
    1. في الانتخابات السابقة، خاصة عام 2005، 2010، أظن أن الجميع يتفق على أنهم حصلوا على كل الأصوات التي يمكن أن يحصلوا عليها.
    2. هناك الكثيرين الذين صوتوا لغير الإخوان، فلم يحصل الإخوان على كل الأصوات.
    3. إنني أظن أنه برغم مبالغة الحكومة السابقة، فإن نسبة أصوات الإخوان لم تتعد 20% إلى 25% من الأصوات الانتخابية، الذين كان عددهم 32 مليون، ويبلغ عددهم الآن 40 مليون صوت، حيث أن التصويت يتم ببطاقة الرقم القومي.
    4. معظم هذه الأصوات الإضافية لم تكن مهتمة بالسياسة أصلا، ومعظمهم لن يصوت لصالح الإخوان، وإلا لكانوا فعلوا ذلك من قبل.
    5. في هذه اللحظة الفارقة في تاريخ مصر، فإن الافتراض بأن نسبة التصويت على هذا القرار المصيري سيكون أقل من 60%- 65% من من لهم حق التصويت، هو افتراض غير واقعي.
    6. وأخيراً، لو كنت من الذين نزلوا إلى ميدان التحرير خلال الثورة، أو إلى أي ميدان آخر من ميادين الثورة في مصر، خاصة خلال الأيام العشرة الأخيرة، لكنت قد عرفت الحجم الحقيقي للإخوان المسلمين بين القوى المختلفة في المجتمع. ولا أظن أن نسبتهم تزيد على 15%.

       

  3. الأحزاب الأخرى والقوى الجديدة: إن الافتراض بأن هذه القوى الجديدة كانت قادرة على تخطيط الثورة، وتنظيمها وتقديم التضحيات وحشد الملايين من الناس ليصطفوا وراءها، ومنهم أنا نفسي، وحافظت هذه القوى على ما أصبح بعرف باسم “أعظم ثورة على مر التاريخ“، بل وقامت بعدها بتنظيف الشوارع. إن الافتراض بأن هذه القوى غير قادرة على تشكيل قوة سياسية مؤثرة خلال ستة أشهر، هو افتراض غير مقبول. أظن أن الأجدر بنا أن نعمل معهم، ونقدم لهم الدعم بدلا من هذا الافتراض العجيب.
  4. البدائل: معظم الذين يدعون إلى رفض التعديلات، ومن حق كل فرد أن يصوت بما يراه الأصلح، يفضلون انتخاب “جمعية تأسيسية” من 100 شخص، لكي تقوم بإعداد الدستور. فكيف إذن يمكن انتخاب جمعية تأسيسية، ولا يمكن انتخاب برلمان؟ وبنفس المنطق السابق، كيف يمكن افتراض أن الإخوان والوطني سوف يسيطرون على البرلمان، ولكنهم لن يسيطروا على الجمعية التأسيسية؟

المخاوف الأساسية لدى الموافقين

هذه المخاوف تتعلق أساساً باستحواذ الجيش على السلطة على المدى الطويل، والفراغ الدستوري، والفوضى السياسية.

مرة أخرى، برغم أن هذه المخاوف أيضاً مشروعة، وهناك بالتأكيد احتمال لوقوعها، وحينئذ سنضطر إلى مواجهة مخاطر أكبر في مسيرتنا نحو الحرية، إلا أن هناك بعض المبالغة في عرض هذه المخاوف من قبل الموافقين.

 

بالرغم من أنني من أشد المؤيدين للموافقة، لأنني أراها الخيار الأفضل والأكثر أمناً ومنطقية. ولكني أؤمن أن علينا أن نقبل بخيار الأغلبية أيا كان. وعلينا أن نثق في أنفسنا، أننا سنصل في النهاية إلى الحرية التي دفعنا ثمنها كشعب. حتى ولو كان اختيارنا هذه المرة هو أن نخوض الطريق الأصعب والأخطر.

 

ختاماً، أود أن أذكر بحقيقة لا خلاف عليها، وهي أننا مقبلون – لأول مرة – على استفتاء لا نعرف نتيجته مسبقاً. وهذا في حد ذاته انتصاراً كبيراً لنا جميعاً كمصريين.

 

حسن كمال

لماذا نصوت ب”نعم”

لماذا نصوت بـ”نعم”


عندما نتوقف للحظات، لنفكر لماذا نزل الآلاف إلى الشارع في يوم 25 يناير؟ ولماذا لحق بهم الملايين في الأيام التالية؟

الإجابة ببساطة هي البحث عن الحرية، حرية اختيار ممثلي الشعب على جميع المستويات، حرية الشعب في اتخاذ القرار، وتحمل تبعاته، حرية الشعب في تقرير مصيره ورسم صورة المستقبل، حرية الشعب في إدارة شؤون الوطن.

على ضوء هذا الدافع الأساسي لثورة يناير، يمكننا التفكير في اختياراتنا في التصويت في الاستفتاء القادم على التعديلات الدستورية.

الإجابة بنعم، والموافقة على التعديلات، يعني ببساطة نزع السلطة من يد الجيش، وأخذها بيدنا نحن، نحن المجتمع المدني. حيث يقوم ممثلون عن الشعب بالإشراف على عملية إعداد الدستور الجديد الذي نرغب فيه جميعاً على السواء. وذلك بمشاركة جميع الهيئات المدنية، أو التيارات السياسية المدنية، كما ورد بوضوح في التعديلات الدستورية محل الاستفتاء.

 

بالمقابل، الإجابة بلا، ورفض التعديلات، يعني ببساطة أن الشعب يرفض أن يتحمل مسؤولية إدارة البلد. يرفض أن يتولى المجتمع المدني مسؤولية إدارة البلاد، ويفضل أن يستمر الجيش في تولي هذه المسؤولية، وهذا خطأ جسيم لعدد من الأسباب:

1) رفض التعديلات يعبر عن عدم رغبة الشعب في تحمل مسؤولية اتخاذ القرار، ورسم صورة المستقبل بإرادة شعبية. في حين أن هذا هو الهدف الأساسي من الثورة.

2) إدارة الدولة مهمة بالغة الأهمية، وهي لم تكن قط، ولن تكون أبداً مهمة القوات المسلحة. إنها عمل المجتمع المدني الذي يجب أن يدير نفسه، بعيدا عن الوصاية العسكرية. كما أن تورط الجيش في إدارة الحياة المدنية يفسد الجيش ويفسد الحياة المدنية.

3) الجيش لديه مهام أخرى، لا ينبغي أن ينشغل عنها، وهي حماية أمن مصر الخارجي. فلدينا التهديد الإسرائيلي وهو تهديد استراتيجي من جهة الشرق، ولدينا الأحداث المتصاعدة في ليبيا جهة الغرب، ولدينا السودان بما يتعرض له من انقسام واضطرابات في الجنوب، ولا يجب أن نغفل مسألة مياه النيل والمشاكل المثارة حولها، وهي تحتاج إلى دولة مستقرة قادرة على إدارة الحوار أو الصراع بشأن المياه.

4) لا يوجد بديل واضح. ما هي الخطة البديلة في حالة رفض التعديلات؟ من الذي سيقوم بوضع الدستور الجديد؟ ومن الذي سيختار الذين يقومون بوضع الدستور الجديد؟ وكيف نضمن أنهم يعبرون عن إرادة الشعب، إلا من خلال انتخابات؟

5) من الذي سيتولى إدارة البلاد؟ وإدارة الحياة المدنية وبناء العملية الديمقراطية؟ خلال فترة وضع الدستور ومناقشة مواده المختلفة. هل سنترك الأمر كله في يد المؤسسة العسكرية الدكتاتورية بطبيعتها؟ إن ترك بناء الديمقراطية في يد مؤسسة عسكرية دكتاتورية بطبيعة تكوينها، أمر يخالف أي منطق.

 

باختصار، نحن مهتمون بخطوة البداية وليس النهاية، بدستور لا يخلو من عيوب. بدلا من ترك الأمور في يد الجيش. أن نبدأ نحن المجتمع المدني في بناء ديمقراطيتنا بدلا من ترك الجيش ليقوم بهذه المهمة. وهو لا يملك الأدوات اللازمة لذلك. لقد سبق أن تركنا الجيش يقوم بهذا الدور في عام 1952، وكانت النتيجة هي “الديمقراطية” التي عايشناها خلال 60 عاماً مضت.

فهل نحن مستعدون لإعادة التجربة مرة أخرى، لأننا خائفون من تحمل المسؤولية؟

 

إننا عندما ننادي بالموافقة على هذه التعديلات، فإننا لا نتصور أنه دستور جيد، بل إننا نعرف نواقصه وعيوبه بوضوح، ولكننا نظن أنه يصلح نقطة بداية من أجل البدء، مجرد أرض نقف عليها أثناء البناء. لأنها توفر أمرين أساسيين في بناء الديمقراطية:

  1. تحقق عملية انتخابات حرة ونزيهة، وهو المطلب الذي ناضلنا من أجله على مدي عشرين عاماً.
  2. تضمن وضع دستور جديد، من خلال إجراءات واضحة، وخلال مدة زمنية محددة.

 

إن الخائفين من تحمل مسؤولية الحرية، لا يستحقون الحرية ولا يستحقون الاحترام. وليس من العدل أن يضحي الشهداء بدمائهم من أجل الحرية، ثم نهدرها نحن لأننا خائفون من تحمل هذه الحرية.


حسن كمال

ترجمة/ حسن مدني

السيناريو المرعب

السيناريو المرعب


بعد نجاح الثورة المصرية في إسقاط النظام المصري، الذي كان يعد أحد أكثر الأنظمة قوة ورسوخاً في المنطقة، وأكثرها استبداداً وقمعاً وتخريباً في بلادها. شعر الشعب بالنشوة لهذا النجاح، وشعر بأنه أخيرا قد استعاد سيادته على أرضه، وقدرته على تحديد مصيره ورسم مستقبله. وانطلق يعبر عن إرادته وحريته بكل الطرق.

ومع تصاعد المد الثوري الذي يفرغ احتقان السنوات الطويلة الماضية، والكبت الذي عانى منه الشعب على مدى عقود. تزايدت المظاهرات اليومية التي تطالب كل يوم بجديد. هذه المظاهرات التي تطالب أحيانا بما هو مشروع ومنطقي وضروري، وبعضها بما هو منطقي وغير ضروري. وبعضها بما هو محل خلاف شديد. وكل مظاهرة تعلن أنه لا مساومة ولا تنازل عن مطالبها، وهم مستعدون للموت من أجل تحقيق مطالبهم.

بعد انقضاء المطالب الأساسية للثورة، وتحقيق مطالبها، كثرت المظاهرات المعبرة عن مطالب هي محل خلاف في الرأي. فخرجت مظاهرات تنادي بإلغاء الاستفتاء باعتباره التفافا على الثورة، وخرجت مظاهرات مقابلة تنادي بضرورة الاستفتاء باعتباره ضرورة للتعبير عن الثورة. وخرجت مظاهرات تنادي بانتخاب مجلس رئاسي يعبر عن مطالب الثورة، وخرجت مظاهرات أخرى تطالب بإبقاء حكم الجيش باعتباره حارس الثورة، ومظاهرات ثالثة تنادي بضرورة انسحاب الجيش باعتباره من ذيول النظام السابق، ومعاد للثورة.

كذلك خرج البعض في مظاهرات تنادي بالحفاظ على المادة الثانية من الدستور، وطالب البعض بمظاهرات مليونية لإلغاء المادة الثانية من الدستور. ومظاهرات من أجل إلغاء الدستور، ومظاهرات من أجل إعادة تفعيل الدستور. وهكذا توقفت كثير من مظاهر الحياة في مختف القطاعات، وتعطلت كثير من المصالح الحيوية للناس.

ومع توقف عجلة الإنتاج والكسب، بدأ العمال يخرجون في مظاهرات حاشدة تطالب بعودة الاستقرار والنظام إلى البلاد، بل وخرج البعض ينادي بعودة الرئيس المخلوع، الذي كان يوفر لهم الاستقرار وفرصة أكل العيش. في حين رفض آخرون فكرة عودة الرئيس السابق، وطالبوا بانتخاب رئيس جديد يتولى إعادة الاستقرار، ويشرف على إعادة الحياة الديموقراطية. كما أن كثير من العمال الذين فقدوا مصادر رزقهم اضطروا إلى التوجه إلى أعمال غير قانونية، مثل الجريمة أو التهريب أو احتراف المظاهرات والهتاف، أو البلطجة، بحثاً عن مصدر أي مصدر للرزق.

مازالت المظاهرات تتعدد وتتنوع، وكل مظاهرة تعتبر نفسها هي المعبرة عن حقيقة الثورة وجوهرها، وتطالب الجيش بالنزول على مطالبها، وإلا كان خائنا لمطالب الثورة، ومضيعاً لمكتسباتها، ويسعى للالتفاف عليها. وكل قائد مظاهرة يعلن أنه كان هو المحرك الرئيسي للثورة، أو أحد قادتها ورجالاتها. وأن كل مخالفيه من أذناب النظام السابق، أو عملاء الخارج، أو من القلة المندسة. وكان بعض هذه المظاهرات سلمي فعلا، ولكن كان البعض الآخر عنيفاً بدرجات مختلفة، وبعضها بدأ سليماً ثم تعرض إلى مناوشات أو استفزاز جعله يتجه إلى العنف.

يعلن الجيش أنه سيطرح جدول زمني قصير لتسليم السلطة للمدنيين في استفتاء عام. فنسمع بعض الأصوات التي تنادي بإلغاء الاستفتاء وتأجيل تسليم السلطة، لأن الشعب المصري لم يتعود على الديموقراطية، وغير مستعد لها، ويحتاج إلى وقت للتخلص من بقايا النظام السابق وإنشاء أحزاب جديدة تعبر عن المرحلة الجديدة. بعد ستة أشهر أخرى، يعلن الجيش عن رغبته في تسليم السلطة، فتعلن الأحزاب الناشئة أنها غير مستعدة بعد، وأنها لم تحصل على فرصة كافية للانتشار في القرى والأقاليم. وأن الظروف السياسية والاقتصادية غير ملائمة لإجراء الانتخابات، وأن الشعب المصري الذي لم يمارس الديموقراطية خلال الستين سنة الماضية ليس مستعدا بعد. وتخرج المظاهرات المطالبة بإلغاء الاستفتاء.

يقرر الجيش مد الفترة الانتقالية لخمس سنوات، من أجل تحقيق الاستقرار، وإنقاذ كيان الدولة المصرية، وإعادة الحياة إلى القطاعات الاقتصادية من إنتاج وزراعة وصناعة وسياحة، مع إعلان الأحكام العرفية، ومنع التظاهر والتجمع.

تبدأ عجلة الاقتصاد في الدوران، ويشعر الناس بالراحة والاستقرار أخيرا، خاصة وأن المجلس العسكري حريص على تجنب الأخطاء القاتلة التي وقع فيها النظام السابق. وتبدأ محاكمات جنائية وسياسية لرموز العهد البائد، يستم بعضها بالعدالة والحياد، وبعضها دون ذلك. ويرحب الناس بهذه المحاكمات ترحيبا شديداً. بعد فترة زمنية قصيرة، بدأ جهاز الأمن الوطني في الظهور تدريجيا، وأشاد به البعض عندما نجح في الكشف عن شبكة جاسوسية تعمل لحساب إسرائيل، ثم شبكة أخرى من شبكات الثورة المضادة، ثم يحبط محاولة إرهابية لمصلحة الثورة المضادة، وتتوالى عمليات الكشف عن شبكات الثورة المضادة، وفلول الحزب الوطني، وأذناب النظام السابق، وكشف مخططات لإثارة الفتنة الطائفية، والالتفاف على الثورة، والعمالة لجهات خارجية.

 

بعد ستين عاماً يقول الشاب لجده: هناك دعوة على مواقع اجتماعية على شبكة الانترنت تطالب بالثورة على نظام الحزب الحاكم، واستعادة روح الميدان. فيقول له: كان غيرك أشطر.

 

هذا السيناريو الأكثر إظلاماً والأشد تشاؤماً في تطورات الأحداث الجارية في مصر. وأتمنى أن لا نرى هذا السيناريو مرة أخرى، فقد رأيناه سابقاً ولم نسعد به، ودفعنا ثمناً باهظاً للتخلص منه.