البشير والمحكمة الدولية

البشير والمحكمة الدولية


أصدرت المحكمة الدولية قرارها، الذي كان متوقعاً، بإصدار مذكرة اعتقال بحق الرئيس السوداني عمر البشير، بناء على طلب المدعي العام السيد أوكامبو. وتباينت ردود الأفعال تجاه هذا القرار بين الرفض الكامل له من السودان حكومة وشعباً، إلى التأييد المطلق له من أمريكا ومن بعض متمردي دارفور، مرورا بالرفض على استحياء من الأنظمة العربية والإفريقية.

وهذا القرار يثير عدة إشكاليات، أولها صلاحيات المحكمة الدولية أو ولاياتها على الدول غير الأعضاء. فالسودان ليس عضواً في هذه المحكمة. وبالتالي فليس للمحكمة ولاية على السودان بأي صورة. لأن عضوية المحكمة لا تسري إلا بعد إقرار التوقيع علي مثياقها من قبل البرلمان المحلي للدولة الموقعة. والسودان لم يقم بهذه الخطوة حتى الآن، مثله في ذلك مثل معظم الدول العربية. كما أن من حرّك القضية هو الولايات المتحدة الأمريكية، وهي كذلك ليست عضوا في المحكمة الدولية. فهي قد رفضت التوقيع على ميثاق هذه المحكمة. فمحرك الدعوى والمتهم غير أعضاء في هذه المحكمة.

كما أن الموقف الدولي وموقف المحكمة من قضية دارفور وموقفهما من أحداث غزة أو ما حدث في غروزني أو ما يحدث في العراق يبين بجلاء مدى ازدواجية المعايير، التي تسقط أي ادعاء بحياد المحكمة الدولية. فما يحدث في دارفور – حسب الادعاءات – أقل كثيراً مما يحدث في العراق وأفغانستان. ولا يرقى إلى مستوى الإبادة التي يتعرض لها أهل غزة.

من جهة المبدأ، أتفق مع الرأي القائل بوجوب محاكمة كل مجرم على جرائمه، كقاعدة عامة، ولكن يظل السؤال من له حق إجراء هذه المحاكمة؟ هل من حق كل أحد أن يكون قاضيا وجلادا، أم هناك شروط للقاضي أو للمحكمة. ألا يفترض في القاضي الحياد ابتداء، ثم العدالة والاستقلال، إلى آخر شروط القاضي الذي يعتدّ بحكمه. فهذه المحكمة ليست محايدة، بل هي تابعة لمجلس الأمن، ولو بصورة غير مباشرة. والدليل على ذلك، أن الرئيس الفرنسي ساركوزي قد عرض على البشير تنازلات يقبلها لكي يوقف إجراءات المحاكمة. فلما رفضها البشير صدر القرار المذكور. هي ليست منصفة في توجيه الاتهامات، والدليل سكوتها على جرائم أكبر. هي غير مهنية، فلا أدري كيف تقبل محكمة إدعاءات المدعي العام الذي لم يذهب إلى السودان بل حتى لم يذهب إلى معسكرات اللاجئين في تشاد لكي يحقق في الدعوى التي يعمل عليها.

والمدعي العام يزعم أن لديه أدلة دامغة على تورط الرئيس عمر البشير شخصياً في جرائم حرب، ولا أدري هل الأدلة الدامغة التي تشير إليها هي نفس الأدلة الدامغة التي كانت لدى الولايات المتحدة على حيازة العراق لأسلحة الدمار الشامل؟ أم هي نفس الأدلة الدامغة التي ادعت أمريكا أنها تملكها لإثبات أن بن لادن هو المسؤول عن أحداث الحادي عشر من سبتمر؟ والتي لم نر منها شيئا حتى الآن. ولايكفي أن يعلن أعضاء المحكمة الدولية أن الأدلة كافية، فهم ليسوا قضاة نعترف بهم. فهم يمثلون جهة غير محايدة ولا منصفة ولا مستقلة.

لماذا يحاكَم البشير؟

من الواضح أن البشير لا يحاكم اليوم بسبب مايقال من ارتكابه جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور. فهناك كثيرون أحق منه بهذه المحاكمة، سواء في السودان أو خارجه. ولكنه في الحقيقة يحاكم لرفضه الإملاءات الخارجية على بلاده، وبالخصوص في شأن فرض قوات دولية على دارفور.

ولكن لا أحسب أن هذه هي جريمته الوحيدة، فهو قد سحب امتيازات النفط من الشركات الأمريكية، بسبب رفضها لإجراء عمليات التنقيب بموجب امتيازاتها السابقة. ورفض السماح للشركات الأمريكية بالعمل في السودان، بسبب إدراج أمريكا للسودان ضمن الدول الراعية للإرهاب. كما أن الحكومة السودانية رفضت السماح لمنظمات التبشير الغربية بالعمل في السودان. ولعلنا نذكر المنظمة “الإنسانية” الدولية التي قبض عليها أثناء تهريبها لأطفال من دارفور إلى فرنسا قبل أشهر.

كذلك تعاون النظام السوداني مع إيران، لفترة من الزمن، ومع الصين ومع غيرها، مثبتاً بذلك إمكانية الاستغاء عن أمريكا وعن المساعدات الأمريكية، وهذه لعمري جريمة كبرى، من الصعب أن تغفرها أمريكا. فربما سرت العدوى إلى غيرها من المعتمدين على المعونة الأمريكية، التي تتحكم بها أمريكا في رقاب الأمم.

إن هذه المحكمة ليست إلا إحدى الأدوات التي يستخدمها الغرب في سعيه الحثيث للتحكم في مصائر شعوبنا العربية والإسلامية والإفريقية. وقبولنا بمثل هذه المحاكمة اليوم يفتح الباب واسعاً أمام هذا التحكم بكل أشكاله وصوره. وقبولنا اليوم بمحاكمة البشير يفتح الباب أمام مخاطر كبيرة على عدة مستويات

على المستوى السوداني.

إن انهيار هذا النظام أمام التدخل الدولي، يفتح الباب أمام تفكك السودان، أكبر الدول العربية والإفريقية مساحة. ويجعلها عرضه للتقسيم الذي لن يكون سلميا بحال من الأحوال، بل سوف تسيل فيه الدماء عزيرة وسوف تنتهك فيه حرمات وتهدر حقوق لا يعلم مداها إلا الله وحده. ويحوّل السودان إلى عدد من الدويلات العاجزة عن تحقيق أي نوع من الاكتفاء الذاتي. لتصبح كلها معتمدة في بقائها على الدعم الخارجي. الذي لن يكون بريئا من الغرض، أو لوجه الله.

ومن الواضح أن هناك حرص غربي على مناصرة كل تمرد أو انشقاق في السودان، بدءا من دعم حركة التمرد الجنوبي، أو اختلاقها إذا شئنا الدقة، إلى حركات الشرق انتهاء ما حدث في دارفور. ولاننسى اتفاق أبوجا الذي فرضه المجتمع الدولي تحت التهديد بفرض عقوبات على من يرفض التوقيع عليه، وعندما قبلته الحكومة السودانية على مضض، ورفضته حركات التمرد. نسي المجتمع الدولي تهديداته، وعاد ليفرض المزيد من التنازلات على الحكومة السودانية.

على مستوى الأنظمة العربية

إن القبول بمحاكمة رئيس عربي لا يزال في السلطة، يضع رقاب الحكام العرب جميعا تحت مقصلة التدخل الدولي. سواء كان الحاكم مذنباً في حق شعبه أو غير مذنب. فنحن اليوم نرى أن الرئيس السوداني يحاكم بغير دليل. بل بادعاءات مجهولين يفترض أنهم من دارفور، حسب قول أوكامبو. وغداً سيخرج علينا أعضاء حركات “أقباط المهجر” ليدعوا أن النظام المصري يمارس تطهير عرقي بحق أقباط مصر، ثم يأتي دور أمازيغ المغرب والجزائر، ثم البوليساريو، ثم قبائل شبه الجزيرة، ويستمر المسلسل حتى نرى حكامنا جميعا في قفص الاتهام. إلا أن يقبلوا بكل التنازلات التي يرغب بها المجتمع الدولي، وكلنا يعرف جيداً المقصود بالمجتمع الدولي.

على مستوى الشعوب العربية

وإذ ظن البعض أن محاكمة البشير سوف تفتح الباب أمام حركات تحرر الشعوب من ظلم الحكام، فهذا وهم بعيد. فقد رأينا نتائج الدعوة الأمريكية لتحقيق الديموقرطية في فلسطين، ومن قبلها العراق. فهم يريدون ديموقراطية حسب الرغبة الأمريكية، وتحررا تابعاً لأمريكا. أما التحرر الحقيقي النابع من رغبة الشعب، والمعبر عن إرادته. فهو إرهاب وتطرف مرفوض أمريكياً وبالتالي دوليا. فهذه المحكمة لن تزيد أن تكون ورقة ضغط إضافية في يد الأمريكي لابتزاز الأنظمة العربية لتقديم مزيد من التنازلات اتقاءً لغضب السيد المتحكم في المحكمة الدولية العادلة.

والمزيد من التنازلات يعني إهدار المزيد من حقوق الشعب، وإذا رفض أي شعب هذه التنازلات، فسوف تفرض أمريكا نفسها قمعه وإذلاله وإهدار حقوقه، حفاظاً على حقوقها.

وما ينطبق على الشعوب العربية، ينطبق على غيرها من الشعوب الإفريقية، وسائر الشعوب الإسلامية.


مقالات ذات صلة بالموضوع

د. محمد سليم العوا

هل يحاكم الرئيس البشير دوليًا؟!!

مداولة علنية..!!

بيان حول الحملة الدولية ضد السودان
والرئيس عمر حسن البشير

نوارة نجم

حقائق في الشأن السوداني

حسن مدني

محاكمة رئيس عربي

مدونة سوداننا

ماذا بعد ذلك؟

د. راغب السرجاني

اعتقال البشير


محاكمة رئيس عربي

محاكمة رئيس عربي

أصدر المدعي لدى المحكمة الجنائية الدولية لويس أوكامبو مذكرة تطالب بتوقيف الرئيس السوداني عمر حسن البشير،بتهمة ارتكاب إبادة جماعية في دارفور. وذلك استناداً إلى “تقارير” أعدتها جهات لا يوثق في حيادها ولا نزاهتها. واعتماداً على كثير من الكلام المرسل الذي لا دليل عليه، ولا صحة لكثير منه.

وقد نظر البعض لهذه المحاكمة الدولية باعتبارها السبيل الأمثل أمام الشعوب العربية للتخلص طغيان حكامها واستبدادهم. وظهر الكثير من المؤيدين لهذا التوجه، بل والمطالبين بمحاكمة بقية الرؤساء العرب أمام هذه المحكمة. وظهر كذلك بعض المعارضين لهذا القرار وإن كان صوتهم خافتا.

ولدي بعض الملاحظات حول هذا القرار، بعيداً عن الدخول في تفاصيل ما حدث ويحدث في دارفور، ومدى مسؤولية الرئيس عمر البشير أو غيره عن ذلك.

صلاحية المحكمة وحيادها:

صلاحية المحكمة الجنائية الدولية تنحصر في الدول التي وقعت البرتوكول الخاص بها، ومعظم الدول العربية لم توقع هذا البرتوكول الخاص. ومصر والسودان لم توقعا هذا البروتوكول. فإذا كنا نناقش محكمة تتحدث باسم القانون، فيجب عليها ابتداء أن تلتزم هي بالقانون. والقانون الخاص بها لا يبيح لها محاكمة أي شخص في الدول التي لم توقع البرتوكول الخاص بالمحكمة. فهذه المحاكمة إذن غير قانونية وفقاً لقانون المحكمة نفسها.

أما حيادها فهو نفس حياد أي منظمة دولية تنفق عليها أمريكا، وتسيطر أو تؤثر على قرارات أعضائها.

الشرعية الدولية:

يتغنى الكثيرين بالشرعية الدولية. أليست هذه الشرعية الدولية هي التي تسمح لروسيا أن تحتل الشيشان وتجتاح جورجيا، وتقر “لإسرائيل” احتلال فلسطين وحصار أهلنا في غزة وإبادتهم، وهي التي عجزت عن منع أمريكا من احتلال العراق وأفغانستان. أليست هذه الشرعية هي التي اعتبرت العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2006 دفاعاً عن النفس، والمقاومة الفلسطينية إرهاباً.

الشرعية الدولية كما يعرف أهل العلم هي شرعية القوة. القوة العسكرية والاقتصادية والثقافية. وهي اليوم في يد عدونا. أمريكا أو “إسرائيل”.فمن العبث التعلق بها في السعي لإقرار الحقوق التي نريدها لأنفسنا. فهم لا يريدون لنا الخير، ولا يريدون لنا الديموقراطية، إلا إذا أتت بمن يرضون ويحبون، وإلا لماذا حاربوا الحكومة المنتخبة في فلسطين؟ ولماذا سعت أمريكا لإسقاط الحكومة المنتخبة في فنزويلا؟

إن هذه المطالبة بالقبض على الرئيس السوداني لا تهدف إلى حماية أهل دارفور كما يزعمون، (ولن تؤدي إليها). وإنما تهدف إلى تركيع النظام السوداني الذي لا يزال يحاول الاحتفاظ ببعض الكرامة والاستقلال. وإلا فهو ليس أحق بالمحاكمة من كثيرين أولهم بوش نفسه الذي يدعم هذا الطلب.

حدود المعارضة:

إذا كنا نعارض أنظمة الحكم في بلادنا بدعوى أنها تفرط في مصالح الوطن، وأنها تخدم مصالح العدو، من أجل البقاء في كراسيها، فهل من العقل أن ندعم نحن مصالح العدو من أجل إزاحة هذه الأنظمة؟ إن القبول بمثل هذه الدعوى يجرد أي نظام عربي، مخلص أو متواطئ أو خائن، من الشرعية والاستقلالية في اتخاذ القرار. ونحن نعلم أن المتواطئ لا يتم ملاحقته مادام يخدم مصالحهم. ولا يتم ملاحقة غير الممانع لما يريد الغرب. فالإقرار بمثل هذه الدعوى، يمثل في الحقيقة تجريدا لأي سلطة وطنية من قدرتها على الدفاع عن مصالح شعبها أمام الهيمنة الأمريكية، أو كما يدعونها “الشرعية الدولية”.

يثير البعض سؤالاً مهماً!

ماذا نفعل إذا لم يكن لدينا آلية لمحاكمة الرئيس في بلادنا؟

إذا لم يوجد لدينا قانون أو آلية، فلنسعى لإيجادها. إذا لم نتمكن من تغيير أنظمتنا بنفسنا فنحن لا نستحق خيراً منها. أما الاستعانة بالاحتلال – المباشر أو غير المباشر- سواء كان محكمة دولية أو دولة مانحة للمعونة من أجل تغيير النظام في بلادنا، فهي الخيانة المباشرة كما نعرفها. وهو الاستجارة من الرمضاء بالنار. فإذا كان استبداد الوطني شر، فلا يفوقه شراً إلى استبداد العدو.

هذه نقاط مبدئية، لا تتغير باختلاف الحالة، سواء في دارفور أو العراق أو مصر أو الصومال. فليس في ما ذكرت دفاعاً عن شخص الرئيس السوداني، وإنما عن منصبه الذي لابد أن يراعى. وإذا كان أهل السودان ساخطين عليه، فهم قادرون على إسقاطه كما أسقطوا من سبقوه.