بين مصر وإيران

بين مصر وإيران

 

تقوم العلاقات الدولية بين الدول على أساس مصالح كل دولة. مهما تباينت عقائد هذه الدول. ولكل دولة مجموعة مصالح تحرص على تحقيقها والمحافظة عليها، ومجموعة من المخاطر التي تراقبها وتعمل على تجنبها. في ظل هذا التدافع بين مصالح الدول، تنشأ تعاملات وتحالفات مؤقتة، وتنشأ في الوقت ذاته خلافات. وعلى الدول العاقلة أن تحكم تحالفاتها وخلافاتها المؤقتة (التكتيكية)، بالنظرة الاستراتيجية للمصالح والمخاطر. هذه النظرة الاستراتيجية التي يسميها البعض “رؤية المستقبل” والبعض يسميها “المشروع الوطني” أو “المشروع القومي”. كما أن علاقات الدول يؤثر فيها عنصر الجغرافيا السياسية أكثر من أي عنصر آخر. فمصالح الدول الجغرافية لا تكاد تتغير كثيرا.

بالنسبة لمنطقتنا، هناك ثلاث دول كبيرة محورية في المنطقة، مصر وتركيا وإيران. هذه هي الدول الثلاث المحورية في المنطقة. وبينها مجموعة مصالح وبينها تنافس طبيعي على الصدارة عبر التاريخ.

فن السياسة الخارجية، يقتضي توظيف خلافات الدول المختلفة لصالحي. بدلا من السماح لهم بتوظيف خلافاتي مع الآخرين لصالحهم. أمريكا تستفيد كثيراً من الخلافات الإيرانية العربية، والعربية العربية، وبقاء الكيان الإسرائيلي مرهون باستمرار الخلافات العربية العربية. والإسلامية الإسلامية. وليس من العقل أن أحشد كل من يخالفني في جبهة واحدة، بل إن العقل يقتضي أن أفرق كلمتهم، وأن أحقق باختلافهم مصالحي بأقل تكلفة ممكنة.

كان هناك ثلاث دول في العالم ليس لها علاقات سياسية مباشرة مع إيران، الولايات المتحدة الأمريكية، والكيان الإسرائيلي، وجمهورية مصر العربية.  وهذا وحده لا يليق بمصر.

إقامة علاقات سياسية أو اقتصادية بين أي دولتين في العالم لا يعني بالضرورة تبعية أي منهم للأخرى.

هذه معطيات أساسية للنظر في موضوع العلاقات المصرية الإيرانية.

أبرز الاعتراضات على إقامة علاقات مصرية مع إيران،

أ‌)       التدخل الإيراني في دول الخليج العربي.

ب‌)  نشاط إيران في نشر التشيع.

ت‌)  دعم إيران لنظام بشار الأسد.

ث‌)  اضطهاد السنة في إيران

القطيعة بين إيران ومصر استمرت أكثر من ثلاثين سنة، فهل تغير شيء من هذه الاعتراضات. هل ساهمت هذه القطيعة في دعم الأمن الخليجي؟ أو في استعادة أي من حقوق السنة في إيران؟ هل توقف نشر التشيع في أي مكان، وحتى في مصر نفسها؟

ماذا تملك مصر في ظل الأوضاع الراهنة من أرواق تضغط بها على إيران لتغيير سياساتها؟ أحسب أن وجود علاقات سياسية يمنح مصر ورقة إضافية في التفاوض مع إيران من أجل تحقيق ما تريده مصر، إذا كانت مصر تعرف ما تريد.

قبل أعوام، ذهب رجل فرد من مصر إلى إيران، رجل عالم فقيه يعرف كيف يتفاوض وكيف يحاور وكيف يعرض وجهة نظره. فحقق للسنة أضعاف ما حققته القطيعة المصرية الإيرانية. وأقنع النظام الإيراني بتغيير الدستور وإعطاء السنة المزيد من الحقوق. هذا هو الفارق الأساسي بين القطيعة العمياء، والعلاقات المبصرة.

من المفروغ منه، في ظني، أن علاقة مصر بإيران لا يمكن أن تكون على حساب أمن الخليج، لأن أمن الخليج يدخل في دائرة الأمن المصري بالضرورة. ودائرة الأمن المصري كانت قديماً تمتد من الشام إلى الحجاز إلى السودان إلى طرابلس (أو تونس). واليوم أصبحت الدائرة تشمل دول الخليج العربي وتمتد إلى جنوب السودان وتصل إلى تونس غرباً وتركيا شمالاً. هذه هي مصر المكان (حسب تعبير الأستاذ فهمي هويدي).

من وجهة نظر أخرى، هؤلاء المتعرضين على العلاقات المصرية مع إيران، لم نسمع لهم قولاً في العلاقات مع الصين أو روسيا أو اليابان أو قبرص.

يمكننا القول بأن علاقة مصر بإيران يجب أن تكون محكومة بمجموعة عناصر، منها:

  • الحرص على الأمن القومي المصري الممتد في الحدود السابق ذكرها على الأقل.
  • الحرص على عدم السماح بالتدخل في الشؤون الداخلية لمصر.
  • عدم السماح بنشر التشيع في مصر.

علينا أن نقيم علاقات قوية مع إيران، ولكن بصيغة تحقق لنا مصالحنا وتجنبنا المخاطر التي نخشاها، وكذلك الأمر مع دول العالم كافة.

أما مسألة نشر التشيع، فهذه في تقديري مسألة مختلفة عن العلاقات السياسية. وهذه علاجها لا يوم بالقطيعة السياسية، ولا بسب الشيعة ومذهبهم، ولا بنشر مبالغات وأكاذيب. وإنما بنشر صحيح العلم، بالاهتمام بتعليم اللغة العربية الصحيحة والفقه والشريعة والتاريخ. فهذه هذه الثغور الثقافية التي يتسلل منها كل من يحاربنا ثقافياً. وهذا ملف آخر يطول فيه الحديث.

Advertisements

التحرش بالجيش والشرطة يوم عيد الثورة الأول

التحرش بالجيش والشرطة يوم عيد الثورة الأول

شهادة لله وللوطن

د. سلوى محمد سليم

باحثة في مجال العلاقات بين الشرطة والمجتمع

جامعة عين شمس – القاهرة

لمصلحة من تحرك شابان في فورة غضب عنيفة مفتعلة وحاولا إثارة الجماهير التي كانت توشك أن تنصرف راضية مرضية بعد الصلاة والخطب وصلاة الغائب على أرواح الشهداء؟

رأيت بعيني هذين الشابين اللذين هجما فجأة على دائرة المجندين وبعض أفراد الشرطة والجيش الذين كانوا يحيطون بالصينية في وسط الميدان..

رأيتهما يخرجان من وسط الجموع متجهين بعنف نحو الصينية وكنت قريبة منهما جدا..

دون أن يحركهما شيء بعينه فالجيش والشرطة كانوا في منتهى الاحترام طول الوقت وكانا يتصرفان مع الجموع بتهذيب ومودة لم أرها من الشرطة المصرية منذ “وعيت على الدنيا”

وإذا بهذين الشابين يصرخان في حالة غضب جارفة لم أملك إلا أن أشعر بأنها مفتعلة حقا وبدت لي كمسرحية مبالغ فيها

كفاية بأة.. كفاية شغل التصوير بتاعكو ده.. مش هتبطلوا بأه.. امشوا ياللا أمشوا.. مش عاوزينكم هنا.

صراخ عنيف مصحوب بحركات عنيفة في الجسد وهجوم نحو الشرطة وضابط الجيش- الذي بقي في مكانه دون أن يتحرك أو يغير تعبير وجهه أو يرد عليهما –

لم ينقصه ليكون تحرشا فعليا إلا أن يمسك بالفعل تلابيبه ويلتحم معه في مشاجرة حقيقية.

بقي الضابط صامتا ولم يرد إلا بابتسامات مهذبة.. ولم يرد أحد من الشرطة الذين أدركوا أن ما يحدث ما هو إلا محاولة استفزاز رخيصة عليهم احتواؤها.

كل هذا وسط ذهول المحيطين مما يحدث لأنهم لم يروا له أي مبرر..

أخذت أصرخ في المحيطين بي وانا أشد بيدي على أيدي صغاري الثلاثة لئلا يفزعوا ويضيعوا مني في الزحام.. وقفوهم رجعوهم.. مش عاوزين مشكلة الشرطة ما عملتش حاجة..

لم يوقفهما أحد وفعلا تعجبت من صمت الجمهور

ثم فهمت أنهم يتجنبون الصدام

ولكنهم بحكمة مصرية خالصة بدأوا يتوجهون نحو الشرطة والضابط ويصافحونهم ويهنئونهم بالعيد.. واستمرت هذه المصافحات من الجماهير حتى انصرفنا في السابعة والربع

ثم أحاط بالشابين عدد صغير من الناس لا يجاوز المئتين وبدأوا يهتفون.. برة.. برة.. برة

وهم يشيرون نحو الشرطة وضباط الجيش..

لماذا؟

لماذا كل هذا الغضب ولمصلحة من استفزازهم؟

ما كان من الناس إلا أن بدأوا يهونون على الضباط ما يحدث ويوصونهم بالثبات والتزام الحكمة.. وقال لي أحدهم ما تخافوش.. احنا هنستوعبهم من غير مشاكل..

والحمد لله فعلا لم تحدث أية مشكلة واستمرت المظاهرة الصغيرة في الهتاف ضد الجيش والمشير والشرطة مع استفزازات بين الحين والآخر والضباط ينظرون إلى بعضهم بعضا أحيانا بصبر غير نافد وإلى الجمع أحيانا أخرى بابتسامات

مهذبة جدا

أشهد أني ما رأيت مثل هذه الحكمة ولا المودة من الشرطة من قبل أبدا..

وأني لم أظن أني سأعيش لأراها

أخذ الناس يدورون حول الصينية ويصافحون العساكر والضباط ويهنئونهم بالعيد

وانتشر عدد قليل جدا من البنات شديدات الحماس لمسألة تحريض الناس على الجيش- انتشرن بين الجموع يشرحن للجمع غير الغاضب أنه يجب أن يغضب وأن الجيش مزودها.. إلخ إلخ..

بصراحة مش عارفة مين اللي مزودها النهاردة..

وفي طريق انصرافي قررت أن أكتب هذه الشهادة للنشر حتى إذا ما تطور الأمر مساء واعتقل شخص نعرف جميعا أصل الحكاية

حكاية المحاولة المتعمدة لاستفزاز من وقفوا لحمايتنا في أثناء الصلاة.. وصلى منهم معنا من صلى صلاة الغائب على شهدائنا وشهداء المسلمين جميعا..

ومانقولش الشرطة العسكرية اعتقلت المصلين دون سبب

وبتحاكم الثوار..

دول مش ثوار..دول مخربين ومثيرين للوقيعة..

يا ترى الأحداث السابقة اللي أدت لاعتقال آخرين في الميدان كانت من نفس النوع؟

أنا ما شفتهاش.. لكن شفت دي بعيني..

وهذه شهادتي عليها لله وللوطن

رعى الله مصر شعبا وجيشا وشرطة..

إيد واحدة

 


نظرة في نتائج الاستفتاء

 

نظرة في نتائج الاستفتاء

 

بعد استفتاء 19 مارس، الاستفتاء الذي شهد أكبر نسبة مشاركة شعبية في تاريخ مصر. قال الشعب كلمته وحدد اختياره. وحينها خرج أهل نعم سعداء محتفلين، وخرج أهل لا ممتعضين غير سعداء. وهذا أمر طبيعي وعادي. فقد كان أهل لا، يراهنون على أن الشعب لن يقبل بهذه التعديلات. إيماناً منهم بأن اختيارهم كان هو الأصوب، وهذا حق لهم بالتأكيد. وكان أهل نعم يتمنون أن يقبل الشعب خيارهم وهم يظنون أنه الأسلم، وهو حق لهم بالتأكيد. واختار الشعب الموافقة. وهذا أمر طبيعي، فلا بد أن يختار الشعب أحد القولين. وعلينا أن تذكر أن السؤال كان حول اختيار الطريق الذي نسلكه في وضع دستور جديد، وإدارة البلاد إلى حين وضع هذا الدستور.

شهدت مرحلة ما قبل الاستفتاء حالة استقطاب حادة جداً. فقد تم تصوير الأمر وكأنه استفتاء على الثورة، أو على الدين، أو على الهوية العربية والإسلامية لمصر. ثم تم تصويره على أنه استفتاء على الإخوان والإسلاميين والحزب الوطني، في مقابل العلمانية والكنيسة. ولا أدري حقاً كيف جاز لعاقل أن يضع الإخوان والوطني في كفة واحدة.

هذا الاستقطاب أدى إلى بعض الممارسات غير المقبولة ديموقراطياً وشرعياً وأخلاقياً. فليس من المقبول شرعاً أن يقول أحد أن “نعم” من الإسلام، أو أن الشرع يوجب القبول بهذه التعديلات. هذا الموقف مرفوض شرعاً وخلقاً وقانوناً. فالإسلام لم يوجب خياراً من الخيارين. وإن كنت أظن أنه يوجب القبول بما يختاره الناس أياً كان، حرصاً على وحدة الصف والكلمة. وفي المقابل كان مرفوضاً قول بعض القسس، إن على المسيحيين أن يخرجوا جميعاً ليقولوا لا لهذه التعديلات. فهذا أيضاً إقحام للدين فيما لا يختص بالدين. لأن التعديلات لا تمس المسيحية في شيء. وإن كنت أظن أن هذه الدعاية كلها لم تؤثر كثيراً، أو لم تكن حاسمة في خروج النتيجة النهائية.

وكما تم إقحام الدين فيما لا يتعلق به، تم إقحام قيم أخرى ليس لها شأن بالموضوع. فالادعاء بأن نعم خيانة لدم الثوار، أو تفريط في مكتسبات الثورة، واستخدام اسم المرحوم خالد سعيد وغيره من الشهداء كان تجاوزاً فجاً، وإساءة بالغة لأولئك الذين بذلوا أرواحهم لكي ندلي نحن بأصواتنا بحرية. وهذا سلوك غير أخلاقي في ظني. لأن كلا الطريقين يؤدي إلى تحقيق نفس الغرض، كل بما له من مزايا وما عليه من سلبيات.

كذلك شهدت مرحلة ما قبل الاستفتاء توظيفاً لوسائل إعلام خاصة وشركات اتصالات خاصة وأموالاً شخصية في الدعوة إلى خيار محدد، وهذا أيضاً سلوك ينبغي رفضه وتجنبه في المراحل القادمة.

 

لماذا كانت النتيجة نعم؟

في ظني أن اختيار نعم، كان له عدد من الأسباب الأساسية، سببين رئيسيين:

عدم وضوح البديل. فالتعديلات قدمت مساراً واضحاً بما له وما عليه. مساراً يستطيع الناس فهمه وإدراكه، وبالتالي يستطيعون التعامل معه على المستوى النفسي. أما رفضها، فيعيدنا إلى الطريق المجهول، الذي لا يعرف أحد بماذا سيأتي ولا كيف سيكون.

الرغبة في الاستقرار، رأى الناس في الانتخابات البرلمانية سيؤدي إلى توقف المظاهرات اليومية التي أدت إلى تعطل مصالح الناس، واضطراب حياتهم. وأن مجلس شعب منتخب سيجعل الاحتكام بعد ذلك إلى صندوق انتخابات نزيه، وليس إلى المظاهرات المليونية. كما أن وجود حكومة منتخبة كاملة الصلاحيات، تساعد مصر كدولة على اتخاذ المواقف الضرورية مع تطورات الأوضاع.

بالإضافة إلى الرغبة في عودة الجيش إلى ثكناته، صحيح أن الشعب احتفل بنزول الجيش إلى الشارع، ويكاد كل مصري الآن يحتفظ بصورة له أمام دبابة، ولكن ليست هذه هي صورة الحياة التي يريدها الشعب. فالثورة في أحد أوجهها كانت ثورة على الحكم العسكري. وليس المطلوب أبداً إعادة الحكم العسكري إلى مرحلته الأولى.

كذلك كان خيار الانتخابات البرلمانية الحرة خيارا جاذباً للشعب. بإحساسهم أنهم أصبحوا قريبين من اللحظة التي يختارون فيها نواب البرلمان، ولا يتم اختيارهم بالنيابة عن الشعب.

أما عن أثر الخطاب الديني بشقيه الإسلامي والمسيحي، فأنا أظنه لم يكن مؤثراً بدرجة كبيرة. فقد رأينا وسمعنا نفس الأشخاص ينادون أتباعهم باجتناب المظاهرات والعودة إلى منازلهم، ولم يؤثر ذلك كثيراً في زخم الثورة واندفاعها. وظل الناس يتزايدون من يوم إلى آخر، حتى يوم تنحي الرئيس. فالسلفيون قالوا إنها فتنة، وأن على المسلم تجنب الفتنة. ومع ذلك، فقد شهد البعض بوجود سلفيين في أيام الثورة. وقالت الكنيسة لأتباعها إن عليهم تجنب الخروج في المظاهرات، وقد رأينا أكثر من قداس أقيم في ميدان التحرير. ولا بد أن من أقام القداس كانوا مسيحيين.

 

الفائز والخاسرون

كان ظني يوم إعلان النتائج أن الفائز الأول هو مصر، وأنه لا يوجد خاسر في هذا الاستفتاء. وما زال يقيني أن الفائز هو مصر، بغض النظر عن اختيارها، وإنما هي فازت بالاختيار، فالشعب اليوم يقرر بنفسه لأول مرة منذ عقود طويلة. وهذا هو المكسب الأول الحقيقي في بناء مصر الحديثة، مصر الحرة، مصر التي تملك قرارها. هذا المكسب الذي كان ينبغي على الجميع أن يحتفي به وأن يؤكد على قيمته.

وكنت أظن أنه لا يوجد خاسر، ولكن يبدو لي اليوم أن هناك خاسرين حقاً، فقد أسقطت النتيجة وما تبعها بعض الأساطير التي كنت أوشك أن أصدقها.

أهمها هو حق التمثيل، فقد ثبت أن كثير من الجهات التي تتكلم باسم الشعب، وتعبر لنا عن مطالب الشعب ورغبات الشعب، لا تعرف في الحقيقة شيئاً كثيراً عن الشعب. فقد كانوا يصيحون إن الشعب يرفض الاستفتاء ابتداءً، ويرفض التعديلات رفضاً قاطعاً. والحقيقة أن الشعب قد قبل الاستفتاء، وأقبل عليه إقبالاً غير مسبوق. ثم قبل التعديلات بنسبة كبيرة جداً.

أثبتت النتيجة أن بعض من كان يظن نفسه قائداً وزعيماً يتبعه الشعب أينما ذهب، ليس كذلك على أرض الواقع. فقد خرج كل من يظن نفسه زعيماً ويرشح نفسه للرئاسة، ينادي الناس بأن يرفضوا هذه التعديلات. فلم يستجب لهم جميعاً إلا قريباً من خمس الأصوات الصحيحة في الاستفتاء. جميع القوى التي قررت أنها تمثل الثورة والشعب والزعامة والقيادة الشعبية لم تنجح إلا في الحصول على أربعة ملايين صوت. فهل يحق لهذه الأصوات أن تتكلم باسم الشعب مرة أخرى، أو أن تحاول فرض وصايتها على الشعب بعد ذلك؟

الوزن الانتخابي للكنيسة، هذه النتيجة بنسبتها الحالية، كانت مفاجئة لي. فقد دعت الكنيسة أتباعها إلى التصويت بكثافة والتصويت برفض التعديلات، وكان الافتراض أن هذا سيحقق على الأقل أربعة ملايين صوت. فإما أنه لم يصوت بلا إلا المسيحيون، وهذا غير صحيح، لأننا رأينا كثير من المسلمين الذين قالوا لا، أو أنه لا أنه لا يوجد مسيحيون في مصر (وهذا غير صحيح بالطبع) وإما أن المسيحيون لم يلتزموا بأمر الكنيسة. سواء بعدم التصويت أساساً أو بقبول التعديلات بخلاف قول الكنيسة. لقد أظهرت النتيجة أن المسيحيين في مصر هم جزء من النسيج الوطني يحمل نفس الوعي العام المصري.

هذه النتيجة التي خرج بها الاستفتاء، لا ينبغي اعتبارها فوزاً للتيار الإسلامي، الإخوان والوسط والعمل والسلفية. فهي لم تكن كذلك. فلم يكن الدافع للقبول هو دعوة هذا التيار تحديداً وإنما عوامل كثيرة مؤثرة حقاً في الشارع. وإن كان منها دعوة هؤلاء لأنصارهم بالموافقة. ولكن هذه الدعوة ليست العنصر الحاسم. بل ربما لم تكن عنصراً كبير التأثير. فالظن بأن هذه النتيجة تشير إلى ما يمكن تحقيقه في الانتخابات التشريعية، هو وهم قد يلحق بالحركات الإسلامية ضرراً كبيراً، إذا ركنت إليه واعتمدت عليه.

وهي في الجهة الأخرى، إشارة واضحة للتيارات الأخرى التي دعت إلى لا ودافعت عنها، بأنها إذا لم تغير خطابها، وتتواصل مع الشارع فإنها خاسرة لا محالة. فكل ما فعلته تلك القوى من دعاية وحشد وتوجيه و”تثقيف”، لم يصل إلى الناس بالقدر الذي تصوروه. فعليهم إذا أرادوا تحقيق نتيجة أفضل في الانتخابات التشريعية، أن يصححوا أخطاءهم، ويراجعوا مسلكهم. أما إذا استمروا في التطاول على هذا الشعب، والاستخفاف به واتهامه بالجهل وقلة العقل وانعدام الوعي. فسوف تكون خسائرهم في المرحلة القادمة أثقل مما يظنون. فأنا لن أختار ممثلاً لي يظن أنني عديم العقل، ولن أستمع لمن يظن أنه وصياُ على عقلي.


الاختيار المبني على الخوف

الاختيار المبني على الخوف

 

دعونا نقر بأن معظم الناس الذي سيدلون بأصواتهم في الاستفتاء على التعديل الدستوري يوم السبت القادم، سواء بنعم أو بلا، يبنون قرارهم على أساس من الخوف. ودعونا نتفق أيضاً على أن كثير من هذه المخاوف مشروعة، خاصة في أوقات مثل هذه، حيث تمر بلادنا بتغيرات سريعة وحاسمة في ظروف جديدة تماما علينا كمصريين.

المخاوف الأساسية لدى الرافضين

  1. العيوب الدستورية: هناك العديد منها، ولكنها تتركز بصفة خاصة في الصلاحيات الرئاسية وآليات تعيين نائب الرئيس، وشروط الترشيح للرئاسة وما إليها.
  2. الخوف من الانتخابات المبكرة وسيطرة “الإخوان المسلمين” وفلول “الحزب الوطني الديموقراطي”، في مقابل الأحزاب والائتلافات الجديدة. وبالتالي يتم وضع دستور جديد يخدم رؤيتهم وأهدافهم.

وصحيح أن هذه المخاوف مشروعة، كما أشرت أعلاه، ولكن على أساس قراءة متأنية في التعديلات والنصوص القديمة للدستور، وتجربة الشهرين الماضيين، وكذلك مشاهدات السنوات العشر الماضية، فإني أرى ما يلي:

 

العيوب الدستورية:

  1. إذا قرأت الدستور بعناية، فإنك ستجد أن الصلاحيات الرئاسية مساوية للصلاحيات الممنوحة للرئيس في عدد من البلدان، مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. لذلك فإن الخوف الحقيقي هو سوء استخدام هذه الصلاحيات، ولكن الدعم الذي كان يقدمه مجلس الشعب في السابق هو الذي منح الرئيس صلاحيات مطلقة، وقد تم معالجة هذا الدعم المطلق. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الصلاحيات المفترضة هي لفترة محدودة، كما هو منصوص عليه في التعديلات محل الاستفتاء، إلى حين وضع الدستور الجديد. ولا يجب أن ننسى أن هذا الرئيس القادم هو أول رئيس يتم اختياره بواسطة الشعب فعلاً.
  2. بالنسبة للمخاوف الأخرى، فإنها كلها محصورة في الانتخابات القادمة فقط، وأنا أعتقد أن بعض النصوص منطقي جدا، وبعضها يحتاج إلى تغيير في المستقبل. ولكن في الحد الأدنى هناك شرط تدمير ذاتي في هذه التعديلات، وهي توفر إطار زمني وآلية مناسبة لإلغاء الدستور، وإعداد دستور جديد.

 

مخاوف الانتخابات المبكرة:

  1. الحزب الوطني: إنني أعتقد بشدة أن الحزب الوطني سوف يتم حله في الأسابيع القليلة القادمة. وأن إبقاء الحزب يدل على قصور سياسي من القوات المسلحة، وهناك الكثير من الأسباب التي تدعو إلى إخلاء المشهد السياسي من هذا الحزب. ولكن، عندما كان الحزب الوطني يتمتع بكل الموارد في الفترة السابقة؛ من إعلام ورشاوى وشرطة ودعم حكومي، فإنه كان دائماً في كل انتخابات يحتاج إلى التزوير من أجل تحقيق أغلبيته، التي كان يدعمها بضم المستقلين! لذلك، فإن مجرد التفكير في أن العشرين مليون مصري الذين نزلوا إلى الشارع في يوم الجمعة الأخيرة، والملايين الأخرى التي كانت توافقهم وتدعمهم من البيوت، سوف يمنحون أصواتهم للحزب الوطني تحت أي ظرف، هذا التفكير وحده يمثل إهانة شديدة للشعب المصري وتجاهل لتضحياته التي قدمها، وإنكار لأرواح الشهداء الطاهرة.
  2. الإخوان المسلمين الفزاعة الخالدة: لن أمدح أو أذم في جماعة الإخوان المسلمين، ولن أستعرض تحفظاتي عليهم، إنني أريد أن أعرض الحقائق فقط:
    1. في الانتخابات السابقة، خاصة عام 2005، 2010، أظن أن الجميع يتفق على أنهم حصلوا على كل الأصوات التي يمكن أن يحصلوا عليها.
    2. هناك الكثيرين الذين صوتوا لغير الإخوان، فلم يحصل الإخوان على كل الأصوات.
    3. إنني أظن أنه برغم مبالغة الحكومة السابقة، فإن نسبة أصوات الإخوان لم تتعد 20% إلى 25% من الأصوات الانتخابية، الذين كان عددهم 32 مليون، ويبلغ عددهم الآن 40 مليون صوت، حيث أن التصويت يتم ببطاقة الرقم القومي.
    4. معظم هذه الأصوات الإضافية لم تكن مهتمة بالسياسة أصلا، ومعظمهم لن يصوت لصالح الإخوان، وإلا لكانوا فعلوا ذلك من قبل.
    5. في هذه اللحظة الفارقة في تاريخ مصر، فإن الافتراض بأن نسبة التصويت على هذا القرار المصيري سيكون أقل من 60%- 65% من من لهم حق التصويت، هو افتراض غير واقعي.
    6. وأخيراً، لو كنت من الذين نزلوا إلى ميدان التحرير خلال الثورة، أو إلى أي ميدان آخر من ميادين الثورة في مصر، خاصة خلال الأيام العشرة الأخيرة، لكنت قد عرفت الحجم الحقيقي للإخوان المسلمين بين القوى المختلفة في المجتمع. ولا أظن أن نسبتهم تزيد على 15%.

       

  3. الأحزاب الأخرى والقوى الجديدة: إن الافتراض بأن هذه القوى الجديدة كانت قادرة على تخطيط الثورة، وتنظيمها وتقديم التضحيات وحشد الملايين من الناس ليصطفوا وراءها، ومنهم أنا نفسي، وحافظت هذه القوى على ما أصبح بعرف باسم “أعظم ثورة على مر التاريخ“، بل وقامت بعدها بتنظيف الشوارع. إن الافتراض بأن هذه القوى غير قادرة على تشكيل قوة سياسية مؤثرة خلال ستة أشهر، هو افتراض غير مقبول. أظن أن الأجدر بنا أن نعمل معهم، ونقدم لهم الدعم بدلا من هذا الافتراض العجيب.
  4. البدائل: معظم الذين يدعون إلى رفض التعديلات، ومن حق كل فرد أن يصوت بما يراه الأصلح، يفضلون انتخاب “جمعية تأسيسية” من 100 شخص، لكي تقوم بإعداد الدستور. فكيف إذن يمكن انتخاب جمعية تأسيسية، ولا يمكن انتخاب برلمان؟ وبنفس المنطق السابق، كيف يمكن افتراض أن الإخوان والوطني سوف يسيطرون على البرلمان، ولكنهم لن يسيطروا على الجمعية التأسيسية؟

المخاوف الأساسية لدى الموافقين

هذه المخاوف تتعلق أساساً باستحواذ الجيش على السلطة على المدى الطويل، والفراغ الدستوري، والفوضى السياسية.

مرة أخرى، برغم أن هذه المخاوف أيضاً مشروعة، وهناك بالتأكيد احتمال لوقوعها، وحينئذ سنضطر إلى مواجهة مخاطر أكبر في مسيرتنا نحو الحرية، إلا أن هناك بعض المبالغة في عرض هذه المخاوف من قبل الموافقين.

 

بالرغم من أنني من أشد المؤيدين للموافقة، لأنني أراها الخيار الأفضل والأكثر أمناً ومنطقية. ولكني أؤمن أن علينا أن نقبل بخيار الأغلبية أيا كان. وعلينا أن نثق في أنفسنا، أننا سنصل في النهاية إلى الحرية التي دفعنا ثمنها كشعب. حتى ولو كان اختيارنا هذه المرة هو أن نخوض الطريق الأصعب والأخطر.

 

ختاماً، أود أن أذكر بحقيقة لا خلاف عليها، وهي أننا مقبلون – لأول مرة – على استفتاء لا نعرف نتيجته مسبقاً. وهذا في حد ذاته انتصاراً كبيراً لنا جميعاً كمصريين.

 

حسن كمال

لماذا نصوت ب”نعم”

لماذا نصوت بـ”نعم”


عندما نتوقف للحظات، لنفكر لماذا نزل الآلاف إلى الشارع في يوم 25 يناير؟ ولماذا لحق بهم الملايين في الأيام التالية؟

الإجابة ببساطة هي البحث عن الحرية، حرية اختيار ممثلي الشعب على جميع المستويات، حرية الشعب في اتخاذ القرار، وتحمل تبعاته، حرية الشعب في تقرير مصيره ورسم صورة المستقبل، حرية الشعب في إدارة شؤون الوطن.

على ضوء هذا الدافع الأساسي لثورة يناير، يمكننا التفكير في اختياراتنا في التصويت في الاستفتاء القادم على التعديلات الدستورية.

الإجابة بنعم، والموافقة على التعديلات، يعني ببساطة نزع السلطة من يد الجيش، وأخذها بيدنا نحن، نحن المجتمع المدني. حيث يقوم ممثلون عن الشعب بالإشراف على عملية إعداد الدستور الجديد الذي نرغب فيه جميعاً على السواء. وذلك بمشاركة جميع الهيئات المدنية، أو التيارات السياسية المدنية، كما ورد بوضوح في التعديلات الدستورية محل الاستفتاء.

 

بالمقابل، الإجابة بلا، ورفض التعديلات، يعني ببساطة أن الشعب يرفض أن يتحمل مسؤولية إدارة البلد. يرفض أن يتولى المجتمع المدني مسؤولية إدارة البلاد، ويفضل أن يستمر الجيش في تولي هذه المسؤولية، وهذا خطأ جسيم لعدد من الأسباب:

1) رفض التعديلات يعبر عن عدم رغبة الشعب في تحمل مسؤولية اتخاذ القرار، ورسم صورة المستقبل بإرادة شعبية. في حين أن هذا هو الهدف الأساسي من الثورة.

2) إدارة الدولة مهمة بالغة الأهمية، وهي لم تكن قط، ولن تكون أبداً مهمة القوات المسلحة. إنها عمل المجتمع المدني الذي يجب أن يدير نفسه، بعيدا عن الوصاية العسكرية. كما أن تورط الجيش في إدارة الحياة المدنية يفسد الجيش ويفسد الحياة المدنية.

3) الجيش لديه مهام أخرى، لا ينبغي أن ينشغل عنها، وهي حماية أمن مصر الخارجي. فلدينا التهديد الإسرائيلي وهو تهديد استراتيجي من جهة الشرق، ولدينا الأحداث المتصاعدة في ليبيا جهة الغرب، ولدينا السودان بما يتعرض له من انقسام واضطرابات في الجنوب، ولا يجب أن نغفل مسألة مياه النيل والمشاكل المثارة حولها، وهي تحتاج إلى دولة مستقرة قادرة على إدارة الحوار أو الصراع بشأن المياه.

4) لا يوجد بديل واضح. ما هي الخطة البديلة في حالة رفض التعديلات؟ من الذي سيقوم بوضع الدستور الجديد؟ ومن الذي سيختار الذين يقومون بوضع الدستور الجديد؟ وكيف نضمن أنهم يعبرون عن إرادة الشعب، إلا من خلال انتخابات؟

5) من الذي سيتولى إدارة البلاد؟ وإدارة الحياة المدنية وبناء العملية الديمقراطية؟ خلال فترة وضع الدستور ومناقشة مواده المختلفة. هل سنترك الأمر كله في يد المؤسسة العسكرية الدكتاتورية بطبيعتها؟ إن ترك بناء الديمقراطية في يد مؤسسة عسكرية دكتاتورية بطبيعة تكوينها، أمر يخالف أي منطق.

 

باختصار، نحن مهتمون بخطوة البداية وليس النهاية، بدستور لا يخلو من عيوب. بدلا من ترك الأمور في يد الجيش. أن نبدأ نحن المجتمع المدني في بناء ديمقراطيتنا بدلا من ترك الجيش ليقوم بهذه المهمة. وهو لا يملك الأدوات اللازمة لذلك. لقد سبق أن تركنا الجيش يقوم بهذا الدور في عام 1952، وكانت النتيجة هي “الديمقراطية” التي عايشناها خلال 60 عاماً مضت.

فهل نحن مستعدون لإعادة التجربة مرة أخرى، لأننا خائفون من تحمل المسؤولية؟

 

إننا عندما ننادي بالموافقة على هذه التعديلات، فإننا لا نتصور أنه دستور جيد، بل إننا نعرف نواقصه وعيوبه بوضوح، ولكننا نظن أنه يصلح نقطة بداية من أجل البدء، مجرد أرض نقف عليها أثناء البناء. لأنها توفر أمرين أساسيين في بناء الديمقراطية:

  1. تحقق عملية انتخابات حرة ونزيهة، وهو المطلب الذي ناضلنا من أجله على مدي عشرين عاماً.
  2. تضمن وضع دستور جديد، من خلال إجراءات واضحة، وخلال مدة زمنية محددة.

 

إن الخائفين من تحمل مسؤولية الحرية، لا يستحقون الحرية ولا يستحقون الاحترام. وليس من العدل أن يضحي الشهداء بدمائهم من أجل الحرية، ثم نهدرها نحن لأننا خائفون من تحمل هذه الحرية.


حسن كمال

ترجمة/ حسن مدني

السيناريو المرعب

السيناريو المرعب


بعد نجاح الثورة المصرية في إسقاط النظام المصري، الذي كان يعد أحد أكثر الأنظمة قوة ورسوخاً في المنطقة، وأكثرها استبداداً وقمعاً وتخريباً في بلادها. شعر الشعب بالنشوة لهذا النجاح، وشعر بأنه أخيرا قد استعاد سيادته على أرضه، وقدرته على تحديد مصيره ورسم مستقبله. وانطلق يعبر عن إرادته وحريته بكل الطرق.

ومع تصاعد المد الثوري الذي يفرغ احتقان السنوات الطويلة الماضية، والكبت الذي عانى منه الشعب على مدى عقود. تزايدت المظاهرات اليومية التي تطالب كل يوم بجديد. هذه المظاهرات التي تطالب أحيانا بما هو مشروع ومنطقي وضروري، وبعضها بما هو منطقي وغير ضروري. وبعضها بما هو محل خلاف شديد. وكل مظاهرة تعلن أنه لا مساومة ولا تنازل عن مطالبها، وهم مستعدون للموت من أجل تحقيق مطالبهم.

بعد انقضاء المطالب الأساسية للثورة، وتحقيق مطالبها، كثرت المظاهرات المعبرة عن مطالب هي محل خلاف في الرأي. فخرجت مظاهرات تنادي بإلغاء الاستفتاء باعتباره التفافا على الثورة، وخرجت مظاهرات مقابلة تنادي بضرورة الاستفتاء باعتباره ضرورة للتعبير عن الثورة. وخرجت مظاهرات تنادي بانتخاب مجلس رئاسي يعبر عن مطالب الثورة، وخرجت مظاهرات أخرى تطالب بإبقاء حكم الجيش باعتباره حارس الثورة، ومظاهرات ثالثة تنادي بضرورة انسحاب الجيش باعتباره من ذيول النظام السابق، ومعاد للثورة.

كذلك خرج البعض في مظاهرات تنادي بالحفاظ على المادة الثانية من الدستور، وطالب البعض بمظاهرات مليونية لإلغاء المادة الثانية من الدستور. ومظاهرات من أجل إلغاء الدستور، ومظاهرات من أجل إعادة تفعيل الدستور. وهكذا توقفت كثير من مظاهر الحياة في مختف القطاعات، وتعطلت كثير من المصالح الحيوية للناس.

ومع توقف عجلة الإنتاج والكسب، بدأ العمال يخرجون في مظاهرات حاشدة تطالب بعودة الاستقرار والنظام إلى البلاد، بل وخرج البعض ينادي بعودة الرئيس المخلوع، الذي كان يوفر لهم الاستقرار وفرصة أكل العيش. في حين رفض آخرون فكرة عودة الرئيس السابق، وطالبوا بانتخاب رئيس جديد يتولى إعادة الاستقرار، ويشرف على إعادة الحياة الديموقراطية. كما أن كثير من العمال الذين فقدوا مصادر رزقهم اضطروا إلى التوجه إلى أعمال غير قانونية، مثل الجريمة أو التهريب أو احتراف المظاهرات والهتاف، أو البلطجة، بحثاً عن مصدر أي مصدر للرزق.

مازالت المظاهرات تتعدد وتتنوع، وكل مظاهرة تعتبر نفسها هي المعبرة عن حقيقة الثورة وجوهرها، وتطالب الجيش بالنزول على مطالبها، وإلا كان خائنا لمطالب الثورة، ومضيعاً لمكتسباتها، ويسعى للالتفاف عليها. وكل قائد مظاهرة يعلن أنه كان هو المحرك الرئيسي للثورة، أو أحد قادتها ورجالاتها. وأن كل مخالفيه من أذناب النظام السابق، أو عملاء الخارج، أو من القلة المندسة. وكان بعض هذه المظاهرات سلمي فعلا، ولكن كان البعض الآخر عنيفاً بدرجات مختلفة، وبعضها بدأ سليماً ثم تعرض إلى مناوشات أو استفزاز جعله يتجه إلى العنف.

يعلن الجيش أنه سيطرح جدول زمني قصير لتسليم السلطة للمدنيين في استفتاء عام. فنسمع بعض الأصوات التي تنادي بإلغاء الاستفتاء وتأجيل تسليم السلطة، لأن الشعب المصري لم يتعود على الديموقراطية، وغير مستعد لها، ويحتاج إلى وقت للتخلص من بقايا النظام السابق وإنشاء أحزاب جديدة تعبر عن المرحلة الجديدة. بعد ستة أشهر أخرى، يعلن الجيش عن رغبته في تسليم السلطة، فتعلن الأحزاب الناشئة أنها غير مستعدة بعد، وأنها لم تحصل على فرصة كافية للانتشار في القرى والأقاليم. وأن الظروف السياسية والاقتصادية غير ملائمة لإجراء الانتخابات، وأن الشعب المصري الذي لم يمارس الديموقراطية خلال الستين سنة الماضية ليس مستعدا بعد. وتخرج المظاهرات المطالبة بإلغاء الاستفتاء.

يقرر الجيش مد الفترة الانتقالية لخمس سنوات، من أجل تحقيق الاستقرار، وإنقاذ كيان الدولة المصرية، وإعادة الحياة إلى القطاعات الاقتصادية من إنتاج وزراعة وصناعة وسياحة، مع إعلان الأحكام العرفية، ومنع التظاهر والتجمع.

تبدأ عجلة الاقتصاد في الدوران، ويشعر الناس بالراحة والاستقرار أخيرا، خاصة وأن المجلس العسكري حريص على تجنب الأخطاء القاتلة التي وقع فيها النظام السابق. وتبدأ محاكمات جنائية وسياسية لرموز العهد البائد، يستم بعضها بالعدالة والحياد، وبعضها دون ذلك. ويرحب الناس بهذه المحاكمات ترحيبا شديداً. بعد فترة زمنية قصيرة، بدأ جهاز الأمن الوطني في الظهور تدريجيا، وأشاد به البعض عندما نجح في الكشف عن شبكة جاسوسية تعمل لحساب إسرائيل، ثم شبكة أخرى من شبكات الثورة المضادة، ثم يحبط محاولة إرهابية لمصلحة الثورة المضادة، وتتوالى عمليات الكشف عن شبكات الثورة المضادة، وفلول الحزب الوطني، وأذناب النظام السابق، وكشف مخططات لإثارة الفتنة الطائفية، والالتفاف على الثورة، والعمالة لجهات خارجية.

 

بعد ستين عاماً يقول الشاب لجده: هناك دعوة على مواقع اجتماعية على شبكة الانترنت تطالب بالثورة على نظام الحزب الحاكم، واستعادة روح الميدان. فيقول له: كان غيرك أشطر.

 

هذا السيناريو الأكثر إظلاماً والأشد تشاؤماً في تطورات الأحداث الجارية في مصر. وأتمنى أن لا نرى هذا السيناريو مرة أخرى، فقد رأيناه سابقاً ولم نسعد به، ودفعنا ثمناً باهظاً للتخلص منه.


شروط الرئيس

شروط الرئيس


في التعديلات الدستورية الأخيرة، أضافت لجنة تعديل الدستور شروطاً للرئيس المصري، منها ما أثار اعتراض الكثيرين. وفي تصوري الشخصي، أنها شروط معتدلة ومقبولة، ولها ما يبررها. بعيدا عن سوء الظن الذي يفضله البعض.

الأصل في الحاكم أن يطاع، فإذا لم يطع لم يعد حاكماً. ولكي يطاع أمر الحاكم في نطاق حكمه، ليس هناك إلا سبيل من اثنين. إما القوة والإجبار، أو الاقتناع والثقة. والحقيقة أنه لا بد من السبيلين معاً، فليس هناك من يرضى عنه الجميع أو يثق به الجميع. فلابد من وجود قوة لدى الحاكم من أجل فرض القانون. وفي حالة انفراد الحاكم بالقوة، وعدم وجود قوى مقابلة تحد من سلطته، فإننا نقع في الاستبداد الذي هو أصل كل فساد. وفي حالة فقدان الحاكم للقوة، تسير الأمور نحو الفوضى التي لا ضابط لها. ولذلك اخترع الناس الحكومة، وخضعوا لها.

في المجتمعات القوية، ذات المناعة الذاتية، يعتمد الحاكم على ثقة شعبه بصفة أساسية في الحصول على الطاعة. لذلك ينبغي أن يعمل المشرع على وضع شروط تحقق أكبر قدر من الثقة في الحاكم. كما تضع التشريعات حدودا وقواعد لضمان الثقة في القاضي، أو في أي منصب حساس في الدولة، قد يمس أمن الدولة بأي صورة من الصور. وهنا لا بد أن نميز بين مفهوم الدولة ومفهوم الحكومة. وهذه الشروط تحقق أكبر قدر ممكن من الحماية لمصالح الدولة، ومنها الثقة في المناصب.

في القضاء مثلا، هناك شروط دقيقة، لا بد أن يتحلى بها القاضي، لكي يثق الناس في عدالة القضاء وحياده. وهذه الثقة لازمة لاستقرار أي مجتمع أو أي دولة. وبدونها تنهار أسس الدولة كاملة. لذلك يمتنع على القاضي أن يحكم في قضية يكون أحد أقربائه طرفاً فيها، وليس في ذلك انتقاص من نزاهته أو تشكيك في حياده، وإنما حفظا له من الحرج، ومنعا لسوء ظن المتقاضين بحكمه.

نعود إلى الحديث عن رئيس البلاد بما له من صلاحيات، ينبغي تخفيضها والحد منها، ولكن تظل له صلاحياته، ويظل يمثل البلاد أمام العالم. فلابد أن يكون متمتعاً بالثقة التي لا يتسرب إليها شك في انتمائه للبلد. ولا بد من دفع أي سوء ظن بمن يشغل هذا المنصب، أو في دوافع قراراته ومواقفه.

فالحديث عن ازدواج الجنسية ومنع أصحاب الجنسيات الأخرى من الترشح لهذا المنصب، لا يعني الانتقاص من وطنية الذي اضطروا أو رغبوا في الحصول على جنسية أخرى نتيجة الظروف التي كانت تمر بها مصر في العقود الأخيرة. ولكنه دفع لسوء الظن. فلو أن رئيساً يحمل جنسية إيطالية مثلاً، ووقع اتفاقية في أي مجال مع إيطاليا. فهل نعدم من يثير مسألة ازدواج الانتماء – أو تعارض المصالح – إذا رأى شرطاً لا يعجبه في الاتفاقية؟ ألن يقال إنه يعمل على ترسيخ النفوذ الإيطالي في مصر لأنه يحمل جنسية إيطالية؟ سيقال بالتأكيد. سواء من منافس سياسي أو من مخلص سيء الظن. والناس مجبولون على سوء الظن بالحكام.

وكذلك الأمر بالنسبة لجنسية الزوجة، فلو كان الرئيس متزوجاً من تركية مثلا، وجاء اتفاق مثل الذي نشر مؤخراً عن إلغاء تأشيرة الدخول بين تركيا ومصر. فهل نعدم من يقول إن الرئيس يحابي أصهاره، ويعمل على استفادتهم من نفوذ الرئيس المصري في مصر؟ ألن نجد من يقول إن الرئيس قد عمل على ذلك حتى يتمكن أبناؤه من زيارة أخوالهم بسهولة؟ سيقال ذلك وأكثر منه بالتأكيد.

هذا مع افتراضنا براءة الرئيس من التأثر بأصهاره، وتداخل مصالحه مع مصالحهم. ونفينا لاحتمال تأثر تفكيره وقراراته بهذا الزواج. وبلاد الدنيا تشترط على الدبلوماسيين والعسكريين عدم الزواج بأجنبية إلا بإذن خاص. (خوفاً من هذا التأثر). فكيف بالقائد الأعلى والممثل الدبلوماسي الأول في البلاد؟ ألا يجب أن ينطبق عليه ذات الشرط؟

إن هذه الشروط، لم توضع في ظني تفصيلا لمنع أحد، أو حصر المشرحين في أسماء بعينها في هذه المرحلة. وإنما وضعت من أجل حماية المنصب من سوء الظن وسوء القالة. ورفعاً للحرج عن الرئيس الذي يفترض فيه أن يمثل البلد أمام العالم، ويقوم بقيادة البلاد اعتمادا على الثقة وليس على القوة العسكرية أو مباحث أمن الدولة وجهاز المخابرات.

كذلك كنت أتمنى أن يضاف شرط الإسلام لهذه الشروط، مراعاة للوضع المصري. حيث دين الدولة الإسلام، وغالبية الشعب مسلمين. وهناك مؤسسة كنسية تقوم بما يتعلق بالشأن الديني للمسيحيين، تكاد لا تخضع للدولة، بخلاف شأن الأزهر الشريف. وكون الرئيس مسلماً أمر مهم يحقق مصلحة للمسلمين والمسيحيين على السواء. إذ لو كان الرئيس الذي سلم السيدة وفاء قسطنطين وأخواتها مسيحياً لقامت في مصر حرب أهلية. ولو كان الرئيس الذي باع الغاز للكيان الإسرائيلي مسيحياً لحسب ذلك على المسيحيين كافة. ولو كان الذي حدث للإسلاميين في العهد الساقط قد حدث في عهد رئيس أو وزير غير مسلم، لكانت البلاد مهددة بحرب أهلية، ولأخذ كل المسيحيين في البلاد بذنبه. ولو كان الرئيس مسيحياً واتخذ قراراً رآه المسلمين محاباة لكنسية لقامت الدنيا ولم تقعد. وفي هذا حرج على أي رئيس غير مسلم أي حرج.

أما الحديث عن المواطنة، وتساوي المواطنين في فرصة الترشح للرئاسة، فهو كلام في غير محله. فشرط السن مثلاً لا ينتقص من وطنية من هو دون الأربعين، ولا يمنعه من خدمة وطنه. كذلك فليس منصب الرئاسة هو المنصب الوحيد الذي يمكن لصاحبه أن يخدم وطنه وأن ينفع بلاده. فالدكتور مجدي يعقوب قد أسدى لمصر خدمات جليلة بالمركز الطبي الذي أقامه في أسوان. ولم يكن رئيساً، ولم يرشحه أحد للرئاسة. وغيره كثير من المسلمين والمسيحيين الذي خدموا بلادهم، وقدموا لها الكثير، ونفع الله بهم البلاد والعباد بغير منصب الرئاسة. وربما لو تولى أحدهم الرئاسة لما انتفعنا به مثلما انتفعنا ببعده عنها.

والله أعلم.