بين الدين والعلمانية

بين الدين والعلمانية

لا يخفى على أحد وجود مشكل كبير وممتد بين الفكر العلماني والفكر الإسلامي. هناك مساحة كبيرة من سوء الفهم وسوء الظن بين أهل الفكرَين. الأمر الذي يدفع بعض الإسلاميين إلى تكفير العلمانيين، ويدفع بعض العلمانيين إلى وصم الفكر الإسلامي بأنه فكر الخرافة والدجل والكهنوت، وهو معادل التكفير عند أصحابه.

ربما كان علينا الخوض في أصل هذا المشكل بين الفريقين، لعلنا نصل إلى جوهره ومبدئه. وليس هدفي هنا أن أنتصر لأحدهما على الآخر، وإنما أسعى إلى بيان ما فهمته من أصل هذا الخلاف الذي لا أرى له نهاية. إذ لا يبدو لي أن الفريقين قادران على الوصول إلى نقطة التقاء حقيقية، دون أن يتنازل أحدهما عن أساسه وجوهره.

المشكل في ظني أن العلمانية غير قادرة على فهم أساس الإسلام، أو أساس الأديان ابتداء. فكما أن العلمانية مفردة لا محل لها في الفكر الإسلامي. لأن العلمانية هي مقابل الكهنوتية أو الإكليروس الكنسي. وليس عندنا في الإسلام كنيسة ولا إكليروس ولا كنهوت. فإن الدين ليس له محل في الفكر العلماني. لا يستطيع الفكر العلماني البحث في الدين، ولا قبوله ولا رفضه ولا تفسيره. لا يستطيع دراسته بالمرة. لأنه لا يملك الأدوات اللازمة للبحث في الأديان. كمن يحاول حساب الوزن بمقياس الحرارة.

يقول علي عزت بيجوفيتش، إن الفكر البشري بكامله يندرج تحت ثلاث مدارس أو ثلاثة تيارات أساسية. لا يخرج عنها فكر بشري: وهي المدرسة المادية، والمدرسة الروحية (ترجمها د. محمد عدس المدرسة الدينية)، ومدرسة الوحدة ثنائية القطب.

في المدرسة المادية: يتم قياس كل شيء بقيمته المادية، ولا عبرة لأي قيمة معنوية أو روحية. وبالتالي فإن منظومة الأخلاق والدين والجمال والفن، ليس لها محل في أصل الفكر المادي. الفكر المادي ينكر وجودها أصلاً، لأنها جميعاً قائمة على الغيب، والفكر العلماني ينكر الغيب جملة. وبالتالي لا يستطيع أن يناقشها. إنها بالنسبة له كالعنقاء، ولا يمكن أن تقوم مناقشة عاقلة بين عقلاء حول شروط تربية العنقاء مثلاً في أي مدرسة من المدارس الثلاث. وبالتالي فإن قيم التضحية والعطاء والإيثار كلها بالنسبة للفكر المادي أوهام، أو هي صيغة محرفة من المصلحة أو اللذة أو المنفعة. والصورة الأوضح وربما الأقبح لتطبيق المدرسة المادية هي مدينة أفلاطون (يوتوبيا).

في المدرسة الروحية: يتم قياس الأمور وفق قيمتها المعنوية والروحية. فتصبح المنفعة الشخصية مسألة مستنكرة، أو في أحسن الفروض غير مرغوب بها. وتصبح القيمة المعنوية هي المهمة وهي القيمة الحقيقة. ويكون الهدف هو العطاء المستمر، والامتناع عن الأخذ بالأيسر، وإنكار حاجات الجسد قدر المستطاع. وهذا هو الفكر الأصلي للمدرسة الروحية، ويمثلها الكنيسة المسيحية، فنسمع عن كاهن عاش عمرا على الخبز الجاف والماء القراح، وعن آخر عاش عشرين عاماً لم يغسل قدميه (وهذه صورة واضحة لإنكار حاجات الجسد)، أو نرى الترغيب في ترك الزواج والحض على الرهبانية. وغيرها من صور إنكار الحاجات المادية أو الجسدية للإنسان.

في تطبيق هاتين المدرستين، اضطر أصحاب كل مدرسة إلى الاستعارة من المدرسة الأخرى، لكي يمكن إقامة مجتمع بشري. ففي الأنظمة المتطرفة مادياً مثل الشيوعية، تم الاستعانة برموز معنوية مثل النياشين والأوسمة (التي لا تحمل أي قيمة أو منفعة مادية). وفي المقابل اضطرت الكنيسة إلى العمل في الإدارة والحرب والسياسة، (وكلها تنتمي إلى المدرسة المادية)، بل إن الهرم التراتبي في الكنيسة ينتمي إلى المدرسة المادية، ففي مدرسة الروح كل الناس سواسية، وكل الأرواح متساوية.

وهاتان المدرستان هما خطان متوازيان، لا يلتقيان أبداً على المستوى الفكري. وإن تعايشا في المجتمعات البشرية من أجل تلبية حاجات الإنسان بشقيها المادي والروحي. والحقيقة أنهما لم يتعايشا وحسب، وإنما اختلطا في أمور عديدة كما سبق القول. ولكن في المستوى النظري والتحليلي، هما ضدان لا يلتقيان. الطريف أنهما يلتقيان في بعض المسائل، كل من جهته، وكأن الفكر البشري دائري، فإذا تطرفت في أمر وصلت إلى نقيضه. فالفكر الروحي يرفض الزواج، أو لا يحبذه. لأنه متعلق بالجسد، وحاجاته المادية. والفكر المادي يستنكر الزواج ويراه رابطا لا معنى له ولا قيمة. وفي التطبيق يختلف الزواج الكنسي عن الزواج المادي. فالأول هو رباط سماوي لا يحله إلا الموت، وفي الثاني هو عقد مدني يعقده كاتب عدل، ويفسخه القاضي. وكلاهما مختلف عن الزواج في الإسلام.

في المدرسة ثنائية القطب: وهي تشمل الفكر الإسلامي، وفلسفة “بيكون” (مؤسس الفلسفة الإنجليزية) التي تعلمها من تلاميذ ابن رشد في الأندلس. وهذا الفكر يقر بأن الإنسان روح وجسد، له حاجاته المادية والمعنوية، ويعطى الاعتبار للجانبين في كل أعمال الإنسان. فكل عمل يقوم به الإنسان يحتوي على جانب من الحاجات الجسدية وجانب من الحاجات الروحية. وقد اعتبر بيجوفيتش أن أوضح أمثلة ذلك هو الصلاة، (كما يعرفها الإسلام) فهي رياضة بدنية وطهارة نفسية في نفس العمل. واعتبر الوضوء مثل الصلاة في ذلك. فهو نظافة للبدن وتطهير للروح. ويمكن القياس على ذلك في الزكاة والحج. ليذكروا الله في أيام معدودات، ويشهدوا منافع لهم في عمل واحد هو من أركان الإسلام. ربما يكون الصوم هو العبادة الإسلامية الأقرب إلى المدرسة الروحية.

كما اعتبر بيجوفيتش أن التعليم والتدريب ينتمي إلى المدرسة المادية، في حين أن التربية تنتمي إلى المدرسة الروحية. وعرض النموذج الذي صنعه المسلمون عبر التاريخ وسماه (المسجدرسة – حسب ترجمة د. عدس) التي تشمل التربية والتعليم معاً. وهي ملاحظة لطيفة، حيث ارتبطت المدارس في التاريخ الإسلامي بالمساجد، وكانت أقدم مدرسة إسلامية في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأقدم الجامعات الإسلامية هي الزيتونة في تونس، والأزهر في مصر.

ربما يظن البعض، إذا نظر نظرة غير مدققة، أن الإسلام لم يزد على أن جمع شيئا من هنا وشيئا من هناك، كما يقول بعض المستشرقين، فأخذ من المادية ما ينفعه وأخذ من الروحية ما يصلحه. وهذا نظر قاصر شديد القصور. فالإسلام لم يأخذ التعليم من المادية، ولا أخذ الصلاة من الروحية. وإنما كانت الصلاة مركبة من المادية (في الحركات الجسدية)، والروحية (من استقبال القبلة، ومناجاة الله ودعائه). وجعل التعليم عبادة يراد بها رضا الله ومصلحة الفرد ومنفعة المجتمع وعمارة الأرض في عمل واحد.

فإذا نظرنا إلى ذلك كله، نجد أن مشكلة الفكر العلماني في التعامل مع القرآن وسائر الكتب الدينية، أنه ينكر معنى الدين (أو يجهله) وهو الأساس الذي قامت عليه هذه الكتب، أو الأساس الذي يؤمن به أتباع هذه الكتب. في حين أن المفكر المسيحي، يستطيع فهم القرآن أفضل من العلماني (برغم أن كلاهما ينكر نسبة القرآن إلى الله)، لأن المسيحي يفهم معنى الدين، وإن كان المعنى عنده مخالف لنظرة المسلمين للدين، والعلماني ينكر الدين جملة. فالأول يملك الأداة المناسبة وإن كانت غير دقيقة، والآخر يعمل بأداة لا علاقة لها بالمادة التي يدرسها. وكما في المثال الذي بدأت به، فالمسيحي يقدر الوزن بميزان غير دقيق، والعلماني يحاول ذلك بمقياس الحرارة.

والله أعلم

لعبة التدوين 3


المدونة الناجحة والمدونة المحترمة

طرح أخي العزيز المدون عادل سعيد سؤالاً عويصاً، ما هو معيار المدوَّنة الناجحة؟

قبل التعرض لإجابة هذا السؤال، أحسب أن علينا التمييز بين المدونة الناجحة والمدونة المحترمة أو المدونة الجيدة. ولكل من هذه الصفات معايير تختلف عن معايير الصفات الأخرى. فالمدونة الناجحة ليست بالضرورة محترمة.

فالنجاح قد يمكن قياسه بمعايير رقمية أو كمية. رقم معين إذا تحقق فهو يعنى النجاح، كلما ارتفع الرقم كان معناه المزيد من النجاح. في حين أن الاحترام مسألة تقديرية، لا يمكن قياسها بالأرقام. وهذه مشكلة تواجه وسائل الإعلام والأعمال الإبداعية عموماً. فقد تكون جريدة توزع ألف نسخة، ولكنها تحظى بالاحترام والمصداقية أكثر بكثير من أخرى توزع مائة ألف نسخة.

من ناحية أخرى، يفترض أن قياس النجاح يعتمد أساساً على غرض المدونة الأساسي في قلب صاحبها. وقد يرى العالم أن المدونة فاشلة، ولكنها حققت غرض صاحبها. فمثلاً أنشأ أحدهم مدونة بغرض سب مدون آخر، وقال فيها ما يثقله من سباب، وأبدى فيها ما يأكل كبده من غل على هذا المدون، فقد حقق غرضه، ويكون النجاح كاملاً إذا انسحب المدون الهدف، وأغلق مدونته. وهناك مدونات أقيمت من أجل نشر فكرة كتاب، وقياس نجاحها سهل وقريب، فإذا تم نشر الكتاب فقد نجحت المدونة في تحقيق هدفها. إذا عرف أن الناس لا تتقبل أعماله (شعراً أو نثراً) فقد أصاب بعض النجاح في معرفة أن الأدب ليس الطريق المناسب له. ولكن هذه النماذج بطبيعتها هي مدونات قصيرة الأمد، وينتهي عمرها بانتهاء وظيفتها. حتى وإن ظلت قائمة، فإنها تظل بلا هدف.

هناك أغراض أخرى للمدونات، فمثلاً هناك مدونات مخصصة لفضح التجاوزات الحكومية، وهي قادرة على الاستمرار في عملها ما استمرت هذه التجاوزات. وهي في الأغلب لا تنتهي في أي بلد من بلاد الدنيا. مادام الحاكم والمحكوم فيها من البشر. وهناك مدونات تدعوا إلى قضية معينة، وتعتمد أسلوب الإثارة والحشد، وليس التحليل والمنطق، فهي تعرض موقفاً مبدئياً لا يختلف الناس حوله، ثم تطبقه على مواقف يرى صاحب المدونة أنه لا ينبغي أن يختلف الناس حولها.في حين تتجه مدونات أخرى إلى عرض قضايا فكرية شائكة، تحتاج إلى عمل فكري، ومناظرات قد لا تنتهي إلى يوم القيامة، هناك مئات الآلاف من المدونات باللغة العربية، ولكل منها غرض. ويكاد يكون لكل منها معيار النجاح الخاص. ولكن إذا تحدثنا عن المدونات غير المحدودة بهدف مباشر. مثل مدونات الخواطر أو التعليق على الأحداث أو مناقشة الواقع الاجتماعي والسياسي، فأحسب أن المعيار الرقمي سوف يكون مفيداً في قياس نجاحها مع بض الشروط …

والمعايير الرقمية المتاحة للمدونة هي

الزوار

عدد الزوار، فكلما زاد عدد الزوار إلى المدونة، كان هذا مؤشراً على نجاح المدونة. ولكن هذا النجاح لا يرتبط بالضرورة بالاحترام والجودة.

نسبة الزوار لعدد الإدراجات،  تعطي هذه النسبة مؤشراً أكثر دقة من مجرد عدد الزوار. فمدونة ذات ألف زائر لعشرين إدراجاً، هي أنجح من مدونة مليون زائر لمليون إدراج.

انتظام معدل الزوار، هذا المؤشر يشير عادة إلى تردد الزوار إلى المدونة، وتكرار عودتهم إليها. وهو يعنى في صيغة أخرى ولاء العميل/ القارئ، وحرصه على متابعة المدونة.

 التعليقات، وهو المؤشر الذي يعتبره الكثيرون المؤشر الأساسي على النجاح. وهو ينقسم إلى جزئين.

عدد التعليقات، وهو مؤشر في الأغلب يشير إلى تفاعل القارئ مع الإدراج المطروح، وهو ما يعكس الاهتمام والتأثر بالمادة المقدمة. ولكن هذا أيضاً مرهون بنوع التعليقات، فهناك تعليقات لا تعكس شيئاً على الإطلاق، مثل تعليقات الدعاية والأخبار، وهي التعليقات التي يشتكي منها كثير من المدونين. وهناك تعليقات في الصميم، يعرف منها الكاتب أن القارئ قد أحسن القراءة، وفهم الموضوع، سواء اتفق معه أو اختلف. فكلامهما نجاح. وهناك من الناس من اختلافه أنفع من اتفاق غيره. فيكفي أنه رأى في المدونة ما يستحق التعليق. وهذا الجزء من تقدير نوع التعليق متروك للمدون ذاته، فهناك من يرحب بالتصفيق والتحيات، وهناك من لا يرى نفسه نجح إلا بإثارة المعارك حول الإدراج، وهناك من لا يغمض جفنه إلا إذا رأى الغضب يثور حول إدراجاته.

هناك مقياس آخر للنجاح، وهو عدد المتابعين للمدونة، عدد الجمهور الذي ينتظر إدراجا جديداً على هذه المدونة لكي يسارع بقراءته. وهذا دليل كبير هذا ثقة القارئ بالمدونة وأصحابها أو اهتمامه بمتابعة ما يقول صاحب المدونة. وهذا الاهتمام هو عين النجاح في ظني.

هناك أيضاً من يعتمد عدد الروابط الواردة كمقياس للنجاح، فكلما زادت الإشارات الواردة إلى المدونة، كلما كان ذلك دليلاً على التقدير الذي تحظى به المدونة، ومدى أثرها عند القارئ الذي قرر أنها ليست مجرد مدونة تستحق أن يتابعها، وإنما هي  مدونة تستحق أن ينصح الناس بقراءتها. وهذا في ظني هو المقياس الأكبر على النجاح. وهو مقياس يصعب تزويره، ويصعب إظهاره. ولكنه كذلك يعكس أعلى درجات الثقة والتقدير في ظني.

هذه هي المعايير الرقمية التي أعرفها للمدونة، ويمكن استخدامها لقياس مدى نجاح المدونة. ولكن… ولا بد من هذا الاستدراك

لكن..

هذه الأرقام يمكن تحقيقها بوسائل عديدة، ليس كلها جدير بالاحترام والتقدير، وليس ارتفاع هذه الأرقام دليل على جودة محتوى المدونة. فجرائد الفضائح وأخبار الفنانين أوسع انتشاراً وأكثر قراءً من المجلات الثقافية الرصينة، أو النشرات العلمية القيمة. فهل يمكن اعتبار هذا فشلاً للمجلات الثقافية؟

أحسب أن هناك شروطاً يجب توفرها في المدونة لكي تكون مدونة محترمة.

ومنها الاحترام الأخلاقي، وهو معيار أراه مهماً، ويرى غيري أنه غير مهم بالمرة، فهناك مدونات ترفع شعار هذه المدونة ترحب بالبذاءات. أو مدونة يعلن صاحبها أنه يفضل استخدام السباب في التعبير عن مواقفه. وهو رأي منتشر عند الكثيرين. وهناك قيمة المادة المعروضة، فمثلاُ كانت مدونة رسومات أخينا أحمد الضبع لا تلقى عشر عدد زوار مدونة تعرض صور الفنانات. ولكن بالتأكيد كانت رسومات الضبع أكثر قيمة بما لا يقاس. والتزام المدون بمبادئه، سواء اتفقت معه فيها أم لا، وهناك استقلالية المدون بفكره، فإذا كان المدون يردد ما قاله آخرون، فلماذا أذهب إليه؟ سأذهب إلى صاحب الكلام الأصلي. وكذلك يمكن إضافة قدر الإبداع في المدونة، ومقدار الأصالة في عرض المادة المقدمة. هذه العناصر لا يمكن قياسها بالأرقام. وإنما هي التي تترك انطباعاً جيداً عند القارئ، وتساهم بقدر كبير في رفع المعايير الرقمية التي أشرت إليها في أول الأمر.

ولكن من يعمل على رفع الأرقام (الزوار، والتعليقات، والمتابعين) بوسائل تتنافى مع الأخلاق سواء كان بالتزوير أو بوضع عناوين لافتة لمحتوى فارغ، أو نشر مواد غير أخلاقية من صور أو قصص أو خلافه، فقد يعتبر من ناحية مهنية صاحب مدونة ناجحة، ولكنها لا تكون مدونة محترمة. 

والله تعالى أعلم.

  

ملاحظة مهمة 

جاء هذا الإدراج استجابة لأخي المهندس عادل سعيد. 

فهو إدراج مشترك، له الفكرة والأرباح

ولي الصياغة والتعليقات. 

لعبة التدوين 2

لعبة التدوين2



عندما نرى أهمية رصد المدونات في قراءة تغيرات العقل الجماعي العربي، وتأثير المدونات في الحركة الفكرية والسياسية في العالم العربي – وهو أثر كبير وإن كان غير حاسم – فمن الطبيعي أن نتوقع أن تقوم كل الجهات المعنية بمراقبة هذه المدونات وخاصة ذات الإقبال الكبير والأثر الظاهر. ومن الطبيعي أن تكون هناك محاولات للتأثير على مسار هذه المدونات، بطريقة أو بأخرى، عن طريق التعليق أو الاختراق أو الإشارة إليها ونشرها أو التعتيم أو التشويش عليها. وكما رأينا استضافة مدونين على صفحات الجرائد وشاشات الفضائيات، فقد رأينا استضافة بعضهم في السجون والمعتقلات. وهذا يدل على عملية رصد لمحتويات هذه المدونات، ورصد لمحتويات الشبكة ككل.


من الذي يراقب ويرصد ولماذا؟


من الطبيعي أن كل صاحب مصلحة يعمل على مراقبة ما يهمه في الشبكة، بما في ذلك المدونين أنفسهم. فكل منا يبحث عن ما يهمه ويشغله، من مقالات أو أخبار أو صور وأفلام وأغاني إلى آخر القائمة- وهذا عمل أفراد. وهناك الجرائد والمجلات والقنوات الإعلامية والأحزاب والجماعات السياسية، كلها لها مصالح واهتمامات، وهي تتدخل كما تستطيع وكما يساعد على تحقيق رؤية كل منها. والأجهزة الأمنية في بلادنا منشغلة في الأغلب بمراقبة الأفكار السياسية، وحماية الأنظمة والقوانين وفق رؤيتها، وهذا عملها على كل حال. أما أجهزة الدول الساعية للسيطرة (أو الحفاظ على السيطرة) فهي تسعى لأمرين، ولابد لها أن تسعى لهما، الأول مراقبة أي أفكار أو دعوات قد تؤدي إلى كسر هذه الهيمنة أو إعاقة تقدمها، وذلك بغرض حصار هذه الأفكار والقضاء عليها. والآخر زرع وترسيخ أفكار ومفاهيم من شأنها دعم الانكسار العربي والهيمنة الغربية على العقول. وذلك لإنشاء المزيد من العقول التي ترى أنه لا سبيل لنا للنهضة إلا بعقل غربي.


والفكر الإمبريالي، أو الفكر الأوربي عموماًً، له سوابق واضحة في المسخ الثقافي، أو الإبادة الثقافية. فهو لم يعد حريصاً على إبادة جنس بعينه، وإنما يهمه القضاء على ثقافة هذا الجنس. وإنشاء أبنائه على الصورة التي يحبها المستعمر الأوروبي. هذا ما فعلته أوروبا في أمريكا وإفريقيا وأجزاء من آسيا. وذلك باستخدام الحديد والنار مرات، واستخدام المدارس والمستشفيات مرات أخرى، واستخدام المال والكنائس في مرات ثالثة، والإعلام والفنون مرات رابعة، وربما يستعينون بالمدونات الآن. المهم أن يتم القضاء على عناصر القوة في كل ثقافة قد تنافسهم، وأن يتم زراعة الهزيمة في نفوس كل من حولهم، لكي ينشأ جيل يخضع نفسه، ويستعمر ذاته لحساب السيد الأوروبي.


ففي إفريقيا تم إنشاء جيل لا يعرف لغة أجداده ولا دينهم ولا تاريخهم. وفي أمريكا تم القضاء على شعوب “الهنود الحمر” ومسح تاريخهم وإنشاء جيل لا يعرف عن أجداده إلا أكاذيب روجها الرجل الأبيض.، وقل مثل ذلك عن أمريكا الجنوبية والهند. وقد حاولوا كثيراً مع المغرب العربي ومصر والخليج العربي. ولم يعصمنا من ذلك المصير إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومازالت الحرب سجال.  لذلك من الطبيعي أن نتوقع من الأمريكي أن يسعى إلى الهيمنة على عقول العالم بكل سبيل، ومنها المدونات. بل إنني لا أستطيع توقع غير ذلك مع معرفتي بالفكر الأوروبي وخليفته الأمريكي. الفكر الذي جعل همه الأول تمدين الرجل الهندي، وجعله يرتدي ثياباً لها جيوب يضع فيها الدولارات ليشتري بها منتجات الرجل الأبيض (والتعبير لأحد الآباء الأمريكيين- بشكل حرفي تقريباً). فليس من الصعب أن نتخيل ما يريده لنا، ومقدار ما حققه في أمتنا. ولكن يظل هناك جيوب مقاومة، وبذور نهضة في ثقافتنا، وقد جرب الأوروبي أن يرانا نجدد نهضتنا مرة بعد مرة، وعرف أنه لا يستطيع الحفاظ على تفوقه إلا بقتل هذه البذور، وتسميم تربتها. فهو يفعل ذلك في الإعلام والتعليم ومن الطبيعي أن تشمل جهوده المدونات.


المدونات ليست الطريق للتغيير، ولكنها إحدى الطرق. إحدى السبل المتاحة لنشر الفكر، وغرس بذور الأمل والثقة في هذه الأمة، وطريق للتواصل بين أفراد تباعدت بلادهم وتقاربت أفكارهم وأحلامهم وتماثلت همومهم. ومن هنا تأتي أهميته. وككل عمل له أهميته ينبغي الاهتمام به، والحرص في التعامل معه. أما من يرى أن التدوين عمل تافه لا قيمة له، فليتركه ويبحث عن شيء نافع يفعله. إن من المهم أن يشعر الإنسان بقدره وبأهمية ما يفعله، وأن يدرك تأثيره في ما حوله، دون مغالاة كبيرة، ولكن كذلك دون أن يحقر من نفسه أو يقلل من شأنه. لأن إدراك أهمية ما يفعله يجعله يهتم بإتقانه، ويطور فيه قدر جهده، كما يمنحه الصحة النفسية اللازمة. أما إذا شعر أنه لا يفعل ما ينفع ولا ما يضر، فهو ميت وإن تنفس وأكل وشرب ونشر ألف مدونة.

 

لعبة التدوين1

لعبة التدوين1

 

بدأ التدوين كلعبة يستطيع الفرد من خلالها أن يكتب ما يشاء وقت يشاء وأن ينشر ما كتبه على من يشاء. ثم اتسع نطاقها حول العالم، فتعددت المدونات بجميع لغات الأرض، وفي جميع أقطارها. وتنوعت من حيث أسلوبها واهتمامها ومدى الإقبال عليها. وتحول التدوين إلى بديل فعال للصحافة الورقية التقليدية. حيث لا يحتاج إلى مصروفات أو تصاريح، ولا إلى خبرة فنية في الكتابة والنشر، ولا يخضع لسلطان الإعلانات، ويستطيع في حالات كثيرة أن يتجاوز حتى سلطان الأمن والقانون. ولكن يجب النظر إلى المدونات كما هي في حقيقتها، فهي أقرب إلى حديث صالونات أو مقاهي. حسب نوعية المدونة. فهي إنما تبادل للأفكار والمشاعر والاهتمامات، وحديث لإيقاظ الهمم ونشر الوعي. وليست محاضرات فقهية ولا دراسات علمية، وهي ليست تخطيطاً لتقدم الأمة، وإن كان هناك استثناءات قليلة.

ولما اتسع نطاق المدونات وانتشر أثرها وازداد الاهتمام العام بها، بدأت السلطات في العالم تنتبه إلى أهمية هذه الأداة في التعبير عن نبض الشارع، وعن تشكيل قطاع كبير ومؤثر من الوعي العام، سواء على مستوى القطري (داخل البلد الواحد) أو على مستوى العالم العربي ككل. ففي مكتوب مثلاً، حدث تقارب في حالات كثيرة بين أفراد من مختلف البلاد العربية، فرأينا حواراً بين أقصى الشرق العربي في العراق والخليج مع أقصى المغرب العربي في المغرب وموريتانيا، بل واشترك فيه أفراد مقيمين في أوروبا. وهذا الأمر حقق جزءاً يسيراً مما نحلم به من توحيد هذه الأمة، وجزءاً أكبر من التعبير عن الأحلام المشتركة بين أجزاء هذا الوطن الممزق.

بالطبع لا يوجد مدونة بذاتها تعبر عن الشارع العربي أو حتى الشارع في بلد بعينه ولن يوجد مثل هذه المدونة، ولكن مجموع المدونات العربية، تعكس بدرجة كبيرة وعي وأفكار وأحلام الشارع العربي، ويظهر ذلك جلياً عند النوازل الكبيرة الظاهرة، كما ظهر يوم تطاول بابا الفاتيكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيام العدوان على غزة، وغيرها من الأحداث المؤثرة. فمن الطبيعي أن يهتم الجميع (أو الأغلبية) بالأحداث الجسام، والمواسم المتكررة، مثل رمضان وذكرى المولد النبوي، ورأس السنة، وغيرها. فكتابة الناس هنا، ليست اجتراراً لقديم انتهى زمنه، وإنما تفاعل مع حدث متكرر ومتجدد. وهو لا يعكس ثقافة قطيع كما يحلو للبعض أن يردد، وإنما هو انعكاس لاهتمام مشترك لأفراد من أمة يجمعها الكثير، وإن فرقتها الحدود المفروضة. ولنضرب مثلاً على مستوى العالم، ففي الانتخابات الأمريكية، تتجه جميع وسائل الإعلام إلى الحديث عن تلك الانتخابات، ولم يدع أحد أنها ثقافة قطيع، وإنما هو حدث أثار اهتمام الجميع، فتناوله كل حسب رؤيته ووعيه.

ويظهر انعكاس الشارع على المدونات في مظاهره الإيجابية والسلبية على السواء. فكما يظهر أثر وحدة اللغة والتاريخ والأحلام، يظهر كذلك بعض الفجر في الخصومة، وسوء أدب في الحوار، وسخف في القول وغش في المعاملة. وتظهر مدونات الدعوة إلى أباطيل وخرافات، ومدونات التطرف الفكري والسياسي، إلى جانب مدونات حقوق الإنسان وكشف الفساد المالي والديني والأخلاقي والسياسي والفكري. فكل هذه النماذج وغيرها موجود في الشارع ونراه في الإعلام والمقاهي، وللأسف نراه أيضاً في الجامعات والمنتديات الثقافية. من هنا تبرز أهمية مراقبة المدونات لكل من أراد فهم الفكر العربي العام المعاصر ورصد تغيراته. فرصد مجموع المدونات يستطيع أن يعطي صورة قريبة جداً من شكل الشارع العربي، بأحلامه وتصوراته وأفكاره، ورؤيته للأحداث.

وكما تعكس المدونات وعي الشارع، فهي تساهم كذلك بقدر ما في تشكيل هذا الوعي. ولذلك يسعى كل حالم بالتغيير إلى كتابة ما يريد نشره. وكما يوجد لدينا آلاف الحالمين بالتغيير إلى الأفضل. يوجد جهات كثيرة، يهمها التغيير في الاتجاه المضاد. أو ترسيخ السلبيات ومنع انتشار الأفكار الإيجابية. والحرب النفسية المعتمدة على الكلمة- في الخبر والفكرة- قديمة جداً. نراها في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في عمل المنافقين والذين في قلوبهم مرض. ونراها في العصر الحديث في الحرب العالمية، ونراها في العصر ما بعد الحديث (عصر المعلومات) في إشاعات تخرج وأخبار تتداول ودعاوى تنتشر في الصحافة والإعلام والمدونات. تعمل على نشر الفرقة أو إحباط الهمم أو التضليل، ولهم في ذلك فنون كثيرة، تحتاج إلى دراسة أطول. ولكن الأكيد بلا شك، أن هناك من يقرأ وهناك من يكتب وهناك من يراقب، ليس لغرض الخير. وإنما لتحقيق أهداف السيطرة الغربية، واستبقائها. 

 

وللحديث تتمة..

 

وسقط فاروق حسني

وسقط فاروق حسني


سقط فاروق حسني وزير الثقافة المصري في انتخابات مدير عام اليونسكو. وعاد ليواصل عمله في وزارة الثقافة برغم أنه قد أعلن سابقاً أنه سوف يستقيل من منصبه الوزاري. ولكن لا أظن أحداً قد صدق مثل هذا الادعاء، فنحن لم نعتد مسألة استقالة الوزراء، مهما صرحوا أو وعدوا. ولن أخوض في تقويم أداء الوزير المهني، بصفته وزير الثقافة على مدى يقارب ربع القرن، فحال الثقافة يشهد بأدائه، ولا يحتاج إلى تعليق كثير.

وقد كنت أتابع أخبار الانتخابات وأنا أخشى أن يفوز الوزير بالمنصب، ففوزه لن يكون في صالحنا أبداً، وهو قد بدأ بتقديم كل ما يستطيع من تنازلات لكسب رضا اليهود في العالم، ونيل التأييد الإسرائيلي. وهو ما يدل أنه قد دخل المعركة بنفسية المهزوم، وعقلية المتهم الذي يفعل كل شيء لدفع التهمة. وأظن أنه لو فاز بهذا المنصب لفعل كل ما يستطيع للحفاظ على الرضا السامي، ودفع تهمة معاداة السامية أو كراهة اليهود أو الانحياز للعرب. وما كان بوسعه أن يفعل شيئاً لصالح العرب ولو أراد. فصلاحياته محدودة، وتحركاته مرسومة بالسيطرة الأمريكية على المنظمة (كسواها من واجهات المجتمع الدولي).

ولكن أشد ما أثارني في الأخبار، هي العبارة التي ترددت كل مرة بعد اسم الوزير. (الذي أثار جدلاً واسعاً بتصريحاته التي اعتبرت معادية للسامية). وذلك عندما صرح أنه سيحرق أي كتب عبرية يجدها في المكتبة. ولكني لم أجد أحداً قال إن الوزير كان قد أثار جدلاً كبيراً في تصريحاته التي اعتبرت معادية للإسلام، عندما أدلى بتعليقات مسيئة بحق الحجاب. ولم أر أحداً قال إن الوزير قد أثار الجدل بمواقف اعتبرت منافية للوطنية، عندما سعى حثيثاً للاحتفال بمرور مائتي عام على العدوان الفرنسي على مصر، في عهد نابليون.

وهذا التجاهل الشديد من جميع وسائل الإعلام لما أثاره الوزير من جدل بسبب موقفيه المذكورين. أمر له في ظني سببان.

الأول أن التذكير بهذه المواقف، يستعدي العرب الغيورين على عروبتهم والمسلمين المتمسكين بإسلامهم ضد الوزير، وضد من رشحه. وهذا موقف لا يصدر عن وسائل الإعلام المصرية بالطبع، ولا من إعلام لا يريد إغضاب مصر في الوقت الحالي (مثل الجزيرة) . كما أنه لا يصدر عن إعلام لا يفكر في رأي أهل العروبة والإسلام ولا ينطلق إلا من منظور أمريكي واضح (مثل العربية).

والسبب الآخر، هو أن كثيراً من وسائل الإعلام عالية الصوت التي نسمعها في الأغلب لا تبالي برأي كل هؤلاء الغاضبين على الوزير من أهل العروبة والإسلام. فذلك الإعلام لا يرى أن التهجم على الإسلام مسألة مثيرة للجدل أساساً، بل هي عندهم حرية رأي، بخلاف التعرض للكيان الإسرائيلي أو المذابح الإسرائيلية أو الجرائم الصهيونية، التعرض لمثل هذا هو جريمة ضد الحرية وضد السلام. كما أن التغني بفضل المعتدي وأفضال الاحتلال لم يعد خيانة، وإنما رؤية متحضرة ذات نظر بعيد وفكر ثاقب، بعيداً عن الرجعية والتخلف الذي يعتبر العدوان جريمة، والتعاون معها جريمة أشد.

وأصحاب الرؤية القديمة في الكرامة الوطنية والانتماء العربي والحرص الإسلامي، هم جميعاً – على كل حال – ليس لهم صوت في اختيار مدير اليونسكو ولا سائقه ولا حامل حقائبه. فمن أسف أن هؤلاء القوم (أهل الوطنية والعروبة والإسلام) أصبحوا كغثاء السيل، أو هم كمن وصفهم الشاعر

ويقضى الأمر حين تغيب تيم          ولا يستأذنون وهم شهود

وقد قيل الكثير عن المؤامرة ضد الوزير المصري، والحشد الغربي والضغوط الأمريكية والإسرائيلية ضد المرشح المنتمي للعرب، والتكاتف الاستعماري ضد المرشح المعادي لإسرائيل. فإن صحت هذه الأقوال، فقد أخطأ القوم خطأ كبيراً، فالوزير بريء من هذه التهم، فلا هو يعبر عن مصر، ولا هو منتم للعرب ولا هو معاد للكيان الإسرائيلي. ولكن ربما أراد الله أن يؤخذ الوزير من مأمنه، وأن يسقطه من اعتز به. وكم مذنب أخد بغير ذنبه.

الأخلاق بين العقل والدين

الأخلاق بين العقل والدين


الأخلاق كما تعرفها ويكيبديا العربية، هي شكل من أشكال الوعي الإنساني يقوم على ضبط وتنظيم سلوك الإنسان في كافة مجالات الحياة الاجتماعية بدون استثناء في المنزل مع الأسرة وفي التعامل مع الناس، في العمل وفي السياسة، في العلم وفي الأمكنة العامة.

أو يمكن القول، هي مقياس لضبط سلوك الإنسان، ونظرته تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه وتجاه الناس والطبيعة. وهذا هو دور الأخلاق. وهو مقياس ثقافي وليس مقياساً علمياً. فلا يمكن قياس قدر التضحية، أو كمية الصبر، أو كتلة الشجاعة، ووزن الالتزام، إلى آخر هذه القيم الأخلاقية.

هناك جزأين في كل إنسان حار بينهما الفلاسفة، واختلفت بينهما الفلسفات البشرية، وهما العقل والنفس. أو العقل والروح. العقل الذي يرى الأمور كما هي في الحقيقة بحياد كامل. ويقيس الأمور بمقاييس محايدة ثابتة. فسرعة الصوت لن تتغير إذا كانت لا تعجبني، والجاذبية الأرضية ثابتة شئنا أم أبينا. أما النفس فلا ترى الدنيا إلا من داخلها. فهي ترى ما تحب جميلاً، وترى ما تشاء عظيماً, وإن رأى غيرها خلاف ذلك.

لدينا إذن العقل المختص بالعلم، والروح المختصة بالفن والأخلاق. على العقل تقوم الحضارة، وعلى الروح تقوم الثقافة.

لذلك كانت الحضارة والمدنية والتقدم العمراني والعلمي من شأن العقل. فهو الذي يمكننا من حساب كميات الحجارة والأسمنت اللازمة لإقامة بناء، أو المواد المستخدمة في رصف طريق، وحسابات الربح والخسارة في إقامة مصنع، ويعلمنا أفضل الطرق لزراعة المحاصيل. أما النهضة الفنية والثقافية فهي من شأن النفس أو الروح وحدها، لا يدخل فيها العقل. فالعقل لا يستطيع قياس الجمال في أي شيء. قد يستطيع العقل حساب عدد الكلمات والأحرف في القصيدة، وقد يستطيع كذلك حساب بحرها وعلاّته. لكنه لا يستطيع قياس جمالها وإبداعها وأصالتها. يستطيع العلم أن يقيس كمية اللون المستخدمة في اللوحة، ونوعيته ومقدار ليونته أو جفافه، لكنه لا يستطيع أبداً أن يقيس ما فيها من جمال وتعبير. فالجمال، مثل الخير، مقياس ذاتي ليس في مقدور العلم والعقل إدراكه.

ونرى في كثير من الحقب التاريخية أن الحضارة (بمفهوم المدنية) والثقافة (الأخلاق والفن)، لا يسيران معاً. بل هما نادراً ما يسيران معاً في اتجاه واحد. فروما مثلاً كانت مثالاً شديد الوضوح لحضارة كبرى بلا ثقافة، بل إن دينها نفسه يكاد يكون مستورداً من الإغريق. وترى قريباً من ذلك في أمريكا اليوم. فمعظم الفنون لديهم مستوردة من بلاد الدنيا مع المهاجرين. في حين أن السكان الأصليين لأمريكا كانوا أصحاب ثقافة روحية عالية جدا، برغم بقائهم في أول درجات سلم الحضارة.

والأخلاق نابعة من النفس، التي عجز العلم حتى اليوم عن إدراك حقيقة كنهها، أو الروح التي هي من أمر ربي. النفس التي تعرف الفن، وترى الفضيلة والرذيلة، والجمال والقبح، تقيس الأمور بمقياس لا يدركه العقل، وربما لا يقبله. فالعقل لا يرى شيئا أجمل من شيء، ولا شيء هو أقبح من شيء.

العقل لا يرى الخير إلا فيما ينفع، ولا الشر إلا فيما يضر. فمقياس العقل هو النفع والضر، وعلى أساسه يحكم العقل. فالفعل يكون حسناً في العقل إذا كان يؤدي إلى النتائج المطلوبة، ولكنه لا يحمل قيمة ذاتية في نفسه.

في حين أن أساس حكم الأخلاق هو استحسان الفعل أو استحسان تركه في ذاته أو مسببّاته، وليس في نتائجه. فالأخلاق وحدها هي التي تجعل الفعل حسناً أو فاضلاً وإن لم يؤد إلى شيء. هي التي تجعل من الشهيد، الذي قتل في عملية فدائية فاشلة، بطلاً. وتجعل الصدق فضيلة وإن أدى إلى قتل صاحبه، وتصنع من التضحية مجداًً في ذاتها وإن لم تؤد إلى شيء.

يقول البعض، إن العقل الصحيح لا بد أن يصل بك إلى الأخلاق الصحيحة. وهذا قول غير صحيح. بل الصحيح أن العقل، بتأثير من الموروث الأخلاقي، يجعلك تبحث عن تبرير عقلي للأخلاق. فتبحث في منافع الصدق، وفوائد الأمانة، وأرباح التضحية. ويخوض بعض الفلاسفة في الأمر حتى يصلوا إلى الرأي القائل “تضحية الإنسان بنفسه بوازع من مصلحته الذاتية“!!

ولكن الانطلاق من المصالح الشخصية لا يصل بك إلى الأخلاق من أي طريق سلكت. فلا صلة بين الجهتين. بل إن كلا منهما ينتمي إلى عالم مختلف عن الآخر.

والأخلاق في الحقيقة تناقض العقل في أحيان كثيرة.

فالعقل، الذي يعتمد المصلحة مقياساً للصلاح، هو الذي وضع أساس التفرقة بين البشر. في حين أن المساواة أصل أخلاقي، لا يؤدي إليه العقل.

والفتى الذي نراه واقفاً أمام الدبابة حاملاً في يده حجراً، هو بطل بالمقياس الأخلاقي، برغم أن العقل يقول إنه لا يمكن أن يصد الدبابة بصدره العاري، ولا أن يردها بحجره الذي يحمله.

والقصة الشهيرة عن الشهداء الثلاثة الذين آثر كل منهم أصحابه بالماء، فماتوا جميعاً ولم يشرب منهم أحد شيئاً، لا يمكن تفسير فعلهم هذا على ضوء العقل، وإنما بالأخلاق والدين فقط يمكن فهم ما فعلوا.

فالصدق والشجاعة والإيثار، بل والأمانة والعفة. كلها صفات يتصف بها صاحب الخلق ليس بغرض تحقيق مصالح في الدنيا، وإلا لم تكن أخلاقاً، وإنما تحولت إلى تجارة بالأخلاق. ولذلك يستحيل على العقل أن يبررها في كل الأحوال. إن تبسمك في وجه أخيك صدقة، إذا أردت بها وجه الله تعالى، ولكنها تجارة إذا أردت بها كسب الدنيا من ورائه أو تحقيق مصالح منه. وهذا يلقي ضوءا على دور النية في الحكم الأخلاقي على الأمور. وهي كذلك مما يدور في النفس، ولا يمكن قياسه بالعلم.

إن العقل يهتم بما تؤدي إليه الأفعال والأحداث. ويعمل في قياس الكميات والأوزان، ويعتمد الأرقام لغة له. فلا فرق في العلم بين زراعة القمح وزراعة الخشخاش، إلا في مقدار العائد الذي يتحقق للزارع، ومناسبة الأرض والمناخ للزراعة. والأخلاق هي التي تجعل من زراعة القمح فضيلة، ومن زراعة الخشخاش رذيلة. العقل لا يرى سبباً يجعلك تخوض معركة لا يمكن أن تنتصر فيها. لكن الأخلاق تدفعك إلى ذلك دفعاً.

فإذا كان العقل لا يؤدي إلى إدراك الأخلاق، لأنها خارج اختصاص عمله، ولأنها خارج اهتماماته أساساً، فمن أين أتت الأخلاق إلى البشر؟ لابد لها من مصدر غير عقلي، أو فوق عقلي، مصدر من عالم ما وراء الطبيعة.

لذلك فإن الأخلاق لابد أن يكون مصدرها إلهي، وعملها في الروح، وإدراكها في النفس.

وبرغم أن الأخلاق كمبادئ وقيم، مصدرها الوحيد هو الدين، إلا أن ممارستها قد تستمر برغم غياب هذا الدين أو اندثاره، فهي تظل موروثاً دينياً يمتد حتى بعد غياب الدين أو تشوه حقائقه. كما تظل بعض المظاهر والعادات تنتقل بين الأجيال برغم تغير الأديان والعقائد والثقافات، فتظل موروثاً ثقافياً مستمراً وإن جهلنا أصله ومنشأه.

وإذا نظرنا إلى حال عرب الجاهلية، الذين انعدم عندهم الوازع الديني بعد انحراف عقيدتهم وفساد دينهم. رأينا أن قيم الحق والخير ما زالت لديهم. فهم يقدرون الشجاعة والنجدة والكرم والصدق والعطاء، ويثنون على أصحاب هذه الصفات الحميدة. برغم أنهم لم يكونوا أصحاب دين قويم، ولا حضارة معتبرة، ولا عرفوا بالفكر والفلسفة. فمن أين لهم هذا الموروث الأخلاقي، إن لم يكن من بقايا دين إبراهيم عليه السلام، أم من بقايا قوم هود وصالح وشعيب عليهم السلام؟

قد يقول البعض إن لدى الأديان غير السماوية أخلاقاً طيبة. مثل البوذية مثلاُ. ولكن بوذا نفسه لم يبتدع هذه الأخلاق. ولا كان يظن أن الصدق خطيئة، فلما جلس للتأمل، في جلسته الشهيرة التي خرج منها بمبادئه التي دعا إليها، قرر أن يكون الصدق فضيلة والكذب رذيلة.

بل إن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كان معروفاً في قريش بالصادق الأمين، وذلك قبل بعثته. فمن أين كان له هذا الخلق؟ وكيف عرف العرب، قبل الإسلام، أن هذه الأخلاق تستحق الحمد والتقدير؟ أليس من بقايا دين قد درس وإن بقى منه بقية من أثر!

وإذا رجعنا بالأمر إلى بداياته، فإن أول إنسان قد خلقه الله هو آدم. فالله قد خلق آدم من تراب، ونفخ فيه من روحه، وعلمه الأسماء كلها. فلا يعقل أن يخلق الله آدم ولا يعلمه ديناً يرضاه الله تعالى. ولا يعقل كذلك أن يمتنع آدم عن تعليم أولاده ما علمه الله تعالى. ومن هنا فنحن نرى أن أصل كل الأخلاق الفاضلة هو دين أنزله الله على عباده، وأمرهم باتّباعه، وسوف يحاسبهم عليه يوم تقوم الساعة.


أول الغيث قطرة

أول الغيث قطرة


على مدى أشهر وربما سنوات، تابع الجميع في مصر أحوال نادي الزمالك التي لم تسر أحدا طوال الفترة الماضية، وربما لسنوات لم يقدم فريق كرة القدم في النادي مباراة ممتعة، أو أداء مقنعا. وقد عقد البعض سابقا مقارنة بين أحوال النادي وأحوال مصر بصفة عامة. ووجدوا عناصر تشابه لافتة. فالفريق لديه عدد من اللاعبين المميزين، ولديه تاريخ عريق، ولديه جماهير عريضة. أي أن لديه الكثير من العوامل الكافية ليكون أحد فرق المقدمة منافسا على البطولة، ولكنه مع ذلك يقدم أداء هزيلا، ومازال يحقق أصفارا متتالية، لا تختلف كثيرا عن الصفر الشهير الذي حققته مصر في المونديال، والأصفار التالية له انتهاء بالصفر الكبير في غزة، والصفر الأكبر الذي تلوح بوادره في السودان.

وبعد أن طالت أزمة الفريق، وتعددت الوصفات السحرية لانتشاله من حالة الهزيمة المزمنة، بين تغيير مجلس الإدارة، وطلب مدرب عالمي، ولاعبين سوبر، ولاعبين شباب، والاعتماد على أبناء النادي، ومناشدة رموز النادي، وطلب معونات خارجية بل وحتى الاستعانة بالقوى العظمى، أقصد بالحكومة والرئاسة وأصحاب النفوذ غير المحدد وغير المحدود. ومع كل ذلك لم يتحسن الأداء، ولم تتقدم النتائج.

أخيرا وبعد شهور طالت، استطاع فريق كرة القدم لنادي الزمالك أن يحقق فوزه الأول بالأمس. مقدما أداء جيداً متوازناً، ومحققاً الفوز على فريق قوي ينافس على صدارة الدوري، ووصيف بطل الكأس لمرتين على التوالي. فما الذي تبدل في الفريق، ليحوله من فريق ينزل إلى الملعب موقنا بعدم قدرته على الفوز، إلى فريق يقدم أداء جيدا، وإصراراً كبيرا على تحقيق الفوز، بل يحقق النصر فعلاً.

الأمر في ظني يعتمد على عدد من العناصر:

لعل أولها وأهمها هو القائد العام الذي تغير، فقد توفر للفريق قائد يحظى بثقة فريقه ومحبتهم. فهم يعلمون أنه يريد الخير للفريق، لا يسعى لتحقيق أرباح شخصية، أو بناء مجد شخصي، وإنما يريد للفريق أن ينتصر، وللاعبين أن يبرزوا. هذا القائد الذي أبدى ثقته في لاعبيه، فلم يخرج علينا ليقول إن لاعبيه غير مؤهلين، أو إنهم لا يجيدون لعب كرة القدم، أو لا يعرفون واجبات مراكزهم، أو إنهم يحتاجون إلى خبرة. وإنما راهن عليهم وكسب الرهان.

كذلك أداء الفريق الذي اتسم بالجماعية في العمل، واتصف أداؤه بالتعاون والتكامل. فكان الجميع يؤدي دور كما يجب، وبأفضل ما يستطيع. لم يسع أحد لجذب الأضواء وانتزاع التشجيع وحده. فاستحقوا جميعا أن تسلط عليهم الأضواء وأن يحظوا بالتشجيع.

أحسب كذلك أن يقين أعضاء الفريق بعدالة القائد (المدرب العام) تدفع الجميع إلى الحرص على الالتزام، وبذل أقصى جهودهم. لأنهم يثقون أنهم يكافؤون على جهودهم وليس على محبة المدرب أو مايشابهها. ولكن على أدائهم والتزامهم لا غير.

هذا الموضوع لا أقصد به فريق نادي الزمالك تحديدا، فمازال أمامه طريق طويل ليعود كما كان. وإنما هي محاولة قراءة عناصر فوز أو تقدم أي فريق.

فأي فريق يحتاج إلى قائد يثق في فريقه، ويراهن على أفراده وليس على الرأي العام أو على ضعف منافسيه، ولا يستسلم أمام قوة خصومه، بل يسعى للتفوق عليها.

ويحتاج إلى ثقة الفريق في قائده. الثقة في حرص قائده وقدراته وإخلاصه. وثقة الفريق في ذاته وفي قدرته على أداء واجبه على أكمل وجه.

ثم العمل الجماعي، فلا المدرب وحده قادر على تحقيق الفوز، ولا أي لاعب وحده قادر على إحراز النصر. وإنما بالتعاون والعمل الجماعي يمكن تحقيق كل مراد.

أخيرا فإن هذه العناصر اللازمة لتحقيق الفوز في مباراة كرة قدم، هي ذاتها اللازمة لتحقيق الفوز في كل مجال. وقد حقق بها الزمالك فوزا ثميناً، فهل تتوفر لغيره، فيحقق فوزاً أغلى؟

نسأل الله التوفيق.