هوامش على حرب غزة 3

هوامش على حرب غزة 3

بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وهدأ صوت القصف. وارتد العدوان الإسرائيلي خائباً أمام الإرادة الصلبة لرجال المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. فقد حان الوقت لمراجعة ما حدث، لعلنا نسجل بعض الملاحظات على هامش ما وقع. فهذا واجب كل من أراد أن يتعلم من تعاقب الأيام وتوالي الحوادث.

لقد أظهرت الحرب كذلك، أن مشاعر العداء للكيان الإسرائيلي ما زالت حية في نفوس العرب من الخليج إلى المحيط، وأن قلوب المسلمين ما زالت تحمل ذكرى المسجد الأسير والأرض المغتصبة. ولعل في هذا العدوان بعض خير، وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا. فبعد عقود من التدليس الإعلامي، أوشك البعض منا أن يصدق أن من واجبنا أن نتعلم كيف نتعايش مع العدو الذي اغتصب أرضنا وقتل إخواننا. وأن ما يمنعنا من ذلك هو الحاجز النفسي الذي يجب أن نعلوا عليه ونتجاوزه. فكانت همجية العدوان الأخير لتذكِّر الغافل وتعلِّم الجاهل بأخلاق هذا العدو، وتجدد لنا ذكرى المذابح التي ارتكب منذ بدايات القرن الماضي، في دير ياسين وفي قانا وفي غيرها وهى كثير كثير.

وقد ظن البعض أن ما تبثه الفضائيات من مشاهد القتل والتنكيل والتدمير، كفيل بإرهاب أهل فلسطين وترويعهم. ولم ينتبهوا أن هذه التغطية الإعلامية تساهم أكثر في فضح همجية العدو وكشف جرائمه وأكاذيبه. فعندما يكذب قادة العدو بقولهم “نحن لا نستهدف المدنيين” ثم يرى العالم ما رأى من أطفال ونساء وعجائز ومسعفين، بين صريع ومصاب، لم يعد هناك محل لأن يصدقهم عاقل. كنا نقول- ومازلنا – إن عدونا مجرم كاذب غادر. كنا نقول ذلك نقلا عن الشهود، ورواية عن من حضر. أما اليوم فإننا نقولها رؤية عين، فكلنا شاهد بعيني رأسه جرائم العدو، وليس من رأى كمن سمع.

وقد يمكن ترويع ضعاف الإيمان، من لا يعرفون أن الله وعد المجاهدين في سبيله إحدى الحسنيين. فإما نصر وإما شهادة. من لم يسمع قول الله تعالى “إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون“. من لم يتعلم من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم “قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار”.

أثناء العدوان، سألت أحد أصدقائي عن أحوال أهله في غزة، فأخبرني أن في أسرته شهيدين. فقلت له “يأجركم الله بهم”. فرد مستنكرا: “لا. لا نقول ذلك، فهم شهداء. نحن لا نتلقى عزاء في شهدائنا. بل نتلقى فيهم التهاني“. هذه روح لا يُرهبها ما تبثه الفضائيات، ولا ما ينشره الإسرائيلي من دمار وقتل. ولو كان قادرا على إرهاب هذا الشعب، لنجحت مساعيه منذ أكثر من سبعين عاما من المذابح والتنكيل والجرائم.

إن هذا الجيل الذي فتح عينيه على الدنيا ليرى إخوانه يقتلون بهذا الشكل، لا أحسبه سينسى هذه الجرائم قبل أن يدرك ثأره منها. ولست أعني بقولي هذا الجيل الذي نشأ في غزة نفسها فقط، ولا الجيل الذي في فلسطين اليوم وحده. بل أعنى الجيل العربي المسلم من أقصى الأرض إلى أقصاها. هذا الجيل الذي يفتح الفضائيات ليرى مذابح يومية تجري للمدنيين من أهل غزة، عقابا لهم لأنهم رفضوا أن يموتوا تحت الحصار في هدوء. رفضوا منطق الشاة التي لا تبغي من الحياة إلا أن تأكل وتشرب، حتى يأتي يوم ذبحها. رفضوا أن يكونوا كلاب حراسة للغاصب الإسرائيلي، يمنعون رجال المقاومة من إيلامه بكل ما يتاح لهم من وسائل.

هذا الجيل الذي رأيت منه طفلة تخرج كل مدخراتها، وتذهب بها إلى أمها قائلة “أريد أن أرسل هذا لإخوتي في فلسطين، فقد هدمت بيوتهم، ولم يعد لديهم طعام أو ثياب أو لعب“. وأخرى تسأل أباها :”أين المسلمون؟ كيف يقتل اليهود أهل غزة، ولا يحميهم المسلمون؟ هل إسرائيل أقوى من المسلمين جميعا؟” وطفل يسأل أباه :”لماذا لا نذهب إلى غزة لنحارب اليهود، ونساعد إخوتنا هناك؟“.

هذا جيل سوف يسأل والديه، لماذا نشتري منتجات عدونا؟ ولماذا نساهم في دعم اقتصاده؟ لماذا لا نقاطعهم؟ ولماذا لا نزرع غذاءنا بدلا من الحاجة إلى العدو؟ ولماذا لا ننتج ما نحتاجه بدلا من الاعتماد على عدونا؟ سوف تظل هذه التساؤلات تنموا في عقل هذا الجيل وقلبه، حتى تثمر تحولا في حالنا، ونهضة في بلادنا.

هذا الجيل الذي لم يتم العاشرة بعد، إن لم يكن هو جيل النصر، فهو الجيل القادر على تربية جيل النصر بإذن الله.


Advertisements

هوامش على حرب غزة 2

هوامش على حرب غزة 2

بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وهدأ صوت القصف. وارتد العدوان الإسرائيلي خائباً أمام الإرادة الصلبة لرجال المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. فقد حان الوقت لمراجعة ما حدث، علنا نسجل بعض الملاحظات على هامش ما وقع. فهذا واجب كل من أراد أن يتعلم من تعاقب الأيام وتوالي الحوادث.

لقد أظهرت الأحداث أن الصراع الذي كان البعض يحسبه بين حماس وفتح صراعا على السلطة، لم يكن كذلك. لم يكن بين حماس وفتح، ولم يكن على السلطة. بل كان كما وصفه من قبل رجال حماس، صراع بين المقاومة وفصيل من السلطة. فصيل اختار إلقاء السلاح “ونبذ العنف” كما يقولون. فصيل اختار السلام بأي ثمن، ولو كان الثمن تصفية القضية والتنازل عن حق العودة. فالسلام عندهم هو الأمل والرجاء. فصيل اختار الطعام على الحرية، والسلامة على الكرامة. فصيل يرفض أعضاؤه أن يقذف أحدهم على الإسرائيلي ولو حجراً. فصيل يفخر رئيسه أنه لم يحمل سلاحاً يوماً من الأيام.

فرجال فتح أنفسهم، يوم الجد، اختاروا أن يقفوا مع حماس. وسمعنا من أحد قادة كتائب الأقصى – الجناح العسكري لحركة فتح – قوله “إن كان العدوان يستهدف أهل غزة، فكلنا سنقف صفا واحدا في الدفاع عن أهلنا، وإن كان العدوان يستهدف رجال حماس، فنحن فداء لهم، ولن يصلوا إليهم إلا على جثثنا”.

وكفى بهذا تكذيباً لمن زعم أن رجال حماس يرتكبون المجازر والمظالم في حق أفراد فتح، لمجرد أنهم من فتح. فالفارق كبير جداً بين رجال فتح الذين وقفوا- مع إخوانهم- يوم الفرقان يدافعون عن أرضهم وكرامتهم وقضيتهم، وبين من بادر بإدانة المقاومة، وتحميلها مسؤولية المجزرة التي تعرض لها أهل غزة. وشتان بين من ضحى بنفسه وماله وبيته – من رجال فتح – في سبيل رد العدوان، وبين من رفض أن يوقع أوراق المطالبة بمحاكمة القادة الإسرائيليين على جرائم الحرب التي شاهدها العالم كله. وكما كان الفارق جليا يوم الحرب، كان واضحا لأهل غزة قبل ذلك.

كذلك أثبتت الحرب أن حكومة حماس مرتبطة بأهلها في القطاع، ومنتشرة في ثنايا شعبه، وجذورها ممتدة في أرضه، فلا يمكن اقتلاعها بمثل هذا العدوان ولو استخدم فيه العدو الأسلحة الفتاكة المحرمة دوليا، ولو استخدم كل القوة المتاحة له، على قول أولمرت. فليس من خيار إلا التعامل مع حماس كقوة موجودة، وممثل شرعي، بدلا من انتظار أعوام طوال كتلك التي انتظرها العالم قبل الاعتراف بمنظمة التحرير كممثل للشعب الفلسطيني. وقد كانت وقتها ممثلا حقيقيا للشعب الفلسطيني. ولكن هذا شيئا كان ثم انقضى.

والقضية في حقيقتها ليست “حماس”، بل هي أكبر من ذلك. إنها قضية مسار وخيار. خيار بين حرب عادلة وسلام ظالم. خيار بين حق الدفاع عن النفس والمطالبة بالحق، وبين التفاوض من أجل التفاوض واستجداء العدو. خيار بين السعي لانتزاع الحق، وبين الرضا بما يجود به علينا العدو. وليست حماس هي المقاومة، وإنما كانت هي قائد المقاومة، ولابد للمقاومة من قائد. قائد يحصل على اعتراف شعبه، وإن لم يحصل على اعتراف العالم. ينال ثقة شعبه وإن لم ينل رضا الدنيا. قائد يخلص العمل من أجل قومه ودينه ووطنه، لا لرضا أمريكا أو الكيان الإسرائيلي أو النظام العالمي والمجتمع الدولي. قائد يعمل وفق قناعته وعقيدته ليس وفق الاتفاقات الدولية الظالمة التي لم يقر بها ولم يستشر بشأنها. وقد اختار أهل غزة “حماس” قائدا لهذه المقاومة قبل العدوان، وازدادوا بها تمسكا بعده. ففي أول رد بعد إعلان أولمرت وقف إطلاق النار، كانت فصائل المقاومة تعلن جميعا – وقبل وقف إطلاق النار وقبل انجلاء غبار الحرب- أنها لا تعترف بغير حماس حكومة ولا تقبل غير حماس ممثلا ولا ترضى غير حماس قائدا.

وفي هذا بيان كاف لمن كان يبصر أو يعقل.


على هامش حرب غزة 1

على هامش حرب غزة 1

انشغل العالم لأكثر من عشرين يوماً بمتابعة العدوان الإسرائيلي الإجرامي على أهلنا في قطاع غزة. فبعد الحصار والتجويع، انتقل العدو الإسرائيلي إلى مرحلة الإبادة السريعة باستخدام أقصى قوة متاحة له، ولوقت طويل، أمام سكوت البعض، وتواطؤ البعض، والصرخات غير المؤثرة للبعض، وفي مواجهة مقاومة صلبة متماسكة، فاقت التقديرات والتوقعات وتجاوزت في صمودها ما توقعه أغلب المراقبين وكثير من المتفائلين.

واليوم بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وهدأ صوت القصف، وارتد العدوان الإسرائيلي خائباً أمام الإرادة الصلبة لرجال المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، فقد حان الوقت لمراجعة ما حدث، علّنا نسجل بعض الملاحظات على هامش ما وقع. فهذا واجب كل من أراد أن يتعلم من تعاقب الأيام وتوالي الحوادث.

لقد سماها رجال المقاومة حرب الفرقان، وقد كانت حرب الفرقان حقاً. فقد كشفت المواقف، وبينت ما حاول البعض أن يخفيه من سوء نوايا ومن خيانة ومن ضعف ومن جبن ومن تخاذل ومن تواطؤ. فكما قيل، لقد صهرت حرارة الفسفور الأبيض جميع الأقنعة، وظهر كل واحد على حقيقته بغير قناع أو طلاء أو تمويه.

ولعل أول ما ظهر خلال العدوان هو سوء تقدير البعض لحقيقة الوضع في داخل القطاع تحت سيطرة حكومة حماس المقالة، وسوء تقدير الناس لرجال هذه الحكومة. فهي ليست حكومة من رجال المشايخ كما يصورهم الإعلام الكاذب، رجال يعتمدون على الغيبيات في إدارة الدنيا، وعلى حسن النوايا في الحرب والسياسة. بل هم رجال أعدوا عدتهم، وبذلوا ما في وسعهم من التجهيز والتدريب، فأعدوا ما استطاعوا من قوة وسلاح ورجال وتحصينات. ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

وقد سماها بعض المحللين حرب الأحزاب، وهي شديدة الشبه بغزوة الأحزاب حقاً. فالعدو يحاصر القطاع بأعداد كبيرة، وسلاح متفوق. ومن الداخل ينشط المنافقون والذين في قلوبهم مرض، يدلون العدو على عورات المقاومة، ويكشفون تحركاتها، ويساعدون العدو بما يستطيعون، وما استطاعوا كثيرا. فقد رد الله كيد الكائدين، واستطاع رجال المقاومة، من حماس وإخوتهم، السيطرة على الوضع أو استعادة السيطرة في وقت قصير جدا تحت القصف الذي ظن الإسرائيلي أنه كفيل بتمزيق رجال المقاومة، وتفكيك أوصال قواتهم.

وبعد أن كان تخطيط الإسرائيلي أن يقوم هو بإعداد الأرض من خلال القصف المركز العنيف، ليقوم أعوان له من داخل القطاع بالسيطرة على الموقف في الأرض، وتصفية رجال الحكومة، واعتقال رجال المقاومة أو الإرشاد عنهم ليقوم الإسرائيلي بتصفيتهم – في سيناريو قريب من سيناريو أفغانستان أو العراق. وكان الرهان على غفلة رجال المقاومة، وقوة أفراد الخيانة وحسن إعدادهم – أثبت فصيل الخيانة مرة أخرى أنه أضعف من أن يراهن عليه أحد، وأن كيان العدو وأشياعه أوهى من بيت العنكبوت.