الاختيار المبني على الخوف

الاختيار المبني على الخوف

 

دعونا نقر بأن معظم الناس الذي سيدلون بأصواتهم في الاستفتاء على التعديل الدستوري يوم السبت القادم، سواء بنعم أو بلا، يبنون قرارهم على أساس من الخوف. ودعونا نتفق أيضاً على أن كثير من هذه المخاوف مشروعة، خاصة في أوقات مثل هذه، حيث تمر بلادنا بتغيرات سريعة وحاسمة في ظروف جديدة تماما علينا كمصريين.

المخاوف الأساسية لدى الرافضين

  1. العيوب الدستورية: هناك العديد منها، ولكنها تتركز بصفة خاصة في الصلاحيات الرئاسية وآليات تعيين نائب الرئيس، وشروط الترشيح للرئاسة وما إليها.
  2. الخوف من الانتخابات المبكرة وسيطرة “الإخوان المسلمين” وفلول “الحزب الوطني الديموقراطي”، في مقابل الأحزاب والائتلافات الجديدة. وبالتالي يتم وضع دستور جديد يخدم رؤيتهم وأهدافهم.

وصحيح أن هذه المخاوف مشروعة، كما أشرت أعلاه، ولكن على أساس قراءة متأنية في التعديلات والنصوص القديمة للدستور، وتجربة الشهرين الماضيين، وكذلك مشاهدات السنوات العشر الماضية، فإني أرى ما يلي:

 

العيوب الدستورية:

  1. إذا قرأت الدستور بعناية، فإنك ستجد أن الصلاحيات الرئاسية مساوية للصلاحيات الممنوحة للرئيس في عدد من البلدان، مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. لذلك فإن الخوف الحقيقي هو سوء استخدام هذه الصلاحيات، ولكن الدعم الذي كان يقدمه مجلس الشعب في السابق هو الذي منح الرئيس صلاحيات مطلقة، وقد تم معالجة هذا الدعم المطلق. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الصلاحيات المفترضة هي لفترة محدودة، كما هو منصوص عليه في التعديلات محل الاستفتاء، إلى حين وضع الدستور الجديد. ولا يجب أن ننسى أن هذا الرئيس القادم هو أول رئيس يتم اختياره بواسطة الشعب فعلاً.
  2. بالنسبة للمخاوف الأخرى، فإنها كلها محصورة في الانتخابات القادمة فقط، وأنا أعتقد أن بعض النصوص منطقي جدا، وبعضها يحتاج إلى تغيير في المستقبل. ولكن في الحد الأدنى هناك شرط تدمير ذاتي في هذه التعديلات، وهي توفر إطار زمني وآلية مناسبة لإلغاء الدستور، وإعداد دستور جديد.

 

مخاوف الانتخابات المبكرة:

  1. الحزب الوطني: إنني أعتقد بشدة أن الحزب الوطني سوف يتم حله في الأسابيع القليلة القادمة. وأن إبقاء الحزب يدل على قصور سياسي من القوات المسلحة، وهناك الكثير من الأسباب التي تدعو إلى إخلاء المشهد السياسي من هذا الحزب. ولكن، عندما كان الحزب الوطني يتمتع بكل الموارد في الفترة السابقة؛ من إعلام ورشاوى وشرطة ودعم حكومي، فإنه كان دائماً في كل انتخابات يحتاج إلى التزوير من أجل تحقيق أغلبيته، التي كان يدعمها بضم المستقلين! لذلك، فإن مجرد التفكير في أن العشرين مليون مصري الذين نزلوا إلى الشارع في يوم الجمعة الأخيرة، والملايين الأخرى التي كانت توافقهم وتدعمهم من البيوت، سوف يمنحون أصواتهم للحزب الوطني تحت أي ظرف، هذا التفكير وحده يمثل إهانة شديدة للشعب المصري وتجاهل لتضحياته التي قدمها، وإنكار لأرواح الشهداء الطاهرة.
  2. الإخوان المسلمين الفزاعة الخالدة: لن أمدح أو أذم في جماعة الإخوان المسلمين، ولن أستعرض تحفظاتي عليهم، إنني أريد أن أعرض الحقائق فقط:
    1. في الانتخابات السابقة، خاصة عام 2005، 2010، أظن أن الجميع يتفق على أنهم حصلوا على كل الأصوات التي يمكن أن يحصلوا عليها.
    2. هناك الكثيرين الذين صوتوا لغير الإخوان، فلم يحصل الإخوان على كل الأصوات.
    3. إنني أظن أنه برغم مبالغة الحكومة السابقة، فإن نسبة أصوات الإخوان لم تتعد 20% إلى 25% من الأصوات الانتخابية، الذين كان عددهم 32 مليون، ويبلغ عددهم الآن 40 مليون صوت، حيث أن التصويت يتم ببطاقة الرقم القومي.
    4. معظم هذه الأصوات الإضافية لم تكن مهتمة بالسياسة أصلا، ومعظمهم لن يصوت لصالح الإخوان، وإلا لكانوا فعلوا ذلك من قبل.
    5. في هذه اللحظة الفارقة في تاريخ مصر، فإن الافتراض بأن نسبة التصويت على هذا القرار المصيري سيكون أقل من 60%- 65% من من لهم حق التصويت، هو افتراض غير واقعي.
    6. وأخيراً، لو كنت من الذين نزلوا إلى ميدان التحرير خلال الثورة، أو إلى أي ميدان آخر من ميادين الثورة في مصر، خاصة خلال الأيام العشرة الأخيرة، لكنت قد عرفت الحجم الحقيقي للإخوان المسلمين بين القوى المختلفة في المجتمع. ولا أظن أن نسبتهم تزيد على 15%.

       

  3. الأحزاب الأخرى والقوى الجديدة: إن الافتراض بأن هذه القوى الجديدة كانت قادرة على تخطيط الثورة، وتنظيمها وتقديم التضحيات وحشد الملايين من الناس ليصطفوا وراءها، ومنهم أنا نفسي، وحافظت هذه القوى على ما أصبح بعرف باسم “أعظم ثورة على مر التاريخ“، بل وقامت بعدها بتنظيف الشوارع. إن الافتراض بأن هذه القوى غير قادرة على تشكيل قوة سياسية مؤثرة خلال ستة أشهر، هو افتراض غير مقبول. أظن أن الأجدر بنا أن نعمل معهم، ونقدم لهم الدعم بدلا من هذا الافتراض العجيب.
  4. البدائل: معظم الذين يدعون إلى رفض التعديلات، ومن حق كل فرد أن يصوت بما يراه الأصلح، يفضلون انتخاب “جمعية تأسيسية” من 100 شخص، لكي تقوم بإعداد الدستور. فكيف إذن يمكن انتخاب جمعية تأسيسية، ولا يمكن انتخاب برلمان؟ وبنفس المنطق السابق، كيف يمكن افتراض أن الإخوان والوطني سوف يسيطرون على البرلمان، ولكنهم لن يسيطروا على الجمعية التأسيسية؟

المخاوف الأساسية لدى الموافقين

هذه المخاوف تتعلق أساساً باستحواذ الجيش على السلطة على المدى الطويل، والفراغ الدستوري، والفوضى السياسية.

مرة أخرى، برغم أن هذه المخاوف أيضاً مشروعة، وهناك بالتأكيد احتمال لوقوعها، وحينئذ سنضطر إلى مواجهة مخاطر أكبر في مسيرتنا نحو الحرية، إلا أن هناك بعض المبالغة في عرض هذه المخاوف من قبل الموافقين.

 

بالرغم من أنني من أشد المؤيدين للموافقة، لأنني أراها الخيار الأفضل والأكثر أمناً ومنطقية. ولكني أؤمن أن علينا أن نقبل بخيار الأغلبية أيا كان. وعلينا أن نثق في أنفسنا، أننا سنصل في النهاية إلى الحرية التي دفعنا ثمنها كشعب. حتى ولو كان اختيارنا هذه المرة هو أن نخوض الطريق الأصعب والأخطر.

 

ختاماً، أود أن أذكر بحقيقة لا خلاف عليها، وهي أننا مقبلون – لأول مرة – على استفتاء لا نعرف نتيجته مسبقاً. وهذا في حد ذاته انتصاراً كبيراً لنا جميعاً كمصريين.

 

حسن كمال

Advertisements

لماذا نصوت ب”نعم”

لماذا نصوت بـ”نعم”


عندما نتوقف للحظات، لنفكر لماذا نزل الآلاف إلى الشارع في يوم 25 يناير؟ ولماذا لحق بهم الملايين في الأيام التالية؟

الإجابة ببساطة هي البحث عن الحرية، حرية اختيار ممثلي الشعب على جميع المستويات، حرية الشعب في اتخاذ القرار، وتحمل تبعاته، حرية الشعب في تقرير مصيره ورسم صورة المستقبل، حرية الشعب في إدارة شؤون الوطن.

على ضوء هذا الدافع الأساسي لثورة يناير، يمكننا التفكير في اختياراتنا في التصويت في الاستفتاء القادم على التعديلات الدستورية.

الإجابة بنعم، والموافقة على التعديلات، يعني ببساطة نزع السلطة من يد الجيش، وأخذها بيدنا نحن، نحن المجتمع المدني. حيث يقوم ممثلون عن الشعب بالإشراف على عملية إعداد الدستور الجديد الذي نرغب فيه جميعاً على السواء. وذلك بمشاركة جميع الهيئات المدنية، أو التيارات السياسية المدنية، كما ورد بوضوح في التعديلات الدستورية محل الاستفتاء.

 

بالمقابل، الإجابة بلا، ورفض التعديلات، يعني ببساطة أن الشعب يرفض أن يتحمل مسؤولية إدارة البلد. يرفض أن يتولى المجتمع المدني مسؤولية إدارة البلاد، ويفضل أن يستمر الجيش في تولي هذه المسؤولية، وهذا خطأ جسيم لعدد من الأسباب:

1) رفض التعديلات يعبر عن عدم رغبة الشعب في تحمل مسؤولية اتخاذ القرار، ورسم صورة المستقبل بإرادة شعبية. في حين أن هذا هو الهدف الأساسي من الثورة.

2) إدارة الدولة مهمة بالغة الأهمية، وهي لم تكن قط، ولن تكون أبداً مهمة القوات المسلحة. إنها عمل المجتمع المدني الذي يجب أن يدير نفسه، بعيدا عن الوصاية العسكرية. كما أن تورط الجيش في إدارة الحياة المدنية يفسد الجيش ويفسد الحياة المدنية.

3) الجيش لديه مهام أخرى، لا ينبغي أن ينشغل عنها، وهي حماية أمن مصر الخارجي. فلدينا التهديد الإسرائيلي وهو تهديد استراتيجي من جهة الشرق، ولدينا الأحداث المتصاعدة في ليبيا جهة الغرب، ولدينا السودان بما يتعرض له من انقسام واضطرابات في الجنوب، ولا يجب أن نغفل مسألة مياه النيل والمشاكل المثارة حولها، وهي تحتاج إلى دولة مستقرة قادرة على إدارة الحوار أو الصراع بشأن المياه.

4) لا يوجد بديل واضح. ما هي الخطة البديلة في حالة رفض التعديلات؟ من الذي سيقوم بوضع الدستور الجديد؟ ومن الذي سيختار الذين يقومون بوضع الدستور الجديد؟ وكيف نضمن أنهم يعبرون عن إرادة الشعب، إلا من خلال انتخابات؟

5) من الذي سيتولى إدارة البلاد؟ وإدارة الحياة المدنية وبناء العملية الديمقراطية؟ خلال فترة وضع الدستور ومناقشة مواده المختلفة. هل سنترك الأمر كله في يد المؤسسة العسكرية الدكتاتورية بطبيعتها؟ إن ترك بناء الديمقراطية في يد مؤسسة عسكرية دكتاتورية بطبيعة تكوينها، أمر يخالف أي منطق.

 

باختصار، نحن مهتمون بخطوة البداية وليس النهاية، بدستور لا يخلو من عيوب. بدلا من ترك الأمور في يد الجيش. أن نبدأ نحن المجتمع المدني في بناء ديمقراطيتنا بدلا من ترك الجيش ليقوم بهذه المهمة. وهو لا يملك الأدوات اللازمة لذلك. لقد سبق أن تركنا الجيش يقوم بهذا الدور في عام 1952، وكانت النتيجة هي “الديمقراطية” التي عايشناها خلال 60 عاماً مضت.

فهل نحن مستعدون لإعادة التجربة مرة أخرى، لأننا خائفون من تحمل المسؤولية؟

 

إننا عندما ننادي بالموافقة على هذه التعديلات، فإننا لا نتصور أنه دستور جيد، بل إننا نعرف نواقصه وعيوبه بوضوح، ولكننا نظن أنه يصلح نقطة بداية من أجل البدء، مجرد أرض نقف عليها أثناء البناء. لأنها توفر أمرين أساسيين في بناء الديمقراطية:

  1. تحقق عملية انتخابات حرة ونزيهة، وهو المطلب الذي ناضلنا من أجله على مدي عشرين عاماً.
  2. تضمن وضع دستور جديد، من خلال إجراءات واضحة، وخلال مدة زمنية محددة.

 

إن الخائفين من تحمل مسؤولية الحرية، لا يستحقون الحرية ولا يستحقون الاحترام. وليس من العدل أن يضحي الشهداء بدمائهم من أجل الحرية، ثم نهدرها نحن لأننا خائفون من تحمل هذه الحرية.


حسن كمال

ترجمة/ حسن مدني

السيناريو المرعب

السيناريو المرعب


بعد نجاح الثورة المصرية في إسقاط النظام المصري، الذي كان يعد أحد أكثر الأنظمة قوة ورسوخاً في المنطقة، وأكثرها استبداداً وقمعاً وتخريباً في بلادها. شعر الشعب بالنشوة لهذا النجاح، وشعر بأنه أخيرا قد استعاد سيادته على أرضه، وقدرته على تحديد مصيره ورسم مستقبله. وانطلق يعبر عن إرادته وحريته بكل الطرق.

ومع تصاعد المد الثوري الذي يفرغ احتقان السنوات الطويلة الماضية، والكبت الذي عانى منه الشعب على مدى عقود. تزايدت المظاهرات اليومية التي تطالب كل يوم بجديد. هذه المظاهرات التي تطالب أحيانا بما هو مشروع ومنطقي وضروري، وبعضها بما هو منطقي وغير ضروري. وبعضها بما هو محل خلاف شديد. وكل مظاهرة تعلن أنه لا مساومة ولا تنازل عن مطالبها، وهم مستعدون للموت من أجل تحقيق مطالبهم.

بعد انقضاء المطالب الأساسية للثورة، وتحقيق مطالبها، كثرت المظاهرات المعبرة عن مطالب هي محل خلاف في الرأي. فخرجت مظاهرات تنادي بإلغاء الاستفتاء باعتباره التفافا على الثورة، وخرجت مظاهرات مقابلة تنادي بضرورة الاستفتاء باعتباره ضرورة للتعبير عن الثورة. وخرجت مظاهرات تنادي بانتخاب مجلس رئاسي يعبر عن مطالب الثورة، وخرجت مظاهرات أخرى تطالب بإبقاء حكم الجيش باعتباره حارس الثورة، ومظاهرات ثالثة تنادي بضرورة انسحاب الجيش باعتباره من ذيول النظام السابق، ومعاد للثورة.

كذلك خرج البعض في مظاهرات تنادي بالحفاظ على المادة الثانية من الدستور، وطالب البعض بمظاهرات مليونية لإلغاء المادة الثانية من الدستور. ومظاهرات من أجل إلغاء الدستور، ومظاهرات من أجل إعادة تفعيل الدستور. وهكذا توقفت كثير من مظاهر الحياة في مختف القطاعات، وتعطلت كثير من المصالح الحيوية للناس.

ومع توقف عجلة الإنتاج والكسب، بدأ العمال يخرجون في مظاهرات حاشدة تطالب بعودة الاستقرار والنظام إلى البلاد، بل وخرج البعض ينادي بعودة الرئيس المخلوع، الذي كان يوفر لهم الاستقرار وفرصة أكل العيش. في حين رفض آخرون فكرة عودة الرئيس السابق، وطالبوا بانتخاب رئيس جديد يتولى إعادة الاستقرار، ويشرف على إعادة الحياة الديموقراطية. كما أن كثير من العمال الذين فقدوا مصادر رزقهم اضطروا إلى التوجه إلى أعمال غير قانونية، مثل الجريمة أو التهريب أو احتراف المظاهرات والهتاف، أو البلطجة، بحثاً عن مصدر أي مصدر للرزق.

مازالت المظاهرات تتعدد وتتنوع، وكل مظاهرة تعتبر نفسها هي المعبرة عن حقيقة الثورة وجوهرها، وتطالب الجيش بالنزول على مطالبها، وإلا كان خائنا لمطالب الثورة، ومضيعاً لمكتسباتها، ويسعى للالتفاف عليها. وكل قائد مظاهرة يعلن أنه كان هو المحرك الرئيسي للثورة، أو أحد قادتها ورجالاتها. وأن كل مخالفيه من أذناب النظام السابق، أو عملاء الخارج، أو من القلة المندسة. وكان بعض هذه المظاهرات سلمي فعلا، ولكن كان البعض الآخر عنيفاً بدرجات مختلفة، وبعضها بدأ سليماً ثم تعرض إلى مناوشات أو استفزاز جعله يتجه إلى العنف.

يعلن الجيش أنه سيطرح جدول زمني قصير لتسليم السلطة للمدنيين في استفتاء عام. فنسمع بعض الأصوات التي تنادي بإلغاء الاستفتاء وتأجيل تسليم السلطة، لأن الشعب المصري لم يتعود على الديموقراطية، وغير مستعد لها، ويحتاج إلى وقت للتخلص من بقايا النظام السابق وإنشاء أحزاب جديدة تعبر عن المرحلة الجديدة. بعد ستة أشهر أخرى، يعلن الجيش عن رغبته في تسليم السلطة، فتعلن الأحزاب الناشئة أنها غير مستعدة بعد، وأنها لم تحصل على فرصة كافية للانتشار في القرى والأقاليم. وأن الظروف السياسية والاقتصادية غير ملائمة لإجراء الانتخابات، وأن الشعب المصري الذي لم يمارس الديموقراطية خلال الستين سنة الماضية ليس مستعدا بعد. وتخرج المظاهرات المطالبة بإلغاء الاستفتاء.

يقرر الجيش مد الفترة الانتقالية لخمس سنوات، من أجل تحقيق الاستقرار، وإنقاذ كيان الدولة المصرية، وإعادة الحياة إلى القطاعات الاقتصادية من إنتاج وزراعة وصناعة وسياحة، مع إعلان الأحكام العرفية، ومنع التظاهر والتجمع.

تبدأ عجلة الاقتصاد في الدوران، ويشعر الناس بالراحة والاستقرار أخيرا، خاصة وأن المجلس العسكري حريص على تجنب الأخطاء القاتلة التي وقع فيها النظام السابق. وتبدأ محاكمات جنائية وسياسية لرموز العهد البائد، يستم بعضها بالعدالة والحياد، وبعضها دون ذلك. ويرحب الناس بهذه المحاكمات ترحيبا شديداً. بعد فترة زمنية قصيرة، بدأ جهاز الأمن الوطني في الظهور تدريجيا، وأشاد به البعض عندما نجح في الكشف عن شبكة جاسوسية تعمل لحساب إسرائيل، ثم شبكة أخرى من شبكات الثورة المضادة، ثم يحبط محاولة إرهابية لمصلحة الثورة المضادة، وتتوالى عمليات الكشف عن شبكات الثورة المضادة، وفلول الحزب الوطني، وأذناب النظام السابق، وكشف مخططات لإثارة الفتنة الطائفية، والالتفاف على الثورة، والعمالة لجهات خارجية.

 

بعد ستين عاماً يقول الشاب لجده: هناك دعوة على مواقع اجتماعية على شبكة الانترنت تطالب بالثورة على نظام الحزب الحاكم، واستعادة روح الميدان. فيقول له: كان غيرك أشطر.

 

هذا السيناريو الأكثر إظلاماً والأشد تشاؤماً في تطورات الأحداث الجارية في مصر. وأتمنى أن لا نرى هذا السيناريو مرة أخرى، فقد رأيناه سابقاً ولم نسعد به، ودفعنا ثمناً باهظاً للتخلص منه.


شروط الرئيس

شروط الرئيس


في التعديلات الدستورية الأخيرة، أضافت لجنة تعديل الدستور شروطاً للرئيس المصري، منها ما أثار اعتراض الكثيرين. وفي تصوري الشخصي، أنها شروط معتدلة ومقبولة، ولها ما يبررها. بعيدا عن سوء الظن الذي يفضله البعض.

الأصل في الحاكم أن يطاع، فإذا لم يطع لم يعد حاكماً. ولكي يطاع أمر الحاكم في نطاق حكمه، ليس هناك إلا سبيل من اثنين. إما القوة والإجبار، أو الاقتناع والثقة. والحقيقة أنه لا بد من السبيلين معاً، فليس هناك من يرضى عنه الجميع أو يثق به الجميع. فلابد من وجود قوة لدى الحاكم من أجل فرض القانون. وفي حالة انفراد الحاكم بالقوة، وعدم وجود قوى مقابلة تحد من سلطته، فإننا نقع في الاستبداد الذي هو أصل كل فساد. وفي حالة فقدان الحاكم للقوة، تسير الأمور نحو الفوضى التي لا ضابط لها. ولذلك اخترع الناس الحكومة، وخضعوا لها.

في المجتمعات القوية، ذات المناعة الذاتية، يعتمد الحاكم على ثقة شعبه بصفة أساسية في الحصول على الطاعة. لذلك ينبغي أن يعمل المشرع على وضع شروط تحقق أكبر قدر من الثقة في الحاكم. كما تضع التشريعات حدودا وقواعد لضمان الثقة في القاضي، أو في أي منصب حساس في الدولة، قد يمس أمن الدولة بأي صورة من الصور. وهنا لا بد أن نميز بين مفهوم الدولة ومفهوم الحكومة. وهذه الشروط تحقق أكبر قدر ممكن من الحماية لمصالح الدولة، ومنها الثقة في المناصب.

في القضاء مثلا، هناك شروط دقيقة، لا بد أن يتحلى بها القاضي، لكي يثق الناس في عدالة القضاء وحياده. وهذه الثقة لازمة لاستقرار أي مجتمع أو أي دولة. وبدونها تنهار أسس الدولة كاملة. لذلك يمتنع على القاضي أن يحكم في قضية يكون أحد أقربائه طرفاً فيها، وليس في ذلك انتقاص من نزاهته أو تشكيك في حياده، وإنما حفظا له من الحرج، ومنعا لسوء ظن المتقاضين بحكمه.

نعود إلى الحديث عن رئيس البلاد بما له من صلاحيات، ينبغي تخفيضها والحد منها، ولكن تظل له صلاحياته، ويظل يمثل البلاد أمام العالم. فلابد أن يكون متمتعاً بالثقة التي لا يتسرب إليها شك في انتمائه للبلد. ولا بد من دفع أي سوء ظن بمن يشغل هذا المنصب، أو في دوافع قراراته ومواقفه.

فالحديث عن ازدواج الجنسية ومنع أصحاب الجنسيات الأخرى من الترشح لهذا المنصب، لا يعني الانتقاص من وطنية الذي اضطروا أو رغبوا في الحصول على جنسية أخرى نتيجة الظروف التي كانت تمر بها مصر في العقود الأخيرة. ولكنه دفع لسوء الظن. فلو أن رئيساً يحمل جنسية إيطالية مثلاً، ووقع اتفاقية في أي مجال مع إيطاليا. فهل نعدم من يثير مسألة ازدواج الانتماء – أو تعارض المصالح – إذا رأى شرطاً لا يعجبه في الاتفاقية؟ ألن يقال إنه يعمل على ترسيخ النفوذ الإيطالي في مصر لأنه يحمل جنسية إيطالية؟ سيقال بالتأكيد. سواء من منافس سياسي أو من مخلص سيء الظن. والناس مجبولون على سوء الظن بالحكام.

وكذلك الأمر بالنسبة لجنسية الزوجة، فلو كان الرئيس متزوجاً من تركية مثلا، وجاء اتفاق مثل الذي نشر مؤخراً عن إلغاء تأشيرة الدخول بين تركيا ومصر. فهل نعدم من يقول إن الرئيس يحابي أصهاره، ويعمل على استفادتهم من نفوذ الرئيس المصري في مصر؟ ألن نجد من يقول إن الرئيس قد عمل على ذلك حتى يتمكن أبناؤه من زيارة أخوالهم بسهولة؟ سيقال ذلك وأكثر منه بالتأكيد.

هذا مع افتراضنا براءة الرئيس من التأثر بأصهاره، وتداخل مصالحه مع مصالحهم. ونفينا لاحتمال تأثر تفكيره وقراراته بهذا الزواج. وبلاد الدنيا تشترط على الدبلوماسيين والعسكريين عدم الزواج بأجنبية إلا بإذن خاص. (خوفاً من هذا التأثر). فكيف بالقائد الأعلى والممثل الدبلوماسي الأول في البلاد؟ ألا يجب أن ينطبق عليه ذات الشرط؟

إن هذه الشروط، لم توضع في ظني تفصيلا لمنع أحد، أو حصر المشرحين في أسماء بعينها في هذه المرحلة. وإنما وضعت من أجل حماية المنصب من سوء الظن وسوء القالة. ورفعاً للحرج عن الرئيس الذي يفترض فيه أن يمثل البلد أمام العالم، ويقوم بقيادة البلاد اعتمادا على الثقة وليس على القوة العسكرية أو مباحث أمن الدولة وجهاز المخابرات.

كذلك كنت أتمنى أن يضاف شرط الإسلام لهذه الشروط، مراعاة للوضع المصري. حيث دين الدولة الإسلام، وغالبية الشعب مسلمين. وهناك مؤسسة كنسية تقوم بما يتعلق بالشأن الديني للمسيحيين، تكاد لا تخضع للدولة، بخلاف شأن الأزهر الشريف. وكون الرئيس مسلماً أمر مهم يحقق مصلحة للمسلمين والمسيحيين على السواء. إذ لو كان الرئيس الذي سلم السيدة وفاء قسطنطين وأخواتها مسيحياً لقامت في مصر حرب أهلية. ولو كان الرئيس الذي باع الغاز للكيان الإسرائيلي مسيحياً لحسب ذلك على المسيحيين كافة. ولو كان الذي حدث للإسلاميين في العهد الساقط قد حدث في عهد رئيس أو وزير غير مسلم، لكانت البلاد مهددة بحرب أهلية، ولأخذ كل المسيحيين في البلاد بذنبه. ولو كان الرئيس مسيحياً واتخذ قراراً رآه المسلمين محاباة لكنسية لقامت الدنيا ولم تقعد. وفي هذا حرج على أي رئيس غير مسلم أي حرج.

أما الحديث عن المواطنة، وتساوي المواطنين في فرصة الترشح للرئاسة، فهو كلام في غير محله. فشرط السن مثلاً لا ينتقص من وطنية من هو دون الأربعين، ولا يمنعه من خدمة وطنه. كذلك فليس منصب الرئاسة هو المنصب الوحيد الذي يمكن لصاحبه أن يخدم وطنه وأن ينفع بلاده. فالدكتور مجدي يعقوب قد أسدى لمصر خدمات جليلة بالمركز الطبي الذي أقامه في أسوان. ولم يكن رئيساً، ولم يرشحه أحد للرئاسة. وغيره كثير من المسلمين والمسيحيين الذي خدموا بلادهم، وقدموا لها الكثير، ونفع الله بهم البلاد والعباد بغير منصب الرئاسة. وربما لو تولى أحدهم الرئاسة لما انتفعنا به مثلما انتفعنا ببعده عنها.

والله أعلم.

مصر تدور في فلك وحدها

مصر تدور في فلك وحدها

 

قبل سنوات، كنت أقول لمن يسألني عن مصر، إن مصر تدور في فلك وحدها. فالأشياء تحدث في مصر بأسلوب مختلف عن أي بلد آخر. حتى الثورة كان لها شكل مختلف في مصر. فهي ثورة تابعها العالم كله مندهشاً، عاجزا عن فهم ما يحدث، وكيف يحدث. والحقيقة أنه من الصعب على أي متابع من الخارج أن يفهم ما يحدث في مصر، إلا إذا نسي كل ما تعلمه عن العالم. فمصر لا تدور مع الأرض في دورانها، بل تدور في فلك وحدها.

هذه الثورة العجيبة التي لا تشبه ثورة أخرى، ولا تشبهها ثورة أخرى. إلا في كونها ثورة أسقطت حاكماً ظالماً، فقد شعبيته وشرعيته مع مرور الزمن، وتراكم الظلم. أنا سوى ذلك، فقد كانت فريدة في نوعها وشكلها.

فهي بدأت دون تخطيط محكم، فقد بدأت بمظاهرات تطلب الإصلاح، فلما استنفذ النظام قوته دون أن يسكتها. ارتفع سقف المطالب إلى التغيير الكامل وهو ما عبر عنه الثوار بقولهم إسقاط النظام. وهي سارت ونمت وحددت مطالبها دون قيادة واضحة، ولا زعامة لأحد. ولم يقدها تيار سياسي أو فكري. بل كان معبرة عن الوعي العام المصري، والمزاج الخاص للمجتمع المصري كاملاً.

وهي الثورة الأولى التي يدعى الناس إليها قبل شهر من موعدها، وكأنها حفل مثلاً، وليست ثورة لتغيير نظام البلد.

تكاد تكون هذه الثورة هي أول ثورة يتابعها الناس مباشرة لحظة بلحظة.

هذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها الثوار بتنظيف مكان اعتصامهم بعد نجاح الثورة، بل وأثناء الاعتصام.

وهي أول ثورة تكون فيها البلاد أكثر أمناً في غياب الشرطة. وأن تكون الشوارع أنظف في غياب عمال النظافة.

هذه هي الثورة الوحيدة التي خلت من العدوانية تقريباً. فكان الناس قبل الثورة أكثر عدوانية وأشد شراسة منهم أثناء الثورة. والثورة عادة ماتكون تعبيرا عن غضب طويل، ينفجر في أعمال عنف أو في شراسة عدوانية، ولذلك سميت ثورة. أما يتحول الناس إلى السماحة والوداعة أثناء الثورة. فهذا أمر جديد.

هذه هي الثورة الوحيدة فيما أعلم التي استخدم فيها الثوار سلاح الكلمة كسلاح أساسي في هجومهم على النظام، ولم يستخدموا العنف إلا دفاعاً. وكان سلاح الكلمة فعالاً دائماً، وجارحاً أحياناً.

عرفنا في الثورات كلها، فيلسوف الثورة، وشاعر الثورة، وأديب الثورة، وخطيب الثورة، وطبعاً شهداء الثورة. ولكن في الثورة المصرية وحدها رأينا حلاق الثورة. الذي جاء متطوعاً ليحلق للثوار شعرهم مجاناً. ورأينا عريس الثورة، الذي احتفل بزفافه في ميدان التحرير وسط الثوار. وكانت هذه بعض السبل التي أبدى بها الثوار عزمهم على تحقيق هتافهم الشهير، (مش حانمشي، هو يمشي).

كذلك كانت هذه أول مرة فيما أعلم، يقوم فيها النظام بإرسال مجرمين محترفين لمهاجمة جموع الشعب. وهي سنة بدأت بعض الأنظمة تمارسها. ويتحمل وزرها من بدأ بها أول مرة.

قيل قديماً، إن العرب تبع لمصر، برهم تبع لبرها، وفاجرهم تبع لفاجرها، وعالمهم تبع لعالمها وجاهلهم تبع لجاهلها. وكذلك العابد والعاقل والفاجر والسفيه. ومن عجب أن نرى الثورات في العالم العربي يحاول تقليد الثورة المصرية، وتحاول الأنظمة السير على طريق النظام المصري. صحيح أنه من الصعب على شعب آخر أن يقوم بما قام به شعب مصر، بذات الأسلوب، ولكن تقليد النجاح أمر عادي. ولكن العجيب أن تسير الأنظمة على نفس طريق النظام المصري السابق، فتقليد الخاسر أمر غير شائع.

كانت بعض ملاحظاتي على هذه الثورة الفريدة.

أن الناس بمجرد أن شعروا أن ضغط النظام الحاكم قد ارتفع عنهم، بغياب جهاز الأمن الحكومي، تبدلت أحوالهم وتغيرت طباعهم. وكأن الناس قد شعروا في لحظة أنها بلدهم هم. وليست بلد أولئك القاطنين في السحاب. فرأينا كل منهم يحرص على الدفاع عنها، فقام كل منهم على ثغر من الثغور، فمن حراسة المتحف المصري، إلى حماية الأحياء السكنية، إلى المحافظة على تنظيم المرور، إلى تنظيف الشوارع.

كانت الجرائم تقع في مصر، كما في أي بلد آخر. ولكن المرعب كان أن تقع الجرائم في الطريق العام وفي شارع مزدحم وفي رابعة النهار. فلا يفكر أحد في نجدة الضحية أو إغاثتها أو منع وقوع الجريمة، سواء كانت سرقة بالإكراه أو تحرش أو غير ذلك. فلما قامت الثورة، واختفى رجال الشرطة. أصبح الناس يحرس كل منهم الآخر، ويعمل على حمايته. فأصبح الشارع أكثر أمناً.

لاحظت، كما لاحظ الكثيرين، اختفاء النكتة أو ندرة النكات المضحكة في مصر في السنوات الأخيرة. وكانت الملاحظة التي أبداها الكثيرون، أن المصري يسير متجهماً عابساً على غير ما اشتهرت به مصر طوال تاريخها. فلما قامت الثورة، إذا بمخزون النكات ينفجر مرة أخرى، وأصبحنا نسمع في كل يوم عشرات النكات حول كل ما يقوم به النظام من محاولات عابثة للتمسك بالسلطة.

فكانت الهتافات الساخرة، واللافتات المضحكة تملأ ميدان التحرير، وتنتشر منها إلى أقطار الأرض. فكانت هذه الثورة هي الوحيدة في التاريخ المعروف التي يقيم فيها الثوار زاراً لطرد الرئيس.

من الأمور التي أثرت في نفسي، أنني أرسلت رسالة تهنئة لأهلي وأصدقائي في مصر. فجاءني اتصال من رجل لا أعرفه، من رقم مسجل عندي باسم أحد الأصدقاء. وبدأت المكالمة بالتهنئة، قبل أن أنتبه إلى اختلاف الصوت. فلما أدركت الخطأ اعتذرت للرجل عن الإزعاج. فما كان منه إلا أن قال لي: “بل أنا سعيد بسماع صوتك، وأنك تهنئني”، وأوصاني بأن أحافظ على البلد، وأن علينا أن نعمل معاً دائماً من أجل بلادنا، لكي لا يعود عهد الظلم والفساد مرة أخرى. هذه الروح الودودة التي كنت قد افتقدها في مصر منذ زمن.

هذه مجرد مشاهدات عن بعد عن الثورة المصرية الفريدة من نوعها. اقترحت بعض وسائل الإعلام تسميتها بالثورة الضاحكة، ولكني لا أجد لها اسما أنسب من الثورة المصرية.

فهي ثورة مصرية صميمة، لا تشبهها ثورة أخرى، ولا يمكن قياسها على تاريخ الثورات، ومن الصعب أن يقاس عليها ثورة أخرى. إلا في بد مثل مصر، ولا يوجد بلد مثل مصر، فهي تدور في فلك وحدها.

أعتذر لك يا مصر

أعتذر لك يا مصر

 

أعترف اليوم أنني كنت مخطئا في فهم مصر وشعبها، وكنت مخطئاً في تصوري لحال هذه البلد. فلم أكن أتصور أن يكون هذا هو سلوك الشعب المصري رجالا ونساء، شباباً وكهولا وشيوخاً. وبرغم أنني لم أفقد إيماني بوجود الخير في أهلي وقومي، ولم أفقد إيماني بقدرتهم على الفعل والتغيير. ولكنني لم أدرك حجم هذه القدرة، ولا رأيت قدر هذا الخير قدر ما رأيته في الأيام في الأيام القليلة الماضية.

كنت دائماً بين الرجاء واليأس. كنت أخاف أن أتوقع هذا اليوم، أخاف أن لا يصدق توقعي فأصاب بالإحباط واليأس، كنت من شدة خوفي من اليأس قريباً جداً من اليأس، لولا بقية من إيمان أتمسك بها. وأتمسك بها وأقر أنني لا أرى ضوءا من نهاية النفق، ولكنني كنت دائماً أؤمن أن هناك ضوء.

كنت أظن إن الجيل الجديد معظمه من المصريين الجدد، الذين أخرجهم نظام التعليم الشقي، ونظام الإعلام المصري الذي لم أجد له وصفا لائقاً، غير أنه إعلام مغيّب (بفتح الياء وكسرها). وكنت مخطئا في ذلك. فهذا الشباب الذي خرج بمئات الآلاف في جميع أنحاء مصر، يطالب بما يريد، يصر على مطالبه. ويواجه قوات البطش والطغيان. أعزلا من كل سلاح إلا الإيمان والإرادة والعزم. هذا جيل يستحق أن ننحني أمامه، وأن نقر له بالفضل.

بدأ الأمر بمظاهرة ضخمة في الميادين الرئيسية في مصر، في القاهرة والإسكندرية والسويس والمنصورة ودمياط والمنوفية (بلد الرئيس السابق، والأسبق) وغيرها من أنحاء مصر. وهي المظاهرات التي أفقدت أجهزة الأمن اتزانها. إذا لم يكن الأمن يتوقع أن يكون الأمر على ماكان عليه. فقد تعود على مظاهرات تقليدية، يعرف منظميها ومطالبهم وحدود قدراتهم واستعداداتهم. ويعرف الإعلام كيف يشوه أفعالهم وينسب إليهم ما يشاء، ويجد دائماً من يصدقه. فإذا به يواجه أمراً جديداً لم يره من قبل. يواجه شعب مصر، رجالا ونساء، شباباً وكهولاً وشيوخاً، فقراء وأغنياء، متعلمون يحملون أعلى الشهادات، وبسطاء لا يكادون يعرفون القراءة والكتابة. مسلمين ومسيحيين وملاحدة، شيوخ دين وفنانين وأدباء وصعاليك. أفراد من جميع الأحزاب ومختلف التيارات الإسلامي واليساري والليبرالي والعلماني. كلهم على صعيد واحد، بطلب واحد. لا تقودهم جهة معروفة، وإنما يجمعهم مطلب واحد ورغبة واحدة في غد أفضل. واتفقوا جميعاً على أن بقاء النظام لا يسمح لهم بهذا الغد الأفضل.

وقد رأينا النظام الساقط ممثلا في الجهاز الأمني والإعلامي يمارس محاولات ساذجة، لقمع وتشويه هذه الحركة. فقد خرج علينا أساطين الإعلام من رؤساء تحرير الجرائد الحكومية يقولون كلاماً يضحك الثكالى. وكذلك بعض رجال مجلس الشعب المشهود لهم بالتزوير. ورأينا الأمن يطبق النظرية التي يؤمن بها، وقد سمعتها من بعض رجال الشرطة. إن المظاهرات في مصر مهما كان حجمها تتفرق فوراً مع إطلاق أي رصاص. يكفي أن نطلق بضع رصاصات لتفرق آلاف المتظاهرين. ولكنهم هذه المرة لم يتفرقوا، ولم يهربوا كما ظن رجال أمن النظام. فثبت أن النظام الأمني خارج الزمن، غائب عن الوعي.

ووضح أن الأمر أكبر مما ظن هؤلاء، وأكبر مما ظننت أنا نفسي. وأعترف أنني ظللت بين الشك واليقين، وبين الرجاء واليأس، حتى كانت جمعة الغضب المباركة. وحاولت أجهزة الداخلية استخدام وسائلها المعتادة، من تفريق المتظاهرين وتكسير عظامهم وقتل البعض وإطلاق الرصاص الحي، ولم تفلح هذه المحاولات أمام إصرار شباب قرر أن يخرج ولا يعود إلا منتصراً. أو حسب القول الروماني (أن يعود بالدرع أو محمولا عليه). يوم الجمعة أيقنت أن الأمر قد حسم، ولم يبق إلا قليل، وتشرق الشمس من جديد.

فلجأ النظام إلى الخطة البديلة، سحب رجال الشرطة بالكامل. فرأينا اختفاء رجال الشرطة بالكامل، وإطلاق المساجين جميعاً، وهذا الإجراء يهدف إلى خدمة أمرين، الأول أن يخاف المتظاهرون على بيوتهم ونسائهم وأموالهم، فيعود كل منهم ليحمي بيته، مما يعطي النظام الفرصة للتعامل مع الموقف، ثم إذا عاد النظام قال للناس ألم أحفظ لكم أمنكم ثلاثين عاماً. انظروا نتيجة المغامرات غير المحسوبة، والأعمال الطائشة، وانظروا إلى إجرام المتاجرين بكم وهم يسعون إلى تخريب البلاد. ثم يركز الإعلام في الثلاثين عاماً القادمة على أن مبارك هو الأمن والأمان والأمل والرجاء والماضي والمستقبل. وأن الذي خرجوا عليه هم ثلة من المجرمين، كما قال سابقه من قبل عن انتفاضة الحرامية.

كل هذه المظاهرات والرفض كنت أتوقعه يوماً ما. ولكن ما لم يخطر ببالي، ولم أتوقعه يوماً هو ماحدث بعد اختفاء الشرطة. فقد بادر الناس، الأهالي المشاركون في المظاهرات والمترقبون للأحداث والمنتظرون في بيوتهم، يتحركون فوراً، وهذه هي الروح التي لم أكن أعرفها، يقول من سبقني سناً أن هذه الروح تشبه ما كان في عام 1973، ولكني لم أدرك تلك الأيام.

فقد رأينا الناس تخرج لتنظم دوريات حراسة لأحيائها ومساكنها، ودروعاً بشرية لحماية منشآت عامة نملكها جميعاً مثل المتحف المصري. ورأيت هؤلاء الشباب الذي أسأنا فيهم الظن، يخرجون ليغطوا غياب الأجهزة الرسمية بالكامل. فيحفظون الأمن وينظمون المرور وينظفون الشوارع والطرقات. وقد تكلمت مع بعضهم، فرأيت روحا عالية، وإصراراً مذهلاً، على تحقيق الهدف.

كان مما أزعجني قبل أيام، هو ظهور حالة من العداء بين بعض المسيحيين وجيرانهم المسلمين في بعض أحياء القاهرة، فلما سألت عن ذلك يوم السبت. قيل لي، كأن الأمر لم يكن. فقد جاءنا جيراننا الذي تجهموا في وجهنا سابقاً ليسألونا إذا كنا نحتاج شيئاً ويرتبوا معنا إجراءات الحماية والسلامة. وفي بيت غاب عن الرجل، حرص أهل البناية على طمأنة النساء، أنهم لا يحتاجون إلى الخروج، ورجال البناية حاضرون لمعاونتهم في ما يحتاجون. وهذا أمر عرفته في أنحاء مختلفة من مصر.

ما شاهدته، وهو قليل بلا شك، يقول إنه بمجرد سقوط النظام، وسقوط النظام لا يعني خروج الرئيس، وإنما اختفاء مظاهر السلطة من الشارع، بمجرد سقوط النظام بادر الأهالي إلى وضع نظام بديل. سمح لهم أولا بالاطمئنان على أهلهم وذويهم. فإذا غاب بعضهم عن البيت فقد حضر آخرون يحرسونهم. وعرف الناس بيقين أنهم هم النظام وهم القانون وهم حماة الوطن على المستويات كافة.

والغريب أنه بغياب النظام وجد الناس فرصتهم التي ينتظرونها منذ عقود للمشاركة في فعل شيء للبلد، في تقديم خدماتهم للبلد. وإحساسهم أن ما يفعلونه يعود عليهم وليس على ثلة من المنتفعين. هذه المشاركة الواسعة، التي عجز النظام عن تحقيق شيء منها على مدى ثلاثين عاماً تكفي وحدها دليلاً على ضرورة إزالة بقايا هذا النظام.

أعرف أن الأمر لم يكن وردياً أبداً. وأنه قد سالت دماء زكية طاهرة، وأزهقت أرواح بريئة نقية، وسلبت أموال. وحدث فساد لا يرضاه أحد، ولا يقبله عاقل سوي. ولكن الشدائد تظهر معادن الناس. وقد ظهر معدن أهل مصر على خير وجه.

أظن أن الأمن قد جرب كل الحلول التقليدية التي رأيناها سابقاً، ولم يجد أي منها. ولم يبق أمامه إلا أن يرحل، أو يجرب ما جربه من قبل النميري ومن قبله الشاه، وكلاهما رحل. أن يأمر الجيش بإطلاق النار على المتظاهرين. ولا أظن الجيش المصري يطيع أمراً كهذا.

لذلك وصفته بالرئيس السابق، والنظام الساقط. فهي مسألة وقت قليل لا أكثر. وإنما النصر صبر ساعة.


تصريحات الكنيسة بين تقدم الأنبا بيشوي، وتراجع البابا

تصريحات الكنيسة بين تقدم الأنبا بيشوي، وتراجع البابا

مازالت تصريحات الكنيسة عموماً، والأنبا بيشوي (الرجل الثاني في الكنيسة المصرية) تحديداً تثير ردود الأفعال المتوالية، وأحسب أن ردود الأفعال هذه سوف تستمر لبعض الوقت. وهي تصريحات مثيرة للقلق، تؤدي إلى زيادة الاحتقان الحاصل في مصر حالياً، وفي الوقت نفسه تعكس جزءاً من حال الوطن الاجتماعي والسياسي.

وذلك أن الأنبا بيشوي قد نشر له تصريحات في ثلاثة مجالات:

المجال الأول: مجال العقيدة، في سعيه لتثبيت عقيدة أتباع الكنيسة القبطية. وتضمن ذلك طعناً في الإسلام وغمزاً في القرآن. وما قاله في هذا الصدد كلام قديم مكرر، ليس فيه جديد. وإنما هو تكرار لمغالطات قديمة، وادعاء حجة غير موجودة. وكلامه كله مردود عليه مرات ومرات من قبل. ولكن الجديد هو صدوره عن أحد رؤوس الكنيسة المصرية. والخطير هو توقيت هذا الكلام في ظل احتقان شديد بين المسلمين والنصارى في مصر. وأنا أقدر أن من لوازم الإيمان بالإسلام أن يؤمن المسلم بتحريف الكتاب المقدس بشقيه (التوراة والإنجيل). وأن من دواعي الإيمان المسيحي أن يؤمن المسيحي بعدم قدسية القرآن، وأن ينكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ولا أحب أن يجاملني مسيحي بإعلان تصديقه بنبوة محمد. ولكن لا ينبغي للمسلم أن يبادئ المسيحي بتكذيب كتابه وتسفيه عقيدته، وكذلك لا نقبل من المسيحي أن يسيء إلى عقائدنا وكتابنا ونبينا. ويظل فوق هذا وذاك من سوء الأدب وعجز السياسة أن يخرج علينا تصريح إعلامي علني يسيء إلى عقيدة السواد الأعظم من أهل البلاد، ويستفز مشاعر أكثر من 90% منهم. وأنا لا أحب مناقشة العقائد على الملأ في وسائل الإعلام.

وقد صدر بيان عن المجلس الأعلى للبحوث الإسلامية برئاسة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، يدين هذه التصريحات ويستنكر هذه الإساءة إلى الإسلام. وهو عمل مشكور قد يساعد في تهدئة المسلمين.

والمجال الثاني: المجال الوطني، هو اعتباره المسلمين من أهل مصر ضيوف على النصارى، وهذه صياغة مهذبة لما يردده أقباط المهجر من أن المسلمين والعرب غزاة في أرض مصر، وينبغي طردهم منها. وهذا كلام يردده أقباط المهجر باستمرار. وكانت الكنيسة المصرية حريصة قبل ذلك على إظهار التبرؤ من مواقف أقباط المهجر، وإعلان رفضها لدعواهم، وإنكارها لكلامهم. فجاءت هذه التصريحات من الرجل الثاني في الكنيسة لتثير مخاوف كثيرة وضخمة بشأن النوايا الحقيقية لرجال الكنيسة.

وقد رد على هذا الكلام الكثير من المسلمين، في العديد من وسائل الإعلام. وبينوا أن بقاء الكنيسة القبطية إلى اليوم هو نتيجة لدخول الإسلام إلى مصر. فلولا دخول المسلمين لما ارتفع الاضطهاد عن الكنيسة المصرية، ولظل البطريرك بنيامين طريد الدولة الرومية.

وأخيراً خرج الرجل الأول في الكنيسة البابا شنودة شخصياً ليتراجع عن هذه التصريحات، ويسترضي المسلمين ويسكن غضبهم. ولكنه سكت عن المجال الثالث، فلم يذكر عنه شيئاً. ولا أدري هل أطلقت هذه التصريحات عمداّ لكي تغطي على المجال الثالث، والذي أراه الأشد خطراً والأبعد تأثيراً، فينشغل الناس بتطاولات بيشوي على الإسلام، وينتفضوا ضد تصريحاته بشأن المواطنة، ويغفلوا عن تصريحاته الأخطر والأهم. حتى إذا خرج علينا البابا شنودة معتذرا مسترضيا، ننسى الأمر وتهدأ الخواطر ويسكن الموضوع، ولا يتم التطرق إلى الشأن السياسي والقانوني، إما عن غفلة وشعور كاذب بالنصر أو تحت دعاوى الوحدة الوطنية ووأد الفتنة. ولا يتم وأد الفتنة وحفظ الوطن إلا بمعالجة المجال الثالث الذي أثارته تصريحات الأنبا بيشوي، بل وبعض تصريحات البابا نفسه.

والمجال الثالث الذي أقصده، هو الشأن القانوني والسياسي، من رفض تنفيذ أحكام القضاء، إلى رفض تفتيش الكنائس مع التهديد بالاستشهاد في سبيل ذلك، بالإضافة إلى رفض مناقشة مصير المخطوفات من المسلمات في الكنيسة.

وهذا هو الشأن الأخطر، فهذا الموقف من الكنيسة يعلنها منطقة خارج حدود سيادة الدولة المصرية، ويعلن انقسام هذه الدولة إلى سلطة عامة، وسلطة كنسية خاصة، لكل منهما قانون وقضاء وسجون. بل إن سلطة الكنيسة قد أصبحت أعلى، فهي تحتجز مواطنين تابعين للسلطة العامة، فلا تملك تلك السلطة أن تحمي رعاياها.

هذه التصريحات الخطيرة (الصادرة عن مؤسسة الكنيسة التي هي جزء من الدولة المصرية منذ قيام هذه الدولة) تهدد وجود الدولة المصرية بالكامل. فإن الدولة إذا عجزت عن فرض سلطتها التنفيذية على الأرض، تنعدم الدولة. فالدولة ليست مجرد نشيد وطني وعلم وحرس شرفي، بل هي سلطة على الأرض، لها عملها الأساسي في حماية الوطن من الطغيان الخارجي، وتنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع داخلياً لمنع طرف من الطغيان على طرف آخر. فإذا عجزت عن أداء أي من هذين الدورين فهي مهددة بالسقوط، وإذا عجزت عن أداء الدورين معاً فقد زالت، وإن بقى النشيد والعلم ومواكب التشريف. هذا إذا عجزت عن حماية الأقليات والضعفاء فيها، فكيف إذا عجزت عن حماية الأكثرية المطلقة من سكانها من طغيان مؤسسة قائمة على نسبة ضئيلة من السكان؟

إن الامتناع عن تنفيذ أحكام القضاء جريمة يعاقب مرتكبها، مهما كان منصبه أو حصانته. والخروج على سلطة الدولة جريمة أخرى تعاقب عليها كل الأنظمة السياسية في العالم، كما أن قيام الدولة باحتجاز أفراد بغير حكم قضائي مخالف للقانون، فكيف إذا كان القائم بالاحتجاز من غير السلطة التنفيذية المعترف بها قانوناً؟

ومن جهة أخرى فإن وجود مؤسسة داخل الدولة، تستعلي على أحكام القضاء، ولا تخضع لسلطة الدولة، ولا يجوز تفتيشها لأي سبب وتحت أي ظرف، مؤسسة تملك حق احتجاز الأفراد بغير حكم قضائي وتمنع عنهم الزوار وتمنعهم من الاتصال بالعالم. إن وجود مثل هذا الكيان داخل الدولة يهدد بسقوط هذه الدولة سقوطا نهائياَ. وموقف الكنيسة الحالي يهدد بانقسام كبير في مصر، انقسام غير مسبوق منذ عهد الملك مينا موحد القطرين.

من المعروف أن هناك مخططات لتقسيم مصر إلى أربعة أقسام، دولة نوبية في الجنوب، وقبطية إلى شمالها، ثم عربية إلى الشمال، وتظل سيناء إما كوطن بديل لأهل فلسطين، أو دويلة تابعة للكيان الإسرائيلي، أو في أفضل الأحوال (لأصحاب هذه الخطط) يتم ضمها إلى الكيان الإسرائيلي. وهذه الخطط ليست جديدة ولا مفاجئة ولا سرية، فقد رأيت تلك الخرائط رأي عين قبل سنوات. وهذه التصريحات الأخيرة للكنيسة تصب في هذا الاتجاه بشدة. لأن زيادة استفزازات الكنيسة للمسلمين، ستؤدي في النهاية إلى انفجار لا يعلم مداه إلا الله. وإذا لم يتم تدارك الأمر، فقد تصل الأمور إلى مجازر في الطرق، وحرب أهلية طاحنة. وحينها سيبادر الصديق الإسرائيلي مع الحليف الأمريكي إلى التدخل لحماية الأقليات المضطهدة وحفظ الأمن والسلام في أرض الكنانة، متذرعاً بما يتعرض له الأقباط من اضطهاد. هذا المخطط ليس وليد خيال، ولا هو استنتاج وصلت إليه بعبقرية استراتيجية، وإنما هو سيناريو مكتوب تم العمل به سابقاً ويتواصل تنفيذه حاليا ًفي بلاد المسلمين. ولك أن تنظر إلى جنوب السودان، وإلى أرض الصومال والصحراء الغربية، وكردستان.

رغم أن هناك تراكمات كثيرة، إلا أنني أظن أن الحادث الذي يشكل العلامة الأبرز هو تسليم السيدة وفاء قسطنطين إلى الكنيسة. فهذه الحادثة الأولى تاريخياً التي تسلم فيها سلطة مسلمة امرأة مسلمة إلى غير المسلمين. وهي لم تخطف من بيتها أو من الطريق، بل إنها قد احتمت بالدولة (بأجهزة أمن الدولة تحديداً) فقامت الدولة بتسليمها إلى مؤسسة الكنيسة لتعتقلها بغير وجه حق. وقد كتب في حينها الدكتور العوا والمستشار طارق البشري كلاما نفيسا حول الموقف القانوني والشرعي والأخلاقي من هذه الحادثة. فإذا بنا نفاجأ بعدها بقليل بتسليم مسلمة أخرى هي السيدة ماري عبد الله. الأمر الذي ركز في نفوس المسلمين أن الكنيسة قد أصبحت أقوى من الحكومة. هذا الشعور بالمهانة لدى جموع المسلمين، جعلهم أقل قدرة على التسامح، وأكثر توتراً أمام أي تجاوز أو حتى شبهة تجاوز. ولن تهدأ النفوس وترتاح الخواطر حتى يتم الإفراج عن المسلمات المخطوفات، وتعود الثقة عند المسلمين من منعتهم أمام من يريد دينهم بسوء. وإذا لم تستجب الكنيسة لأصوات العقلاء من المسلمين، فسوف ينفض عنهم الناس ليتجهوا نحو الغلاة والمتطرفين، الأمر الذي سيؤدي إلى نشر التطرف والعنف الدموي بغير حدود.

الخلاصة أنه لابد أن يشعر المسلمون بالسيادة في أرضهم، والأمان في أوطانه، الأمان على أموالهم ودمائهم وأعراضهم ودينهم. أما دون ذلك، فستبقى النار وإن تحت الرماد حتى يأتي يوم يكون لها ضرام فتحرق الأخضر واليابس. ونسأل الله السلامة.