ثورة البحرين

ثورة البحرين

بعد نجاح الثورة التونسية في إسقاط نظام بن علي، استيقظ الأمل في صدور الشعوب العربية للتخلص من الطغيان والاستبداد. وبعد نجاح الثورة المصرية في إسقاط نظام حسني مبارك، أيقنت الشعوب أن بقاء تلك الأنظمة يعتمد على قبول الشعوب أكثر مما يعتمد على الدعم الخارجي. فقام الشعب في ليبيا واليمن. وكذلك بدأت تحركات البحرين، التي سماها البعض ثورة شعبية، واعتبرها البعض مؤامرة إيرانية ضد البحرين.

بدأت أحداث البحرين في 14 فبراير، ذكرى الميثاق الوطني الذي تم إقراره بموجب استفتاء في العام 2001، بمظاهرات ومسيرات من أماكن متعددة في البحرين، وإن كان أكبر تلك المسيرات كانت من قرى شيعية، ولكنها ضمت بعض السنة. وكانت المطالب الأساسية المعلنة متعددة ومتفاوتة، بين المطالبة ببعض الإصلاحات السياسية مثل العودة إلى الميثاق وإلغاء دستور عام 2002، وإسقاط الوزارة وإقالة رئيس الوزراء، ومكافحة الفساد، وإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، وبين الدعوة إلى إقرار ملكية دستورية، ودعت أصوات قليلة وهامشية إلى إلغاء النظام الملكي كاملاً والتحول إلى جمهورية. هذا التعدد في المطالب كان أكبر نقاط الضعف في تلك التحركات. فبالرغم من أن كثير من المطالب تلقى قبولا واسعاً، مثل مكافحة الفساد وضرورة إجراء إصلاحات دستورية، إلا أن المطالب المغالية مثل إسقاط الملكية وطرد آل خليفة من البحرين لم تكن محل قبول فئات كثيرة من الشعب.

وكانت المسيرة في مجملها سلمية من المتظاهرين، وإن شابها بعض الاشتباكات مع الأمن، أدت إلى مقتل شخصين من المتظاهرين، وانتهت المسيرة بتمركز المتظاهرين في دوار مجلس التعاون الخليجي – والمعروف شعبياً باسم دوار اللؤلؤة. وبرغم أن المطالب كانت في ظاهرها مطالب وطنية بامتياز، ولكن الأغلبية الكبرى للمتظاهرين كانت من الشيعة العرب (البحارنة). مما أعطاها صيغة طائفية، برغم من مشاركة بعض السنة.

في اليوم التالي مباشرة، ألقى الملك كلمة قدم فيها العزاء لضحايا الأحداث، وأمر تشكيل لجنة تحقيق، وأعلنت وزارة الداخلية عن التحفظ على المسؤولين عن وفاة الشخصين.

بعد وصول المتظاهرين إلى الدوار، اعتبر البعض منهم أنهم قد انتصروا على قوات الأمن، وأنهم يحوزون تأييد الأغلبية الكبرى من الشارع البحريني، وبالتالي فقد رفع البعض سقف مطالبهم إلى إسقاط الملكية. مكررين نفس العبارات التي قيلت في الثورة المصرية، من أن المطالب السابقة قد سقطت، وأن سقف المطالب قد ارتفع.

كان رد الأجهزة الأمنية حاداً وعنيفاً، عندما قامت في فجر 17 فبراير بإخلاء الدوار بالقوة، وكان هجوم قوات الأمن فجراً. في توقيت اعتبره المتظاهرون جريمة، وبررت الحكومة التوقيت بأنه استهدف وجود أقل عدد من الأشخاص. وهذا الهجوم لم يكن مبررا عند كثير من الشعب، وأكسب المتظاهرين تعاطفاً واسعاً، ولكنه تعاطف لا يصل إلى حد التأييد. فقد كان الشارع السني يشعر بأن الدعوة لهذه المظاهرات شيعية في مبتدئها، وشيعية في جمهورها. ومع إخلاء الدوار بالقوة، نزلت قوة دفاع البحرين إلى المنطقة لتأمين عملية إخلاء الدوار، ولم تشارك في عملية الإخلاء.

بعد هذه الحادثة الدامية، التي راح ضحيتها عدد من القتلى والمصابين من الجانبين، تعهد المعارضون بتسيير مظاهرات حاشدة لتشييع القتلى، والاستمرار في المطالبة بإسقاط النظام. وسارت المظاهرات لتهاجم المستشفي الرئيسي في البحرين – مجمع السلمانية الطبي. وانتشرت إشاعات عن تعرض المتظاهرين لإطلاق الرصاص الحي والقناصة من طائرات عمودية، وهي إشاعات ثبت كذبها.

بالمقابل، في يوم 18/2 تنادى المؤيدون للحكومة للخروج في مسيرة مقابلة، مسيرة الوفاء التي اتجهت إلى مسجد الفاتح، وقد كانت أعداد المشاركين فيها مقاربة لأعداد المتظاهرين في الجهة المقابلة، وكانت هذه المسيرة بأغلبية سنية. الأمر الذي كرس بوضوح انقسام الشارع البحريني، بين مؤيد ومعارض، وبالتالي لم يعد أحد يستطيع حقاً أن يدعي التعبير عن الشعب. فكل هتاف يزعم أن الشعب يريد، لم يكن له سند حقيقي على الأرض. وأقصى ما يصدق عليه أن بعض الشعب يريد.

وجاءت أول خطوات التهدئة من ولي عهد البحرين الشيخ سلمان بن حمد، الذي توجه إلى التلفزيون البحريني ليوجه دعوة إلى الجميع بالتهدئة ودعا إلى حوار وطني يضم جميع القوى السياسية والمجتمعية للوصول إلى مخرج للأزمة وتفادي الانشقاق الطائفي. متعهدا في الوقت نفسه بأن يقوم بسحب قوات الجيش، والسماح للمتظاهرين بالاعتصام في الدوار، واحترام حق التظاهر السلمي. وقد نفذ بالفعل ما وعد به. ففي اليوم التالي انسحبت مدرعات الجيش، وظل الأمن محيطاً بمنطقة الدوار الذي استعاده المتظاهرون. وقد وردت أنباء عن وقوع اشتباكات محدودة بين الأمن والمتظاهرين أثناء عودتهم إلى الدوار. وفي الوقت نفسه أصدر الملك عفوا شاملاً عن المحكومين والمتهمين بقضايا (اعتبرها المتظاهرون سياسية)، وإن كان من بينها أعمال تخريب وقتل أفراد من الشرطة.

ومع عودة المعتصمين إلى الدوار، اعتصم عدد منهم بساحة مركز السلمانية الطبي، مما أعاق عمل المستشفى بدرجة كبيرة، وهي المستشفى الذي يعتمد عليه سكان البحرين بدرجة كبيرة جدا. وقد وردت روايات كثيرة عن تعطيل عمل المستشفى، ورفض بعض العاملين فيه علاج مرضى أو إرسال سيارات الإسعاف لمصابين في حالات عديدة. هذه الممارسات كانت لها أثرها السلبي في التعاطف الشعبي مع المتظاهرين.

وبعدها بدأت إضرابات واسعة من قبل الموظفين الشيعة، في عدد كبير من القطاعات، وكان أكثر القطاعات تضررا وتأثرا هي التعليم والمستشفيات. وعند بداية الفصل الدراسي الثاني، بدا العجز واضحا في عدد المدرسين الذين قام الكثير منهم بتسجيل حضورهم تفادياً لأي إجراء قانوني، ثم الاعتصام أمام المدارس أو مغادرتها. قامت الحكومة بفتح باب التطوع للمواطنين من أجل تغطية العجز في عدد المدرسين، وتقدم عدد من المدرسين السابقين أو المؤهلين للتدريس وبعض أولياء أمور الطلبة من أجل العمل التطوعي في المدارس لسد العجز الحادث. وقوبل هذا الأمر في بعض المدارس بالرفض من الإدارة أو الإساءة إلى المتطوعين، وصل إلى حد قيام بعض إدارات المدارس بإهانة المتطوعين أمام الطلبة. وبدا أن هناك حشد للطلبة من أجل الاعتصام أمام المدارس. ومع تنوع مواقف الطلبة (تبعاً لأسرهم، وتبعاً لانتمائهم) حدث عدد من الصدامات بين الطلبة في المدارس. الأمر الذي زاد من احتقان الأوضاع. وصل في بعض المدارس إلى استعمال السلاح الأبيض والتهديد بالمقصات في إحدى مدارس البنات.

أمام هذا الانقسام الواضح في الشارع، أطلق الشيخ عبد اللطيف المحمود الدعوة إلى تجمع الوحدة الوطنية. منادياً بالاتفاق على عدد من الإصلاحات، وعدم تحويل الوضع إلى فتنة على أساس طائفي. ودعا جميع الأطراف إلى التهدئة والحوار من أجل التوصل إلى مخرج من الأزمة الحالية دون أن تتسبب في خسائر كبيرة على المدى الطويل، والخسائر هنا تتعلق بالعلاقات بين أبناء الوطن الواحد. ودعا كذلك إلى معاجلة المشاكل العالقة، وتحقيق المطالب المشروعة مثل محاربة الفساد، وزيادة صلاحيات البرلمان، ومعالجة البطالة، وزيادة الرواتب، وغيرها.

أعلنت الجمعيات السبع (تحالف سبع جمعيات معارضة أبرزها جمعية وعد (ليبرالية) وجمعية الوفاق التي تعتبر الممثل السياسي الرئيسي للشيعة) قبولها لمبدأ الحوار، بشرط أن يوافق عليه شباب 14 فبراير. (وهي كيان افتراضي غير معرّف). وقالت الجمعيات إنها لا سيطرة لها على شباب الدوار أو ما سمي بشباب 14 فبراير.

وضع المتظاهرون عدد من الشروط للبدء في الحوار، واستجابت الحكومة لبعض هذه المطالب، فقامت بإجراء تغيير وزاري شمل عدد من الوزراء، وكان الملك قد أصدر عفواً عاماً عن المحكومين والمتهمين في قضايا سياسية (ومنها قضايا جنائية كذلك). وشمل هذا العفو حسن مشيمع (رئيس حركة حق) المتهم في قضية محاولة قلب نظام الحكم التي كانت منظورة أمام المحكمة. (والذي كان لاجئاً في لندن، وعاد بعد هذا العفو إلى البحرين)، وكان له دور كبير في تفجير الأوضاع بعد عودته.

استقر الوضع نسبياً على اعتصام الشباب بالدوار ومستشفى السلمانية، وسعت الحكومة إلى تسيير الأمور بشكل طبيعي قدر الإمكان. كما أعلنت يوم الجمعة 25/2 يوم حداد وطني حزناً على ضحايا الأحداث الأخيرة من أبناء الوطن.

لجأت الحكومة إلى التهدئة، أملا في الوصول إلى مخرج سلمي للأزمة، يجنب البلاد مخاطر الفتنة الطائفية. وراهن المتظاهرون على عدم قدرة الحكومة على تحمل الأوضاع، وعلى بعض التأييد الدولي أو التدخل الخارجي. وهو الأمر الذي أظهرته بوضوح المسيرات المتجهة إلى السفارات الأمريكية والبريطانية في البحرين، بالإضافة إلى ما قاله علي سلمان (رئيس جمعية الوفاق) في وقت لاحق.

عندما شعر المتظاهرون أن الاعتصام والدعوة للإضراب لم تؤثر بالشكل الذي توقعوه، بدؤوا في التصعيد بغرض فرض إرادتهم على النظام. وكان ذلك بعد عودة حسن مشيمع. فتعددت المسيرات اليومية إلى الوزارات والمؤسسة العامة لرئاسة مجلس الوزراء ومقر مجلس النواب والشورى وغيرها من المرافق العامة، ثم جاءت مسيرة إغلاق المرفأ المالي (الأولى)، وهو المركز المالي الذي يضم عدد كبير من البنوك والمؤسسات المالية. وقام المتظاهرون بإغلاق الطريق المؤدي إلى المرفأ. وأثناء خروج إحدى السيدات من المرفأ، وجدت الطريق مغلقاً، وكان بعض المنظمين للمسيرة يحاولون فتح الطريق أمامها، ومع تدافع الناس حولها، شعرت بالارتباك، وما إن وجدت فرجة تكفي لمرورها حتى اندفعت مسرعة، وأصابت أحد المنظمين إصابة طفيفة. هذه الحادثة تم تصويرها على جانب أنها عملية دهس متعمدة للمتظاهرين، الذي قاموا بالوصول إلى بيانات السيارة من إدارة المرور، ونشرت هذه البيانات في وسائل الإعلام، مع التهديد بالانتقام منها. وفي الجهة الأخرى تصور المؤيدون من السنة أن الأمر كان تحرشاً بسيدة منهم، الأمر الذي أثارهم أشد الإثارة. وتم تضخيم الأمر من الجهتين حتى وصل إلى محاولة الاعتداء على منزل السيدة في منطقة البسيتين بواسطة المعارضين، وتصدى لهذا الهجوم شباب المنطقة. وبدأ بعدها عمل اللجان الشعبية بشكل عشوائي في شوارع البحرين. فبدأ أهل كل حي في التواجد في مداخل الحي وعند التقاطعات لمراقبة السيارات القادمة إلى منطقتهم.

بعدها ألقى كل من السيد منصور الجمري، رئيس تحرير جريدة الوسط، وهو ابن أحد رموز المعارضة، والسيدة منيرة فخرو إحدى قيادات جمعية وعد (جمعية معارضة ليبرالية) كلمة في المتظاهرين، ودعا كل منهم إلى قبول دعوة ولي العهد بالحوار الوطني. ورفض أهل الدوار أي حوار مع الحكومة.

دعا تجمع الوحدة الوطنية إلى حشد جديد، وألقى الشيخ عبد اللطيف المحمود كلمة استنكر فيها رفض المتظاهرون لدعوة الحوار، وحملهم المسؤولية عما يحدث نتيجة لهذا الموقف. ودعا الحكومة إلى إقرار الأمن، وإعادة الأمور إلى نصابها، وتطبيق القانون الخاص بالمسيرات والمظاهرات.

مع استمرار الوضع المتأرجح بين تصعيد وتهدئة، تعددت المسيرات إلى أماكن متفرقة كان منها مسيرة إلى السفارة الأمريكية، حيث التقى وفد المتظاهرين بمسؤولين من السفارة الأمريكية. ثم لقاء للشيخ عبد اللطيف المحمود مع قادة الجمعيات السبع من أجل فتح باب الحوار الذي لا يزال موصداً. وأعلن الشيخ المحمود بعدها أن الجمعيات أبدت تفهماً واحتراماً لمطالب تجمع الوحدة الوطنية. وشاع أنهم قالوا إنهم يرغبون في الحوار، ولكن جمعية الوفاق (ممثلة التيار الشيعي المعارض في مجلس النواب) لا تستطيع أن تخالف أمر المرجعيات الدينية. ثم جاءت مسيرة إلى إدارة الهجرة والجوازات، وخرج بعض المتظاهرون عن المسيرة ليعتدوا على مركز تحفيظ القرآن في مسجد أبي بكر الصديق القريب من الإدارة.

وتعددت أحداث العنف في مناطق متفرقة من البلاد، منها ما تم تهويله ومنها ما لم يثبت وقوعه أصلاً. وساد جو من التوتر والقلق بين أبناء الطائفتين السنية والشيعية، مع وقوع بعض الصدامات في أماكن متفرقة من البلاد.

ثم ظهرت دعوة إلى مسيرة الرفاع، مسيرة إلى الديوان الملكي في منطقة الرفاع، وهي منطقة يسكنها السنة بالكامل، وكل أهلها موالون للملك وللأسرة الحاكمة تماماُ. فأعلن أهل الرفاع رفضهم لأي مسيرة تتجه نحو منطقتهم. كذلك أعلنت الجمعيات السبع (ائتلاف من سبع جمعيات معارضة أهمها وعد والوفاق) رفضها لهذه المسيرة، ودعت إلى مسيرة أخرى في منطقة الدوار. إلا أن المتظاهرون اتجهوا فعلا إلى الرفاع، ليستقبلهم أهلها في دوار الساعة (عند مدخل الرفاع) بالعصى والسلاح الأبيض. ووقفت قوات الأمن بين الفريقين. ومع ذلك فقد وقع اشتباك بين الفريقين اضطر معه الأمن إلى تفريق الجميع باستخدام القنابل المسيلة للدموع. هذا الاشتباك الذي اتهم كل فريق الفريق الآخر بالمسؤولية عن وقوعه.

بعد هذه المسيرة، بدا واضحاً أن عملية التصعيد مستمرة، وأن الرفض السني لهذه الأعمال يتزايد، وأن الاحتقان الطائفي يتصاعد بشدة. وبدا واضحاً أن الأمور على حافة الانفجار. ففي الرفاع مثلاً قام الأهالي بالاعتداء على عدد من المحال التجارية التي يملكها الشيعة وأجبروها على الإغلاق، وتصدت لهم الشرطة وتم توقيف عدد منهم. بعد هذه المسيرة بدا من الواضح أن تأثير الجمعيات السبع ليس مؤثراً في الوضع، إلا إذا كان موقفهم العلني مخالفاً لموقفهم بين أنصارهم – وهي التهمة التي أطلقها بعض عناصر الفريق الموالي للنظام.

بالرغم من رفض الجمعيات السبع، والاشتباك الذي وقع، أصر المتظاهرون على إطلاق مسيرة إلى قصر الملك – قصر الصافرية – في اليوم التالي. وكانت المسيرة سلمية تماماً، ولم تشهد أي حشد إضافي للأمن أو أي تواجد للقوات المسلحة. ووقف المتظاهرون أمام القصر، وقام القصر بالمقابل بتقديم التمر والماء للمتظاهرين.

أعلن المتظاهرون بعد هذه المسيرة، أن هدفهم سيكون إغلاق منطقة المرفأ المالي، وتعطيل العمل في البنوك والمؤسسات المالية، والمصالح الحكومية، لإجبار الحكومة على تلبية مطالبهم. وهي المطالب غير المتفق عليها بين المظاهرين أنفسهم. وتفاوتت المطالب بين إسقاط الملكية وطرد الأسرة الحاكمة وإجراء إصلاحات دستورية.

في اليوم التالي، أعلن ولي العهد قبوله لمبادئ الحوار التي طلبها المتظاهرون، قائلاً إن كل المطالب مطروحة على طاولة الحوار، وأنه لا يوجد سقف للإصلاحات. بالمقابل لوحت كتلة الأصالة (جمعية سنية) في البرلمان باستجواب وزير الداخلية عن التقصير في حفظ الأمن منذ 14 فبراير. في اليوم نفسه نفذ المتظاهرون مسيرة إلى مدخل المرفأ المالي، بغرض منع الموظفين من الوصول إلى أعمالهم، وإجبارهم على المشاركة في الإضراب عن العمل. وتعددت أعمال العنف في مختلف أنحاء البحرين، حيث قتل عامل بنغالي، وأصيب 17 عاملاً آسيوياً في أحداث عنف بالمنامة. وقام المتظاهرون، باحتلال الجسر العلوي الذي يمر فوق الدوار، ويربط المنامة بضاحية السيف، وكذلك إغلاق الطريق الرئيسي بين الدوار ومدخل المرفأ المالي، ثم امتد الأمر ليصلوا إلى مدخل المنطقة الدبلوماسية. وتعرض عدد من المقيمين العرب للتهديد بالقتل إذا لم يغادروا البلاد، وتعرض بعض آخر للهجوم عليهم أو التعرض لهم.

في اليوم نفسه وقع حادث الجامعة. حيث قام بعض الطلبة بالتظاهر داخل الجامعة تأييداً للمعتصمين في الدوار، وقابلهم الفريق الآخر بالاستهجان والرفض، وتطور الأمر إلى هجوم عدد من المتظاهرين على بعض المجنسين من طلبة الجامعة، وتطور الأمر إلى اشتباك بين الطلبة، ثم إلى اعتداء على بعض الطالبات. وقام كل فريق بطلب الإمداد والنجدة. فوصلت شاحنات تحمل متظاهرين وقامت باقتحام بوابات الجامعة، ووصلت سيارة إسعاف محملة بعصي وأسلحة بيضاء للمتظاهرين. وبعدها بقليل وصل عدد من أهالي الطلبة لنجدة الطلاب السنة داخل الجامعة، وقاموا بتفريق المتظاهرين الذين أحرقوا بعض أجزاء الجامعة وألحقوا بها تلفيات وأضرار كبيرة.

يوم 14/3، بعد مرور شهر كامل على بداية الأحداث كان الوضع في البحرين على حافة الحرب الأهلية حيث الكل متحفز ومتوتر وجاهز للقتال. فقام الشيخ عبد اللطيف المحمود بزيارة علي سلمان – رئيس جمعية الوفاق، وإبراهيم شريف رئيس جمعية وعد (أبرز جمعيات تحالف الجمعيات السبع). وذلك بناء على طلب من ولي العهد الشيخ سلمان بن حمد. وطلب منهم انتهاز الفرصة لتحقيق المطالب الشعبية، وقال لهم إنها الفرصة الأخيرة لتحقيق أي إصلاح سلمي. وأن الوقت المتاح لم يعد طويلاً. وكانت إجابة الشيخ علي سلمان، إننا لا نخاف أحداً وسوف نستعين بإيران التي ستوفر لنا الحماية. وهكذا باءت المحاولة الأخيرة للحل السلمي بالفشل.

في المساء، تم الإعلان عن وصول قوات سعودية تابعة لقوات درع الجزيرة إلى البحرين، للمساعدة في حفظ الأمن والاستقرار، وحماية المنشآت الحيوية. وكان من الواضح أن دخول القوات السعودية تحت غطاء قوات درع الجزيرة جاء لقطع الطريق أمام أي تدخل إيراني في البحرين، خاصة بعد تصريحات إيرانية، وتصريحات علي سلمان باعتماده على التدخل الإيراني. خاصة أن قوات درع الجزيرة لم تشارك في عمليات فض الاعتصامات أو المداهمات الذي قامت به قوات الأمن البحرينية وحدها.

بعد ذلك مباشرة أعلنت الجمعيات السبع عن موافقتها على الدخول في الحوار الوطني، ولكنها طالبت بأن تكون الدعوة كتابية، كما طالبت بضمانات دولية لتنفيذ أي اتفاق. ولكن كان الوقت قد انتهى والصبر قد نفذ.

في يوم 16 مارس أعلنت الحكومة حالة السلامة الوطنية (الطوارئ). وقامت قوات الأمن بعمليات مداهمة لبعض القرى، وتناثرت أنباء عن ضبط مخازن أسلحة نارية وزجاجات حارقة معدة للاستخدام. هذه المداهمات جعلت الكثيرين يعودون إلى قراهم لتأمين منازلهم. وانخفض عدد المعتصمين في الدوار بدرجة كبيرة. ثم قامت قوات الأمن بإخلاء الدوار من المعتصمين. كان الإخلاء هذه المرة أفضل بكثير من المرة السابقة. إذ نجحت قوات الأمن في فض الاعتصام دون خسائر في الأرواح هذه المرة. ففي البداية، قامت قوات الأمن بتحذير المتظاهرين وإطلاق النار في الهواء. فانسحب معظم المتظاهرون، وقام بعضهم بإشعال النار في الخيام الأمامية التي كان بها اسطوانات غاز، بقصد أن تنفجر الاسطوانات في قوات الأمن المتقدمة نحو الدوار. يقول البعض إن قوات الأمن أطلقت النار باستخدام طائرة مروحية، ونفت الحكومة هذا الأمر، وقالت إن المروحية التي كانت تحلق كانت تقوم بالتصوير فقط. ولكن الثابت هم أن عملية الإخلاء كانت هذه المرة بدون قتلى. وقامت قوات الأمن بتتبع المتظاهرين إلى مناطق سكنهم، لمنعهم من العودة إلى الدوار. كما قام التليفزيون الحكومي بعرض عملية الإخلاء كاملة، وعرض عدد من الأسلحة والزجاجات الحارقة التي كانت معدة للاستخدام في الدوار. بعدها مباشرة كانت عملية إخلاء مجمع السلمانية الطبي، الذي قام المعتصمون بإغلاق مداخلة ولحام الأبواب، ووضع سيارات الإسعاف خلفها لمنع سيارات الأمن من اقتحامها. وقام التلفزيون الحكومي بعرض لقطات تبين نزول عدد من العمال الآسيويين – مكبلين- من سيارات إسعاف في مستشفى السلمانية، وذلك أثناء سيطرة المتظاهرين على المنطقة.

بعد فض الاعتصامات بالقوة، أعلنت الحكومة فرض حظر تجول جزئي على المنطقة المحيطة بالدوار. وبدأت عمليات مداهمة واعتقال لعدد من قيادات المظاهرات والمحرضين عليها.

في يوم 18 مارس بدأ هدم نصب اللؤلؤة الذي كان من معالم البحرين البارزة، وبدأت عملية إزالة دوار مجلس التعاون، وتحويله إلى تقاطع. وهي الخطة التي كانت موضوعة سابقاً، ولكن تم التعجيل بتنفيذها بعد هذه الأحداث. ثم بدأ أعضاء مجلس الشورى المستقيلون يسحبون استقالاتهم واحداً تلو الآخر. وهي الاستقالات التي سبق لهم التقدم بها أثناء تصاعد الأزمة.

مازالت تداعيات الأحداث تتوالى، لم يطو ملف الأحداث نهائياً، ومازالت بعض الخفايا تنكشف يوماً بعد آخر. ومازلت بعض المواقف تتبدل بين وقت وآخر.