بين مصر وإيران

بين مصر وإيران

 

تقوم العلاقات الدولية بين الدول على أساس مصالح كل دولة. مهما تباينت عقائد هذه الدول. ولكل دولة مجموعة مصالح تحرص على تحقيقها والمحافظة عليها، ومجموعة من المخاطر التي تراقبها وتعمل على تجنبها. في ظل هذا التدافع بين مصالح الدول، تنشأ تعاملات وتحالفات مؤقتة، وتنشأ في الوقت ذاته خلافات. وعلى الدول العاقلة أن تحكم تحالفاتها وخلافاتها المؤقتة (التكتيكية)، بالنظرة الاستراتيجية للمصالح والمخاطر. هذه النظرة الاستراتيجية التي يسميها البعض “رؤية المستقبل” والبعض يسميها “المشروع الوطني” أو “المشروع القومي”. كما أن علاقات الدول يؤثر فيها عنصر الجغرافيا السياسية أكثر من أي عنصر آخر. فمصالح الدول الجغرافية لا تكاد تتغير كثيرا.

بالنسبة لمنطقتنا، هناك ثلاث دول كبيرة محورية في المنطقة، مصر وتركيا وإيران. هذه هي الدول الثلاث المحورية في المنطقة. وبينها مجموعة مصالح وبينها تنافس طبيعي على الصدارة عبر التاريخ.

فن السياسة الخارجية، يقتضي توظيف خلافات الدول المختلفة لصالحي. بدلا من السماح لهم بتوظيف خلافاتي مع الآخرين لصالحهم. أمريكا تستفيد كثيراً من الخلافات الإيرانية العربية، والعربية العربية، وبقاء الكيان الإسرائيلي مرهون باستمرار الخلافات العربية العربية. والإسلامية الإسلامية. وليس من العقل أن أحشد كل من يخالفني في جبهة واحدة، بل إن العقل يقتضي أن أفرق كلمتهم، وأن أحقق باختلافهم مصالحي بأقل تكلفة ممكنة.

كان هناك ثلاث دول في العالم ليس لها علاقات سياسية مباشرة مع إيران، الولايات المتحدة الأمريكية، والكيان الإسرائيلي، وجمهورية مصر العربية.  وهذا وحده لا يليق بمصر.

إقامة علاقات سياسية أو اقتصادية بين أي دولتين في العالم لا يعني بالضرورة تبعية أي منهم للأخرى.

هذه معطيات أساسية للنظر في موضوع العلاقات المصرية الإيرانية.

أبرز الاعتراضات على إقامة علاقات مصرية مع إيران،

أ‌)       التدخل الإيراني في دول الخليج العربي.

ب‌)  نشاط إيران في نشر التشيع.

ت‌)  دعم إيران لنظام بشار الأسد.

ث‌)  اضطهاد السنة في إيران

القطيعة بين إيران ومصر استمرت أكثر من ثلاثين سنة، فهل تغير شيء من هذه الاعتراضات. هل ساهمت هذه القطيعة في دعم الأمن الخليجي؟ أو في استعادة أي من حقوق السنة في إيران؟ هل توقف نشر التشيع في أي مكان، وحتى في مصر نفسها؟

ماذا تملك مصر في ظل الأوضاع الراهنة من أرواق تضغط بها على إيران لتغيير سياساتها؟ أحسب أن وجود علاقات سياسية يمنح مصر ورقة إضافية في التفاوض مع إيران من أجل تحقيق ما تريده مصر، إذا كانت مصر تعرف ما تريد.

قبل أعوام، ذهب رجل فرد من مصر إلى إيران، رجل عالم فقيه يعرف كيف يتفاوض وكيف يحاور وكيف يعرض وجهة نظره. فحقق للسنة أضعاف ما حققته القطيعة المصرية الإيرانية. وأقنع النظام الإيراني بتغيير الدستور وإعطاء السنة المزيد من الحقوق. هذا هو الفارق الأساسي بين القطيعة العمياء، والعلاقات المبصرة.

من المفروغ منه، في ظني، أن علاقة مصر بإيران لا يمكن أن تكون على حساب أمن الخليج، لأن أمن الخليج يدخل في دائرة الأمن المصري بالضرورة. ودائرة الأمن المصري كانت قديماً تمتد من الشام إلى الحجاز إلى السودان إلى طرابلس (أو تونس). واليوم أصبحت الدائرة تشمل دول الخليج العربي وتمتد إلى جنوب السودان وتصل إلى تونس غرباً وتركيا شمالاً. هذه هي مصر المكان (حسب تعبير الأستاذ فهمي هويدي).

من وجهة نظر أخرى، هؤلاء المتعرضين على العلاقات المصرية مع إيران، لم نسمع لهم قولاً في العلاقات مع الصين أو روسيا أو اليابان أو قبرص.

يمكننا القول بأن علاقة مصر بإيران يجب أن تكون محكومة بمجموعة عناصر، منها:

  • الحرص على الأمن القومي المصري الممتد في الحدود السابق ذكرها على الأقل.
  • الحرص على عدم السماح بالتدخل في الشؤون الداخلية لمصر.
  • عدم السماح بنشر التشيع في مصر.

علينا أن نقيم علاقات قوية مع إيران، ولكن بصيغة تحقق لنا مصالحنا وتجنبنا المخاطر التي نخشاها، وكذلك الأمر مع دول العالم كافة.

أما مسألة نشر التشيع، فهذه في تقديري مسألة مختلفة عن العلاقات السياسية. وهذه علاجها لا يوم بالقطيعة السياسية، ولا بسب الشيعة ومذهبهم، ولا بنشر مبالغات وأكاذيب. وإنما بنشر صحيح العلم، بالاهتمام بتعليم اللغة العربية الصحيحة والفقه والشريعة والتاريخ. فهذه هذه الثغور الثقافية التي يتسلل منها كل من يحاربنا ثقافياً. وهذا ملف آخر يطول فيه الحديث.

Advertisements

التحرش بالجيش والشرطة يوم عيد الثورة الأول

التحرش بالجيش والشرطة يوم عيد الثورة الأول

شهادة لله وللوطن

د. سلوى محمد سليم

باحثة في مجال العلاقات بين الشرطة والمجتمع

جامعة عين شمس – القاهرة

لمصلحة من تحرك شابان في فورة غضب عنيفة مفتعلة وحاولا إثارة الجماهير التي كانت توشك أن تنصرف راضية مرضية بعد الصلاة والخطب وصلاة الغائب على أرواح الشهداء؟

رأيت بعيني هذين الشابين اللذين هجما فجأة على دائرة المجندين وبعض أفراد الشرطة والجيش الذين كانوا يحيطون بالصينية في وسط الميدان..

رأيتهما يخرجان من وسط الجموع متجهين بعنف نحو الصينية وكنت قريبة منهما جدا..

دون أن يحركهما شيء بعينه فالجيش والشرطة كانوا في منتهى الاحترام طول الوقت وكانا يتصرفان مع الجموع بتهذيب ومودة لم أرها من الشرطة المصرية منذ “وعيت على الدنيا”

وإذا بهذين الشابين يصرخان في حالة غضب جارفة لم أملك إلا أن أشعر بأنها مفتعلة حقا وبدت لي كمسرحية مبالغ فيها

كفاية بأة.. كفاية شغل التصوير بتاعكو ده.. مش هتبطلوا بأه.. امشوا ياللا أمشوا.. مش عاوزينكم هنا.

صراخ عنيف مصحوب بحركات عنيفة في الجسد وهجوم نحو الشرطة وضابط الجيش- الذي بقي في مكانه دون أن يتحرك أو يغير تعبير وجهه أو يرد عليهما –

لم ينقصه ليكون تحرشا فعليا إلا أن يمسك بالفعل تلابيبه ويلتحم معه في مشاجرة حقيقية.

بقي الضابط صامتا ولم يرد إلا بابتسامات مهذبة.. ولم يرد أحد من الشرطة الذين أدركوا أن ما يحدث ما هو إلا محاولة استفزاز رخيصة عليهم احتواؤها.

كل هذا وسط ذهول المحيطين مما يحدث لأنهم لم يروا له أي مبرر..

أخذت أصرخ في المحيطين بي وانا أشد بيدي على أيدي صغاري الثلاثة لئلا يفزعوا ويضيعوا مني في الزحام.. وقفوهم رجعوهم.. مش عاوزين مشكلة الشرطة ما عملتش حاجة..

لم يوقفهما أحد وفعلا تعجبت من صمت الجمهور

ثم فهمت أنهم يتجنبون الصدام

ولكنهم بحكمة مصرية خالصة بدأوا يتوجهون نحو الشرطة والضابط ويصافحونهم ويهنئونهم بالعيد.. واستمرت هذه المصافحات من الجماهير حتى انصرفنا في السابعة والربع

ثم أحاط بالشابين عدد صغير من الناس لا يجاوز المئتين وبدأوا يهتفون.. برة.. برة.. برة

وهم يشيرون نحو الشرطة وضباط الجيش..

لماذا؟

لماذا كل هذا الغضب ولمصلحة من استفزازهم؟

ما كان من الناس إلا أن بدأوا يهونون على الضباط ما يحدث ويوصونهم بالثبات والتزام الحكمة.. وقال لي أحدهم ما تخافوش.. احنا هنستوعبهم من غير مشاكل..

والحمد لله فعلا لم تحدث أية مشكلة واستمرت المظاهرة الصغيرة في الهتاف ضد الجيش والمشير والشرطة مع استفزازات بين الحين والآخر والضباط ينظرون إلى بعضهم بعضا أحيانا بصبر غير نافد وإلى الجمع أحيانا أخرى بابتسامات

مهذبة جدا

أشهد أني ما رأيت مثل هذه الحكمة ولا المودة من الشرطة من قبل أبدا..

وأني لم أظن أني سأعيش لأراها

أخذ الناس يدورون حول الصينية ويصافحون العساكر والضباط ويهنئونهم بالعيد

وانتشر عدد قليل جدا من البنات شديدات الحماس لمسألة تحريض الناس على الجيش- انتشرن بين الجموع يشرحن للجمع غير الغاضب أنه يجب أن يغضب وأن الجيش مزودها.. إلخ إلخ..

بصراحة مش عارفة مين اللي مزودها النهاردة..

وفي طريق انصرافي قررت أن أكتب هذه الشهادة للنشر حتى إذا ما تطور الأمر مساء واعتقل شخص نعرف جميعا أصل الحكاية

حكاية المحاولة المتعمدة لاستفزاز من وقفوا لحمايتنا في أثناء الصلاة.. وصلى منهم معنا من صلى صلاة الغائب على شهدائنا وشهداء المسلمين جميعا..

ومانقولش الشرطة العسكرية اعتقلت المصلين دون سبب

وبتحاكم الثوار..

دول مش ثوار..دول مخربين ومثيرين للوقيعة..

يا ترى الأحداث السابقة اللي أدت لاعتقال آخرين في الميدان كانت من نفس النوع؟

أنا ما شفتهاش.. لكن شفت دي بعيني..

وهذه شهادتي عليها لله وللوطن

رعى الله مصر شعبا وجيشا وشرطة..

إيد واحدة

 


مصر تدور في فلك وحدها

مصر تدور في فلك وحدها

 

قبل سنوات، كنت أقول لمن يسألني عن مصر، إن مصر تدور في فلك وحدها. فالأشياء تحدث في مصر بأسلوب مختلف عن أي بلد آخر. حتى الثورة كان لها شكل مختلف في مصر. فهي ثورة تابعها العالم كله مندهشاً، عاجزا عن فهم ما يحدث، وكيف يحدث. والحقيقة أنه من الصعب على أي متابع من الخارج أن يفهم ما يحدث في مصر، إلا إذا نسي كل ما تعلمه عن العالم. فمصر لا تدور مع الأرض في دورانها، بل تدور في فلك وحدها.

هذه الثورة العجيبة التي لا تشبه ثورة أخرى، ولا تشبهها ثورة أخرى. إلا في كونها ثورة أسقطت حاكماً ظالماً، فقد شعبيته وشرعيته مع مرور الزمن، وتراكم الظلم. أنا سوى ذلك، فقد كانت فريدة في نوعها وشكلها.

فهي بدأت دون تخطيط محكم، فقد بدأت بمظاهرات تطلب الإصلاح، فلما استنفذ النظام قوته دون أن يسكتها. ارتفع سقف المطالب إلى التغيير الكامل وهو ما عبر عنه الثوار بقولهم إسقاط النظام. وهي سارت ونمت وحددت مطالبها دون قيادة واضحة، ولا زعامة لأحد. ولم يقدها تيار سياسي أو فكري. بل كان معبرة عن الوعي العام المصري، والمزاج الخاص للمجتمع المصري كاملاً.

وهي الثورة الأولى التي يدعى الناس إليها قبل شهر من موعدها، وكأنها حفل مثلاً، وليست ثورة لتغيير نظام البلد.

تكاد تكون هذه الثورة هي أول ثورة يتابعها الناس مباشرة لحظة بلحظة.

هذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها الثوار بتنظيف مكان اعتصامهم بعد نجاح الثورة، بل وأثناء الاعتصام.

وهي أول ثورة تكون فيها البلاد أكثر أمناً في غياب الشرطة. وأن تكون الشوارع أنظف في غياب عمال النظافة.

هذه هي الثورة الوحيدة التي خلت من العدوانية تقريباً. فكان الناس قبل الثورة أكثر عدوانية وأشد شراسة منهم أثناء الثورة. والثورة عادة ماتكون تعبيرا عن غضب طويل، ينفجر في أعمال عنف أو في شراسة عدوانية، ولذلك سميت ثورة. أما يتحول الناس إلى السماحة والوداعة أثناء الثورة. فهذا أمر جديد.

هذه هي الثورة الوحيدة فيما أعلم التي استخدم فيها الثوار سلاح الكلمة كسلاح أساسي في هجومهم على النظام، ولم يستخدموا العنف إلا دفاعاً. وكان سلاح الكلمة فعالاً دائماً، وجارحاً أحياناً.

عرفنا في الثورات كلها، فيلسوف الثورة، وشاعر الثورة، وأديب الثورة، وخطيب الثورة، وطبعاً شهداء الثورة. ولكن في الثورة المصرية وحدها رأينا حلاق الثورة. الذي جاء متطوعاً ليحلق للثوار شعرهم مجاناً. ورأينا عريس الثورة، الذي احتفل بزفافه في ميدان التحرير وسط الثوار. وكانت هذه بعض السبل التي أبدى بها الثوار عزمهم على تحقيق هتافهم الشهير، (مش حانمشي، هو يمشي).

كذلك كانت هذه أول مرة فيما أعلم، يقوم فيها النظام بإرسال مجرمين محترفين لمهاجمة جموع الشعب. وهي سنة بدأت بعض الأنظمة تمارسها. ويتحمل وزرها من بدأ بها أول مرة.

قيل قديماً، إن العرب تبع لمصر، برهم تبع لبرها، وفاجرهم تبع لفاجرها، وعالمهم تبع لعالمها وجاهلهم تبع لجاهلها. وكذلك العابد والعاقل والفاجر والسفيه. ومن عجب أن نرى الثورات في العالم العربي يحاول تقليد الثورة المصرية، وتحاول الأنظمة السير على طريق النظام المصري. صحيح أنه من الصعب على شعب آخر أن يقوم بما قام به شعب مصر، بذات الأسلوب، ولكن تقليد النجاح أمر عادي. ولكن العجيب أن تسير الأنظمة على نفس طريق النظام المصري السابق، فتقليد الخاسر أمر غير شائع.

كانت بعض ملاحظاتي على هذه الثورة الفريدة.

أن الناس بمجرد أن شعروا أن ضغط النظام الحاكم قد ارتفع عنهم، بغياب جهاز الأمن الحكومي، تبدلت أحوالهم وتغيرت طباعهم. وكأن الناس قد شعروا في لحظة أنها بلدهم هم. وليست بلد أولئك القاطنين في السحاب. فرأينا كل منهم يحرص على الدفاع عنها، فقام كل منهم على ثغر من الثغور، فمن حراسة المتحف المصري، إلى حماية الأحياء السكنية، إلى المحافظة على تنظيم المرور، إلى تنظيف الشوارع.

كانت الجرائم تقع في مصر، كما في أي بلد آخر. ولكن المرعب كان أن تقع الجرائم في الطريق العام وفي شارع مزدحم وفي رابعة النهار. فلا يفكر أحد في نجدة الضحية أو إغاثتها أو منع وقوع الجريمة، سواء كانت سرقة بالإكراه أو تحرش أو غير ذلك. فلما قامت الثورة، واختفى رجال الشرطة. أصبح الناس يحرس كل منهم الآخر، ويعمل على حمايته. فأصبح الشارع أكثر أمناً.

لاحظت، كما لاحظ الكثيرين، اختفاء النكتة أو ندرة النكات المضحكة في مصر في السنوات الأخيرة. وكانت الملاحظة التي أبداها الكثيرون، أن المصري يسير متجهماً عابساً على غير ما اشتهرت به مصر طوال تاريخها. فلما قامت الثورة، إذا بمخزون النكات ينفجر مرة أخرى، وأصبحنا نسمع في كل يوم عشرات النكات حول كل ما يقوم به النظام من محاولات عابثة للتمسك بالسلطة.

فكانت الهتافات الساخرة، واللافتات المضحكة تملأ ميدان التحرير، وتنتشر منها إلى أقطار الأرض. فكانت هذه الثورة هي الوحيدة في التاريخ المعروف التي يقيم فيها الثوار زاراً لطرد الرئيس.

من الأمور التي أثرت في نفسي، أنني أرسلت رسالة تهنئة لأهلي وأصدقائي في مصر. فجاءني اتصال من رجل لا أعرفه، من رقم مسجل عندي باسم أحد الأصدقاء. وبدأت المكالمة بالتهنئة، قبل أن أنتبه إلى اختلاف الصوت. فلما أدركت الخطأ اعتذرت للرجل عن الإزعاج. فما كان منه إلا أن قال لي: “بل أنا سعيد بسماع صوتك، وأنك تهنئني”، وأوصاني بأن أحافظ على البلد، وأن علينا أن نعمل معاً دائماً من أجل بلادنا، لكي لا يعود عهد الظلم والفساد مرة أخرى. هذه الروح الودودة التي كنت قد افتقدها في مصر منذ زمن.

هذه مجرد مشاهدات عن بعد عن الثورة المصرية الفريدة من نوعها. اقترحت بعض وسائل الإعلام تسميتها بالثورة الضاحكة، ولكني لا أجد لها اسما أنسب من الثورة المصرية.

فهي ثورة مصرية صميمة، لا تشبهها ثورة أخرى، ولا يمكن قياسها على تاريخ الثورات، ومن الصعب أن يقاس عليها ثورة أخرى. إلا في بد مثل مصر، ولا يوجد بلد مثل مصر، فهي تدور في فلك وحدها.

أعتذر لك يا مصر

أعتذر لك يا مصر

 

أعترف اليوم أنني كنت مخطئا في فهم مصر وشعبها، وكنت مخطئاً في تصوري لحال هذه البلد. فلم أكن أتصور أن يكون هذا هو سلوك الشعب المصري رجالا ونساء، شباباً وكهولا وشيوخاً. وبرغم أنني لم أفقد إيماني بوجود الخير في أهلي وقومي، ولم أفقد إيماني بقدرتهم على الفعل والتغيير. ولكنني لم أدرك حجم هذه القدرة، ولا رأيت قدر هذا الخير قدر ما رأيته في الأيام في الأيام القليلة الماضية.

كنت دائماً بين الرجاء واليأس. كنت أخاف أن أتوقع هذا اليوم، أخاف أن لا يصدق توقعي فأصاب بالإحباط واليأس، كنت من شدة خوفي من اليأس قريباً جداً من اليأس، لولا بقية من إيمان أتمسك بها. وأتمسك بها وأقر أنني لا أرى ضوءا من نهاية النفق، ولكنني كنت دائماً أؤمن أن هناك ضوء.

كنت أظن إن الجيل الجديد معظمه من المصريين الجدد، الذين أخرجهم نظام التعليم الشقي، ونظام الإعلام المصري الذي لم أجد له وصفا لائقاً، غير أنه إعلام مغيّب (بفتح الياء وكسرها). وكنت مخطئا في ذلك. فهذا الشباب الذي خرج بمئات الآلاف في جميع أنحاء مصر، يطالب بما يريد، يصر على مطالبه. ويواجه قوات البطش والطغيان. أعزلا من كل سلاح إلا الإيمان والإرادة والعزم. هذا جيل يستحق أن ننحني أمامه، وأن نقر له بالفضل.

بدأ الأمر بمظاهرة ضخمة في الميادين الرئيسية في مصر، في القاهرة والإسكندرية والسويس والمنصورة ودمياط والمنوفية (بلد الرئيس السابق، والأسبق) وغيرها من أنحاء مصر. وهي المظاهرات التي أفقدت أجهزة الأمن اتزانها. إذا لم يكن الأمن يتوقع أن يكون الأمر على ماكان عليه. فقد تعود على مظاهرات تقليدية، يعرف منظميها ومطالبهم وحدود قدراتهم واستعداداتهم. ويعرف الإعلام كيف يشوه أفعالهم وينسب إليهم ما يشاء، ويجد دائماً من يصدقه. فإذا به يواجه أمراً جديداً لم يره من قبل. يواجه شعب مصر، رجالا ونساء، شباباً وكهولاً وشيوخاً، فقراء وأغنياء، متعلمون يحملون أعلى الشهادات، وبسطاء لا يكادون يعرفون القراءة والكتابة. مسلمين ومسيحيين وملاحدة، شيوخ دين وفنانين وأدباء وصعاليك. أفراد من جميع الأحزاب ومختلف التيارات الإسلامي واليساري والليبرالي والعلماني. كلهم على صعيد واحد، بطلب واحد. لا تقودهم جهة معروفة، وإنما يجمعهم مطلب واحد ورغبة واحدة في غد أفضل. واتفقوا جميعاً على أن بقاء النظام لا يسمح لهم بهذا الغد الأفضل.

وقد رأينا النظام الساقط ممثلا في الجهاز الأمني والإعلامي يمارس محاولات ساذجة، لقمع وتشويه هذه الحركة. فقد خرج علينا أساطين الإعلام من رؤساء تحرير الجرائد الحكومية يقولون كلاماً يضحك الثكالى. وكذلك بعض رجال مجلس الشعب المشهود لهم بالتزوير. ورأينا الأمن يطبق النظرية التي يؤمن بها، وقد سمعتها من بعض رجال الشرطة. إن المظاهرات في مصر مهما كان حجمها تتفرق فوراً مع إطلاق أي رصاص. يكفي أن نطلق بضع رصاصات لتفرق آلاف المتظاهرين. ولكنهم هذه المرة لم يتفرقوا، ولم يهربوا كما ظن رجال أمن النظام. فثبت أن النظام الأمني خارج الزمن، غائب عن الوعي.

ووضح أن الأمر أكبر مما ظن هؤلاء، وأكبر مما ظننت أنا نفسي. وأعترف أنني ظللت بين الشك واليقين، وبين الرجاء واليأس، حتى كانت جمعة الغضب المباركة. وحاولت أجهزة الداخلية استخدام وسائلها المعتادة، من تفريق المتظاهرين وتكسير عظامهم وقتل البعض وإطلاق الرصاص الحي، ولم تفلح هذه المحاولات أمام إصرار شباب قرر أن يخرج ولا يعود إلا منتصراً. أو حسب القول الروماني (أن يعود بالدرع أو محمولا عليه). يوم الجمعة أيقنت أن الأمر قد حسم، ولم يبق إلا قليل، وتشرق الشمس من جديد.

فلجأ النظام إلى الخطة البديلة، سحب رجال الشرطة بالكامل. فرأينا اختفاء رجال الشرطة بالكامل، وإطلاق المساجين جميعاً، وهذا الإجراء يهدف إلى خدمة أمرين، الأول أن يخاف المتظاهرون على بيوتهم ونسائهم وأموالهم، فيعود كل منهم ليحمي بيته، مما يعطي النظام الفرصة للتعامل مع الموقف، ثم إذا عاد النظام قال للناس ألم أحفظ لكم أمنكم ثلاثين عاماً. انظروا نتيجة المغامرات غير المحسوبة، والأعمال الطائشة، وانظروا إلى إجرام المتاجرين بكم وهم يسعون إلى تخريب البلاد. ثم يركز الإعلام في الثلاثين عاماً القادمة على أن مبارك هو الأمن والأمان والأمل والرجاء والماضي والمستقبل. وأن الذي خرجوا عليه هم ثلة من المجرمين، كما قال سابقه من قبل عن انتفاضة الحرامية.

كل هذه المظاهرات والرفض كنت أتوقعه يوماً ما. ولكن ما لم يخطر ببالي، ولم أتوقعه يوماً هو ماحدث بعد اختفاء الشرطة. فقد بادر الناس، الأهالي المشاركون في المظاهرات والمترقبون للأحداث والمنتظرون في بيوتهم، يتحركون فوراً، وهذه هي الروح التي لم أكن أعرفها، يقول من سبقني سناً أن هذه الروح تشبه ما كان في عام 1973، ولكني لم أدرك تلك الأيام.

فقد رأينا الناس تخرج لتنظم دوريات حراسة لأحيائها ومساكنها، ودروعاً بشرية لحماية منشآت عامة نملكها جميعاً مثل المتحف المصري. ورأيت هؤلاء الشباب الذي أسأنا فيهم الظن، يخرجون ليغطوا غياب الأجهزة الرسمية بالكامل. فيحفظون الأمن وينظمون المرور وينظفون الشوارع والطرقات. وقد تكلمت مع بعضهم، فرأيت روحا عالية، وإصراراً مذهلاً، على تحقيق الهدف.

كان مما أزعجني قبل أيام، هو ظهور حالة من العداء بين بعض المسيحيين وجيرانهم المسلمين في بعض أحياء القاهرة، فلما سألت عن ذلك يوم السبت. قيل لي، كأن الأمر لم يكن. فقد جاءنا جيراننا الذي تجهموا في وجهنا سابقاً ليسألونا إذا كنا نحتاج شيئاً ويرتبوا معنا إجراءات الحماية والسلامة. وفي بيت غاب عن الرجل، حرص أهل البناية على طمأنة النساء، أنهم لا يحتاجون إلى الخروج، ورجال البناية حاضرون لمعاونتهم في ما يحتاجون. وهذا أمر عرفته في أنحاء مختلفة من مصر.

ما شاهدته، وهو قليل بلا شك، يقول إنه بمجرد سقوط النظام، وسقوط النظام لا يعني خروج الرئيس، وإنما اختفاء مظاهر السلطة من الشارع، بمجرد سقوط النظام بادر الأهالي إلى وضع نظام بديل. سمح لهم أولا بالاطمئنان على أهلهم وذويهم. فإذا غاب بعضهم عن البيت فقد حضر آخرون يحرسونهم. وعرف الناس بيقين أنهم هم النظام وهم القانون وهم حماة الوطن على المستويات كافة.

والغريب أنه بغياب النظام وجد الناس فرصتهم التي ينتظرونها منذ عقود للمشاركة في فعل شيء للبلد، في تقديم خدماتهم للبلد. وإحساسهم أن ما يفعلونه يعود عليهم وليس على ثلة من المنتفعين. هذه المشاركة الواسعة، التي عجز النظام عن تحقيق شيء منها على مدى ثلاثين عاماً تكفي وحدها دليلاً على ضرورة إزالة بقايا هذا النظام.

أعرف أن الأمر لم يكن وردياً أبداً. وأنه قد سالت دماء زكية طاهرة، وأزهقت أرواح بريئة نقية، وسلبت أموال. وحدث فساد لا يرضاه أحد، ولا يقبله عاقل سوي. ولكن الشدائد تظهر معادن الناس. وقد ظهر معدن أهل مصر على خير وجه.

أظن أن الأمن قد جرب كل الحلول التقليدية التي رأيناها سابقاً، ولم يجد أي منها. ولم يبق أمامه إلا أن يرحل، أو يجرب ما جربه من قبل النميري ومن قبله الشاه، وكلاهما رحل. أن يأمر الجيش بإطلاق النار على المتظاهرين. ولا أظن الجيش المصري يطيع أمراً كهذا.

لذلك وصفته بالرئيس السابق، والنظام الساقط. فهي مسألة وقت قليل لا أكثر. وإنما النصر صبر ساعة.